تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬يصمد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬أمام‭ ‬تراجع‭ ‬الترابط‭ ‬التجاري؟

RN66

تشهد‭ ‬منظومة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تحولات‭ ‬لافتة‭ ‬تعاكس،‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬كبير،‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬والمبنية‭ ‬على‭ ‬التعاضد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتكامل‭ ‬الأسواق‭. ‬فمنذ‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬تسارعت‭ ‬وتيرة‭ ‬القيود‭ ‬التجارية،‭ ‬وتوسعت‭ ‬سياسات‭ ‬الدعم‭ ‬والحماية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وسعي‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬إلى‭ ‬تحصين‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وقد‭ ‬دفعت‭ ‬الجائحة‭ ‬العالمية‭ ‬والحرب‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬عبر‭ ‬إجراءات‭ ‬عاجلة‭ ‬أحدثت‭ ‬تشوهات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التدفقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التحالفات‭ ‬والاعتبارات‭ ‬الجغرافية–السياسية‭ ‬تحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬اقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تقوض‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭ ‬وتؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬النظام‭ ‬التجاري‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬القصيرة‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للصدمات‭ ‬المحلية‭. ‬ويعكس‭ ‬ازدياد‭ ‬تركّز‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬تربطها‭ ‬اعتبارات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬مشتركة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يظل‭ ‬التساؤل‭ ‬الجوهري‭ ‬مطروحًا‭: ‬هل‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬التجارة‭ ‬باعتبارها‭ ‬محركًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للرخاء‭ ‬الاقتصادي؟‭ ‬الإجابة،‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بالنفي‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬والتكهنات‭ ‬المتشائمة،‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬وأداء‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬كما‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬إمكاناتها‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬وتوسيع‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
وتستند‭ ‬أهمية‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الرخاء‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬عبر‭ ‬تعميق‭ ‬تقسيم‭ ‬العمل‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تمكين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬المدفوع‭ ‬بالتصدير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭. ‬كما‭ ‬تعزز‭ ‬التجارة‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عبر‭ ‬توفير‭ ‬بدائل‭ ‬وخيارات‭ ‬مرنة‭ ‬للشركات‭ ‬والأسر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬السلبية‭.‬
وقد‭ ‬برز‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬بوضوح‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭-‬19‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬شكّلت‭ ‬التجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬وتوزيع‭ ‬المستلزمات‭ ‬الطبية‭ ‬واللقاحات‭. ‬وتكرس‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬مجددًا‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬حيث‭ ‬أتاح‭ ‬تنوع‭ ‬أسواق‭ ‬الحبوب‭ ‬العالمية‭ ‬وعمقها‭ ‬للدول‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬تعويض‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إثيوبيا‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬بديلة،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬مرونة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭.‬

