هل يصمد الاقتصاد العالمي أمام تراجع الترابط التجاري؟
تشهد منظومة الاقتصاد العالمي تحولات لافتة تعاكس، إلى حدٍّ كبير، الفلسفة التي قامت عليها التجارة الدولية لعقود طويلة، والمبنية على التعاضد الاقتصادي وتكامل الأسواق. فمنذ الأزمة المالية العالمية، تسارعت وتيرة القيود التجارية، وتوسعت سياسات الدعم والحماية، بالتوازي مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وسعي عدد متزايد من الاقتصادات إلى تحصين سلاسل الإمداد الاستراتيجية. وقد دفعت الجائحة العالمية والحرب الروسية في أوكرانيا هذه التوجهات إلى الواجهة، عبر إجراءات عاجلة أحدثت تشوهات واضحة في حركة التجارة وأسهمت في إعادة رسم خريطة التدفقات الاقتصادية العالمية.
غير أن المبالغة في تبني سياسات قائمة على التحالفات والاعتبارات الجغرافية–السياسية تحمل مخاطر اقتصادية لا يمكن تجاهلها، إذ قد تقوض كفاءة الإنتاج العالمي وتؤدي إلى تفكيك النظام التجاري متعدد الأطراف، بل وربما تفضي إلى نتائج عكسية عندما تصبح سلاسل الإمداد القصيرة أكثر عرضة للصدمات المحلية. ويعكس ازدياد تركّز الاستثمار الأجنبي المباشر بين دول تربطها اعتبارات سياسية واقتصادية مشتركة هذا التحول المتسارع في بنية الاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، يظل التساؤل الجوهري مطروحًا: هل يعني هذا التحول التخلي عن التجارة باعتبارها محركًا أساسيًا للرخاء الاقتصادي؟ الإجابة، وفق المعطيات، لا تزال بالنفي. فعلى الرغم من الأزمات المتلاحقة والتكهنات المتشائمة، أثبتت التجارة الدولية قدرتها على الاستمرار وأداء دور محوري في دعم الاقتصادات، كما حافظت على إمكاناتها في تحسين مستويات المعيشة وتوسيع الفرص الاقتصادية على المدى الطويل.
وتستند أهمية التجارة في تحقيق الرخاء العالمي إلى عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها دورها في رفع الإنتاجية عبر تعميق تقسيم العمل بين الدول، فضلًا عن تمكين الاقتصادات من النمو المدفوع بالتصدير من خلال النفاذ إلى الأسواق الخارجية. كما تعزز التجارة الأمن الاقتصادي عبر توفير بدائل وخيارات مرنة للشركات والأسر في مواجهة الصدمات السلبية.
وقد برز هذا الدور بوضوح خلال جائحة «كوفيد-19»، حين شكّلت التجارة وسلاسل الإمداد ركيزة أساسية في إنتاج وتوزيع المستلزمات الطبية واللقاحات. وتكرس هذا الواقع مجددًا مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث أتاح تنوع أسواق الحبوب العالمية وعمقها للدول المعتمدة على الواردات تعويض النقص في الإمدادات، كما في حالة إثيوبيا التي نجحت في إعادة توجيه وارداتها من القمح إلى أسواق بديلة، في مؤشر واضح على مرونة التجارة الدولية وقدرتها على امتصاص الصدمات.
ثمن تراجع الترابط التجاري
في هذا السياق، تلوح في الأفق كلفة اقتصادية باهظة قد يتحملها الاقتصاد العالمي نتيجة تصاعد مسارات التفكك. وتشير أبحاث صادرة عن منظمة التجارة العالمية إلى أن سيناريو ينقسم فيه العالم إلى كتلتين تجاريتين منفصلتين قد يفضي إلى تراجع بنحو 5% في إجمالي الناتج المحلي العالمي. وفي الاتجاه نفسه، تقدّر دراسات صندوق النقد الدولي أن تتراوح الخسائر العالمية الناجمة عن التفكك التجاري بين 0.2 % و7 % من الناتج المحلي الإجمالي، مع احتمال تفاقم هذه الكلفة في حال اتساع فجوة التباعد التكنولوجي.
