هيمنة الدولار الأميركي تتراجع.. وتمر بمرحلة تآكل ملحوظة
على مدار أكثر من سبعة عقود، هيمن الدولار الأميركي على الاقتصاد العالمي، حيث تُستخدم العملة الأميركية اليوم في نحو 90% من معاملات الصرف الأجنبي. وتُسعَّر النسبة الأكبر من التجارة الدولية، بما في ذلك 74% من تجارة آسيا و96% من تجارة الأميركتين، بالدولار. ويُمثِّل الدولار 58% من احتياطيات البنوك المركزية خارج الولايات المتحدة، وفي جميع أنحاء العالم، تُفضل الأصول المقومة بالدولار بشدة على الأصول المقومة بغيره من العملات.
ورغم قوة الدولار على مدار عقود طويلة من الزمن إلا أن هناك تحليلات وتقارير اقتصادية ومالية تُشير إلى أن هيمنة الدولار الأميركي تمر بمرحلة تآكل ملحوظة، مدفوعة بتزايد التحفظات وعدم اليقين في أوساط قوى «الجنوب العالمي». هذا التراجع لا يعد تحولاً عابراً، بل هو نتيجة متراكمة لسلسلة من الممارسات الاقتصادية والجيوسياسية للولايات المتحدة.
ومن أبرز هذه الممارسات تسليح الدولار من خلال استخدام العقوبات كوسيلة ضغط، وفرض الرسوم الجمركية التي تطال الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء، بالإضافة إلى المخاوف المستمرة بشأن الارتفاع القياسي للدين الحكومي الأميركي والتحديات الموجهة لاستقلالية البنك المركزي.
عوامل تآكل الثقة العالمية
ويكشف تقرير نشرته وكالة «بلومبيرغ» أن التآكل في هيمنة الدولار هو نتيجة لعوامل متضافرة تدفع الأسواق العالمية لإعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالعملة الأميركية. من أبرز هذه العوامل هي الممارسات الأميركية المتمثلة في فرض الرسوم الجمركية على كل من الحلفاء والخصوم على حد سواء. يُضاف إلى ذلك، محاولات الضغط على استقلالية البنك المركزي الأمريكي، واستمرار تفاقم الدين الحكومي الذي يثير قلق المستثمرين حول استدامة الوضع المالي للولايات المتحدة.
وتشير البيانات إلى أن هذه الممارسات تُترجم مباشرة إلى فقدان الثقة في أوساط «الجنوب العالمي»؛ فبينما كانت حصة الدولار تمثل أكثر من 70 بالمئة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في بداية القرن، تُشير الأرقام الحالية إلى انخفاضها إلى أقل من 60 بالمئة.
ويستنتج التقرير أن «استخدام الدولار كأداة للسياسة الخارجية قد سرّع من وتيرة التحول عن العملة الأميركية. وثبت أن الولايات المتحدة مستعدة لاستغلال مكانة الدولار لفرض نفوذها الجيوسياسي، الأمر الذي يُعد تحذيراً لا يمكن للدول التي تمتلك فوائض مالية ضخمة تجاهله. هذا التحول يعني أن العملة التي كانت تُعتبر في الماضي (درعاً) لحماية الأصول، أصبحت اليوم (سيفاَ) موجهاً لفرض الإرادة السياسية».
وفي سياق متصل، يشير التقرير إلى أن «التنافس الجيوسياسي المتصاعد مع الصين وتآكل الالتزامات الأمنية الإقليمية يساهمان في تأجيج حالة عدم اليقين بشأن سلامة الاستثمارات الموجهة نحو الغرب».
تراجع «تخمة المدخرات»
والبحث عن بدائل
ونوه التقرير بأن المعطيات الاقتصادية تشير إلى أن فرضية «تخمة المدخرات العالمية» التي كانت تفسر انخفاض تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة لم تعد سارية كما كانت.
ففي الماضي، كانت الدول التي تحقق فوائض تجارية ضخمة، مثل الصين، تعيد تدوير تريليونات الدولارات في سوق الدين الأميركي. هذه التدفقات كانت تُخفض تكاليف الاقتراض الأميركية بحدود نصف نقطة مئوية، مما وفّر مليارات الدولارات للمقترضين.
إلا أن هذه الديناميكية تتغير جذرياً، فقد توقفت الصين فعلياً عن شراء الدولارات وقد تتجه مستقبلاً لبيعها. كما تشهد دول أخرى انخفاضاً في الفوائض النقدية التي كانت تستثمرها في سندات الخزانة الأميركية، نتيجة لتوجيه الأموال نحو مشاريع ضخمة محلية والتحول نحو استثمارات ذات مخاطر أعلى مثل الأسهم والعقارات، بدلاً من الإقراض للحكومة الأميركية.
ويستخلص تقرير الوكالة الأميركية أن المسار المستقبلي لحيازات الدولار يتجه نحو الانخفاض، وإن كان تدريجياً في بعض الحالات. ويُشير إلى أن الصين قد تحولت نحو نظام تعويم مُدار لعملتها، مما يقلل بشكل كبير من حاجتها لتكديس الأصول الدولارية السائلة. مع الترجيح بأن حصة الدولار في احتياطيات الصين قد تنخفض من 58 بالمئة حالياً إلى 24 بالمئة بحلول عام 2050، مدفوعة بزيادة دور اليوان في التجارة العالمية.
ومع ذلك، تبقى إمكانية «الانفصال المالي السريع» قائمة في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية، على غرار ما حدث مع روسيا التي خفضت حصة الدولار في احتياطياتها بشكل كبير خلال سنوات قليلة، وهذه التحولات تُنذر بنهاية عصر التدفقات المالية الأجنبية السهلة نحو الولايات المتحدة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض محلياً وتفاقم عبء الدين، وبالتالي تضييق الخيارات السياسية والاقتصادية أمام واشنطن.