ثمن‭ ‬تراجع‭ ‬الترابط‭ ‬التجاري

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬كلفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬باهظة‭ ‬قد‭ ‬يتحملها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬نتيجة‭ ‬تصاعد‭ ‬مسارات‭ ‬التفكك‭. ‬وتشير‭ ‬أبحاث‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سيناريو‭ ‬ينقسم‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬كتلتين‭ ‬تجاريتين‭ ‬منفصلتين‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬بنحو‭ ‬5‭% ‬في‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬العالمي‭. ‬وفي‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه،‭ ‬تقدّر‭ ‬دراسات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬تتراوح‭ ‬الخسائر‭ ‬العالمية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬التفكك‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬0.2‭ % ‬و7‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬تفاقم‭ ‬هذه‭ ‬الكلفة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اتساع‭ ‬فجوة‭ ‬التباعد‭ ‬التكنولوجي‭.‬
وتقع‭ ‬التداعيات‭ ‬الأشد‭ ‬وطأة‭ ‬على‭ ‬اقتصادات‭ ‬الأسواق‭ ‬الصاعدة‭ ‬والبلدان‭ ‬منخفضة‭ ‬الدخل،‭ ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬انحسار‭ ‬الترابط‭ ‬التجاري‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬فرص‭ ‬انتقال‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬بما‭ ‬يضعف‭ ‬مسارات‭ ‬التنمية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭.‬
أمام‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬متانة‭ ‬النظام‭ ‬التجاري‭ ‬العالمي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬المنافع‭ ‬القائمة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬لتفادي‭ ‬خسائر‭ ‬قد‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتبلور‭ ‬رؤية‭ ‬استشرافية‭ ‬لمستقبل‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬قوامها‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬شمولًا‭ ‬واستدامة،‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الرقمية‭ ‬والخدمات،‭ ‬ويواكب‭ ‬متطلبات‭ ‬التحول‭ ‬الأخضر‭.‬
وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬التجارة‭ ‬تاريخيًا‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬وتقليص‭ ‬فجوات‭ ‬عدم‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬البلدان،‭ ‬وإن‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭. ‬فبينما‭ ‬تضررت‭ ‬شرائح‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬بفعل‭ ‬المنافسة‭ ‬مع‭ ‬الواردات،‭ ‬واجهت‭ ‬مجتمعات‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أقل‭ ‬دخلًا‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬الاندماج‭ ‬ضمن‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬تحديات‭ ‬بيئية‭ ‬وضغوط‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الدراسات‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬قُدمت‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مسارات‭ ‬التغيير‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متاحة‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬محلية‭ ‬ملائمة،‭ ‬يمكن‭ ‬للاقتصادات‭ ‬المختلفة‭ ‬تعظيم‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬تتيحها‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة،‭ ‬وإعادة‭ ‬دمج‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬تخلفت‭ ‬عن‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬دورات‭ ‬النمو‭.‬
ويُعد‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬جذور‭ ‬السخط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عبر‭ ‬حلول‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬خياراً‭ ‬أجدى‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تدخلات‭ ‬تجارية‭ ‬مقيدة‭. ‬فشبكات‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المصممة‭ ‬بكفاءة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التدريب‭ ‬وتنمية‭ ‬المهارات،‭ ‬والسياسات‭ ‬الداعمة‭ ‬لحركية‭ ‬العمالة‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬والمهن،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إعاقتها‭.‬
كما‭ ‬تفتح‭ ‬الموجة‭ ‬الحالية‭ ‬نحو‭ ‬تنويع‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬آفاقًا‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬بلدان‭ ‬ومجتمعات‭ ‬محلية‭ ‬طالما‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭. ‬ويُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬العولمة،‭ ‬باعتباره‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬صلابة‭ ‬الإمدادات‭ ‬ودعم‭ ‬النمو‭ ‬والتنمية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭.‬
وفي‭ ‬غياب‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬ستصبح‭ ‬معالجة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬العالمية‭ ‬الملحّة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬أزمة‭ ‬المناخ‭. ‬فالتقدم‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الحياد‭ ‬الكربوني‭ ‬يتطلب‭ ‬تدفقات‭ ‬تجارية‭ ‬سلسة‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬والخدمات‭ ‬منخفضة‭ ‬الانبعاثات‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الاقتصادات‭. ‬كما‭ ‬يسهم‭ ‬الانفتاح‭ ‬التجاري‭ ‬وتوفير‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬كلفة‭ ‬إزالة‭ ‬الكربون،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتحقيق‭ ‬وفورات‭ ‬الحجم،‭ ‬وتسريع‭ ‬التعلم‭ ‬بالممارسة‭.‬
ويُعد‭ ‬الانخفاض‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬بنحو‭ ‬90‭ % ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬مثالًا‭ ‬دالًا‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬40‭ % ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬وفورات‭ ‬الحجم‭ ‬التي‭ ‬أتاحتها‭ ‬التجارة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬وسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭.‬