وتقع التداعيات الأشد وطأة على اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل، حيث يؤدي انحسار الترابط التجاري إلى تقليص فرص انتقال المعرفة والتكنولوجيا، بما يضعف مسارات التنمية ويحد من القدرة على اللحاق بركب النمو العالمي.
أمام هذه المخاطر، تبرز الحاجة إلى تعزيز متانة النظام التجاري العالمي، ليس فقط للحفاظ على المنافع القائمة، بل أيضاً لتفادي خسائر قد يصعب تعويضها على المدى المتوسط والطويل. وفي المقابل، تتبلور رؤية استشرافية لمستقبل التجارة الدولية، قوامها التحول نحو نموذج أكثر شمولًا واستدامة، يعتمد بدرجة أكبر على التكنولوجيا الرقمية والخدمات، ويواكب متطلبات التحول الأخضر.
وقد أسهمت التجارة تاريخيًا في الحد من الفقر وتقليص فجوات عدم المساواة بين البلدان، وإن ظل هذا الأثر غير متكافئ. فبينما تضررت شرائح من الاقتصادات المتقدمة بفعل المنافسة مع الواردات، واجهت مجتمعات في بلدان أقل دخلًا صعوبات في الاندماج ضمن سلاسل القيمة العالمية، وغالباً ما وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع تحديات بيئية وضغوط متزايدة على الموارد.
غير أن الدراسات المشتركة التي قُدمت في المحافل الاقتصادية الدولية تشير إلى أن مسارات التغيير لا تزال متاحة. فمن خلال تبني سياسات اقتصادية محلية ملائمة، يمكن للاقتصادات المختلفة تعظيم المكاسب التي تتيحها التجارة الحرة، وإعادة دمج الفئات التي تخلفت عن الاستفادة من العولمة في دورات النمو.
ويُعد التعامل مع جذور السخط الاجتماعي عبر حلول اقتصادية أكثر فاعلية خياراً أجدى من اللجوء إلى تدخلات تجارية مقيدة. فشبكات الأمان الاجتماعي المصممة بكفاءة، إلى جانب الاستثمار في التدريب وتنمية المهارات، والسياسات الداعمة لحركية العمالة بين القطاعات والمهن، يمكن أن تسهم في تعزيز القدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية بدلاً من إعاقتها.
كما تفتح الموجة الحالية نحو تنويع سلاسل الإمداد آفاقًا جديدة أمام بلدان ومجتمعات محلية طالما سعت إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ويُنظر إلى هذا التوجه، الذي بات يُعرف بإعادة صياغة العولمة، باعتباره فرصة لتعزيز صلابة الإمدادات ودعم النمو والتنمية على نطاق أوسع.
وفي غياب التجارة الدولية، ستصبح معالجة العديد من القضايا العالمية الملحّة أكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها أزمة المناخ. فالتقدم نحو تحقيق الحياد الكربوني يتطلب تدفقات تجارية سلسة للتكنولوجيا والخدمات منخفضة الانبعاثات إلى مختلف الاقتصادات. كما يسهم الانفتاح التجاري وتوفير قدر أكبر من اليقين في خفض كلفة إزالة الكربون، من خلال توسيع الأسواق، وتحقيق وفورات الحجم، وتسريع التعلم بالممارسة.
ويُعد الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة الشمسية، بنحو 90 % منذ عام 2010، مثالًا دالًا على ذلك، إذ تشير تقديرات منظمة التجارة العالمية إلى أن نحو 40 % من هذا التراجع يعود إلى وفورات الحجم التي أتاحتها التجارة العابرة للحدود وسلاسل القيمة العالمية.
