ودائع العملاء في البنوك تتخطى حاجز الـ 60 مليار
كشفت النشرة الإحصائية الصادرة عن بنك الكويت المركزي عن تحولات جوهرية في هيكلية السيولة المحلية والمراكز المالية للبنوك، وسجل القطاع المصرفي إنجازاً رقمياً لافتاً بنهاية يناير 2026، حيث ارتفعت إجمالي ودائع العملاء (مقيمين وغير مقيمين) لتصل إلى 60.07 مليار دينار كويتي. هذا الرقم لا يمثل مجرد نمو عددي، بل هو انعكاس لزيادة سنوية متينة بلغت 10.28 % مقارنة بيناير 2025 (54.47 مليار دينار).
ودائع القطاع الخاص: شكلت العمود الفقري بنحو 45.89 مليار دينار، بنمو سنوي قدره 9.71 %. هذا النمو يعكس تدفقات نقدية قوية من الشركات والأفراد، مما يشير إلى حالة من «التحفظ الاستثماري» أو الرغبة في الاستفادة من مستويات الفائدة المستقرة والمجزية في البنوك المحلية.
ودائع المؤسسات العامة: كانت المفاجأة الأكبر بنموها الهائل بنسبة 27.94 % لتصل إلى 9.80 مليار دينار. هذا الارتفاع يشير إلى تراكم فوائض نقدية لدى الجهات ذات الميزانيات المستقلة والملحقة، ربما نتيجة تأخر في الدورة المستندية للمشاريع الكبرى أو تحسن في عوائد استثماراتها.
الودائع الحكومية (الاستثناء الوحيد): سجلت انخفاضاً بنسبة 12.05 % لتستقر عند 4.38 مليار دينار. ويُحلل الخبراء هذا التراجع بأنه نتيجة مباشرة لسحب الحكومة من حساباتها لتمويل عجز الميزانية أو لسداد التزامات عاجلة لمقاولين وموردين.
طفرة الائتمان
على الجانب الآخر من الميزانية، لم تتوقف البنوك عن دورها كـ «محرك للنمو»، حيث بلغت التسهيلات الائتمانية الممنوحة مستوى قياسياً عند 64.40 مليار دينار، بزيادة سنوية بلغت 12.43 %.
الاحتياطيات الأجنبية
في مقابل النمو الداخلي، أظهر الحساب الخارجي ضغوطاً ملموسة. فقد انخفضت الأصول الاحتياطية الرسمية للكويت بنسبة 11.34 % سنوياً لتصل إلى 12.35 مليار دينار (حوالي 40.31 مليار دولار).
لماذا تراجع الاحتياطي؟
يعود السبب الرئيسي إلى تراجع بند «عملة أجنبية وودائـع في الخارج» بنسبة تقـارب 13 %، حيث بلغت قيمتها 10.72 مليار دينار. هذا التراجع قد يكون مرتبطاً بمتطلبات تسوية مدفوعات دولية أو إعادة توزيع للأصول السيادية خارج إطار الاحتياطيات النقدية المباشرة.
أما احتياطي الذهب، فقد حافظ على قيمته الدفترية التاريخية عند 31.7 مليون دينار، وهو الجزء الصلب الذي يمثل «صمام أمان» للقاعدة النقدية.
السيولة المحلية
ارتفعت السيولة المحلية بمفهومها الواسع بنسبة 3.62 % لتصل إلى 42.18 مليار دينار. ورغم هذا الارتفاع في «الأرقام الرقمية»، إلا أن النقد المتداول (الأوراق النقدية والمسكوكات) سجل تراجعاً بنسبة 2.65 % ليصل إلى 1.9 مليار دينار.
هذا التناقض يفسره التحول المتسارع نحو «الاقتصاد الرقمي» وزيادة الاعتماد على تطبيقات الدفع الإلكتروني، حيث باتت السيولة تتحرك عبر الحسابات البنكية أكثر من حركتها كأوراق نقدية في أيدي الجمهور.
تحليل فني: القراءة بين السطور
إن وصول الودائع إلى 60 مليار دينار وتجاوز الائتمان لـ 64 ملياراً يضع البنوك الكويتية في وضع «تخمة سيولة» إيجابية، لكنه يفرض تحديات تتعلق بإدارة المخاطر الائتمانية.
إن التراجع في الودائع الحكومية بنسـبة 12 % يتزامن مع نمو ودائع المؤسسات العامة بنسبة 28 %، مما يشير إلى «هجرة داخلية» للسيولة العامة من الحسابات المركزية إلى حسابات الهيئات والمؤسسات المستقلة.
كما أن استقرار القيمة الدفترية للذهب مقابل التقلبات الكبيرة في العملات الأجنبية يعيد التساؤل حول مدى الحاجة لإعادة تقييم الأصول الاحتياطية لتعكس الأسعار السوقية العالمية، وهو نهج لا يزال بنك الكويت المركزي يتسم فيه بالتحفظ الشديد والمحمود لضمان استقرار الدينار.