التنسيق‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الانقسام

تفتح‭ ‬عملية‭ ‬تحديث‭ ‬قواعد‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬آفاقًا‭ ‬واسعة‭ ‬لازدهار‭ ‬أنماط‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬فرصًا‭ ‬إضافية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أمام‭ ‬اقتصادات‭ ‬الأسواق‭ ‬الصاعدة‭. ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تعثرت‭ ‬فيها‭ ‬تجارة‭ ‬السلع،‭ ‬واصلت‭ ‬تجارة‭ ‬الخدمات‭ ‬تسجيل‭ ‬نمو‭ ‬متسارع،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬الصادرات‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬الاستشارات‭ ‬المقدمة‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬الاتصال‭ ‬المرئي‭ ‬نحو‭ ‬3‭.‬8‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬54‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬صادرات‭ ‬الخدمات‭ ‬عالميًا‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتواصل‭ ‬جهود‭ ‬تنسيقية‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬حيث‭ ‬يشارك‭ ‬قرابة‭ ‬90‭ ‬بلدًا‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬القواعد‭ ‬الأساسية‭ ‬للتجارة‭ ‬الرقمية،‭ ‬بمشاركة‭ ‬قوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬اليقين‭ ‬المرتبط‭ ‬بالتجارة،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وخفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الامتثال،‭ ‬وهي‭ ‬أعباء‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تقع‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭.‬
وبالمثل،‭ ‬يمكن‭ ‬للتعاون‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬وتبني‭ ‬المعايير‭ ‬المشتركة‭ ‬أن‭ ‬يسرّعا‭ ‬وتيرة‭ ‬التحول‭ ‬الأخضر،‭ ‬مع‭ ‬تفادي‭ ‬تشظي‭ ‬الأسواق‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬غير‭ ‬المقصودة‭ ‬للسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬الشركاء‭ ‬التجاريين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬مشاركة‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمشروعات‭ ‬المملوكة‭ ‬للنساء‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمية،‭ ‬سواء‭ ‬الرقمية‭ ‬أو‭ ‬التقليدية،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يوسّع‭ ‬نطاق‭ ‬مكاسب‭ ‬التجارة‭ ‬ويعزز‭ ‬انتشارها‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الجغرافية–السياسية،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬التعاون‭ ‬التجاري‭ ‬الهادف‭ ‬ممكنًا،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬ذلك‭ ‬التفاهمات‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬التوصل‭ ‬إليها‭ ‬داخل‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بشأن‭ ‬كبح‭ ‬أشكال‭ ‬الدعم‭ ‬الضارة‭ ‬بمصايد‭ ‬الأسماك،‭ ‬وتخفيف‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬المعونات‭ ‬الغذائية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بلقاحات‭ ‬‮«‬كوفيد‭-‬19‮»‬‭. ‬وتشكل‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬اختراقات‭ ‬ملموسة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬معقدة‭.‬
وتشير‭ ‬أحدث‭ ‬الدراسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إنهاء‭ ‬الاضطرابات‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية،‭ ‬مثل‭ ‬الدعم‭ ‬والتشوهات‭ ‬السوقية،‭ ‬يتطلب‭ ‬الاعتماد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬والتحليلات‭ ‬والرؤى‭ ‬المشتركة‭ ‬عند‭ ‬تصميم‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التنموية‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بتدفقات‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬كفاءة‭ ‬الأسواق‭.‬
ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬متزايداً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬كثافة‭ ‬الصدمات‭ ‬العالمية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬مناسب‭ ‬من‭ ‬الانفتاح،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البحث‭ ‬المستمر‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬للتعاون،‭ ‬يظل‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لتعظيم‭ ‬المكاسب‭ ‬القائمة‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬لقضايا‭ ‬عالمية‭ ‬ملحّة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تؤدي‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والتجارية‭ ‬الدولية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬مسار‭ ‬مستقبلي‭ ‬يخدم‭ ‬المصلحة‭ ‬الجماعية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬ويظل‭ ‬تعزيز‭ ‬نظام‭ ‬التجارة‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التغير،‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لدعم‭ ‬النمو‭ ‬المتوازن‭. ‬أما‭ ‬الجمود‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬مسارات‭ ‬التعاون،‭ ‬فيمثل‭ ‬كلفة‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ترف‭ ‬تحمّلها‭.‬

رجوع لأعلى