التنسيق الدولي في مواجهة الانقسام
تفتح عملية تحديث قواعد التجارة العالمية آفاقًا واسعة لازدهار أنماط جديدة من النشاط التجاري، بما يخلق فرصًا إضافية، ولا سيما أمام اقتصادات الأسواق الصاعدة. فحتى في الفترات التي تعثرت فيها تجارة السلع، واصلت تجارة الخدمات تسجيل نمو متسارع، إذ بلغت قيمة الصادرات العالمية من الخدمات الرقمية – مثل الاستشارات المقدمة عبر منصات الاتصال المرئي نحو 3.8 تريليونات دولار في عام 2022، ما يعادل 54 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا.
وفي هذا الإطار، تتواصل جهود تنسيقية فعلية على الساحة الدولية، حيث يشارك قرابة 90 بلدًا من أعضاء منظمة التجارة العالمية في مفاوضات تهدف إلى وضع القواعد الأساسية للتجارة الرقمية، بمشاركة قوى اقتصادية كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وتكمن أهمية هذه القواعد المشتركة في تعزيز اليقين المرتبط بالتجارة، والحد من الازدواجية التنظيمية، وخفض تكاليف الامتثال، وهي أعباء غالبًا ما تقع بشكل أكبر على كاهل الشركات الصغيرة.
وبالمثل، يمكن للتعاون متعدد الأطراف وتبني المعايير المشتركة أن يسرّعا وتيرة التحول الأخضر، مع تفادي تشظي الأسواق والحد من الآثار غير المقصودة للسياسات الاقتصادية على الشركاء التجاريين. كما أن توسيع مشاركة الشركات الصغيرة والمشروعات المملوكة للنساء في شبكات الإنتاج العالمية، سواء الرقمية أو التقليدية، من شأنه أن يوسّع نطاق مكاسب التجارة ويعزز انتشارها عبر مختلف فئات المجتمع.
وعلى الرغم من الاضطرابات الجغرافية–السياسية، لا يزال التعاون التجاري الهادف ممكنًا، كما أظهرت ذلك التفاهمات التي جرى التوصل إليها داخل منظمة التجارة العالمية بشأن كبح أشكال الدعم الضارة بمصايد الأسماك، وتخفيف القيود المفروضة على المعونات الغذائية، وتوسيع نطاق الوصول إلى حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بلقاحات «كوفيد-19». وتشكل هذه التجارب دليلًا على أن العمل الجماعي قادر على تحقيق اختراقات ملموسة حتى في بيئة دولية معقدة.
وتشير أحدث الدراسات الاقتصادية إلى أن إنهاء الاضطرابات في قطاعات حيوية، مثل الدعم والتشوهات السوقية، يتطلب الاعتماد بدرجة أكبر على البيانات والتحليلات والرؤى المشتركة عند تصميم السياسات الاقتصادية، بما يضمن تحقيق الأهداف التنموية دون الإضرار بتدفقات التجارة أو كفاءة الأسواق.
ولا شك أن إدارة السياسات التجارية في المرحلة الراهنة تمثل تحدياً متزايداً في ظل كثافة الصدمات العالمية، غير أن الحفاظ على قدر مناسب من الانفتاح، إلى جانب البحث المستمر عن فرص جديدة للتعاون، يظل شرطًا أساسيًا لتعظيم المكاسب القائمة والمساهمة في إيجاد حلول لقضايا عالمية ملحّة، وفي مقدمتها تغير المناخ.
وفي هذا السياق، تؤدي المؤسسات المالية والتجارية الدولية دوراً محورياً في بلورة مسار مستقبلي يخدم المصلحة الجماعية للاقتصاد العالمي. ويظل تعزيز نظام التجارة متعدد الأطراف، وتطوير قدرته على التكيف مع عالم سريع التغير، ركيزة أساسية لدعم النمو المتوازن. أما الجمود أو التراجع عن مسارات التعاون، فيمثل كلفة لا يملك الاقتصاد العالمي ترف تحمّلها.