تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وهم‭ ‬السيطرة‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬حاسمة

XY31

كلما‭ ‬زادت‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تُنشر‭ ‬فيها‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬القوية،‭ ‬ازدادت‭ ‬حاجتنا‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬بديهي‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬البشر‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يتخذون‭ ‬القرارات‭ ‬النهائية‭ ‬دائماً‭.‬

سياق‭ ‬الحرب

في‭ ‬سياق‭ ‬الحرب،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬الخلاف‭ ‬الأخير‭ ‬بين‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أنثروبيك‮»‬‭ ‬والحكومة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فقد‭ ‬ركز‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬والتنظيمي‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬الثنائي‭ ‬الظاهري‭ ‬بين‭ ‬الأسلحة‭ ‬ذاتية‭ ‬التشغيل‭ ‬بالكامل،‭ ‬وتلك‭ ‬الخاضعة‭ ‬‮«‬للسيطرة‭ ‬البشرية‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬الشركات‭ ‬أيضاً،‭ ‬دفع‭ ‬نشر‭ ‬الأنظمة‭ ‬شبه‭ ‬المستقلة،‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬ذوي‭ ‬الخبرة‭ ‬كصناع‭ ‬قرار‭ ‬نهائيين‭.‬
كذلك،‭ ‬أفادت‭ ‬التقارير‭ ‬بأن‭ ‬أمازون‭ ‬تشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مهندسي‭ ‬البرمجيات‭ ‬المبتدئين‭ ‬والمتوسطين‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬موافقة‭ ‬مهندسين‭ ‬أكثر‭ ‬خبرة‭ ‬على‭ ‬التغييرات‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬بمساعدة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬العالمين،‭ ‬حيث‭ ‬تعزز‭ ‬الآلات‭ ‬السرعة‭ ‬والدقة‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬بينما‭ ‬يوفر‭ ‬البشر‭ ‬الخبـرة‭ ‬والسيـاق‭ ‬والحكم‭ ‬والمساءلة؟

تجارب‭ ‬سابقة

لقد‭ ‬فكرنا‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬السبل‭ ‬للجمع‭ ‬بين‭ ‬الآلات‭ ‬والبشر‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1951،‭ ‬وضع‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬بول‭ ‬فيتس‭ ‬قائمةً‭ ‬بالأمور‭ ‬التي‭ ‬‮«‬يُجيدها‭ ‬البشر‮»‬‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تُجيدها‭ ‬الآلات‮»‬‭. ‬لكن،‭ ‬للأسف،‭ ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نتعلم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أخطائنا‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬السنين‭.‬
تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يعمل‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوق‭ ‬سرعة‭ ‬البشر‭. ‬ففي‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬حتى‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ ‬القرارات‭ ‬النهائية‭ ‬للبشر،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬الأهداف‭ ‬المحتملة‭. ‬وعندما‭ ‬يتم‭ ‬اختصار‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«سلاسل‭ ‬القتل‮»‬‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬إلى‭ ‬دقائق‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ثوانٍ،‭ ‬يبرز‭ ‬تساؤل‭ ‬جوهري‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الفعلي‭.‬
تحديات‭ ‬بشرية

في‭ ‬عالم‭ ‬العمل‭ ‬المكتبي،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬كبيرة،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬ظاهرة‭ ‬مماثلة،‭ ‬حيث‭ ‬تُسرّع‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وتيرة‭ ‬وحجم‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتطلب‭ ‬توجيهاً‭ ‬ومراجعةً‭ ‬بشرية‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسة‭ ‬استمرت‭ ‬ثمانية‭ ‬أشهر‭ ‬حول‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬تقنية‭ ‬أمريكية،‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إرهاق‭ ‬ذهني‭ ‬واحتراق‭ ‬وظيفي‭ ‬وضعف‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‮»‬‭.‬
المشكلة‭ ‬الثانية‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬بالآلات،‭ ‬حتى‭ ‬رغم‭ ‬تلقيهم‭ ‬تحذيرات‭ ‬بعدم‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭. ‬وقد‭ ‬وُثِّقت‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬الانحياز‭ ‬للأتمتة‮»‬‭ ‬مراراً‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬سائقين‭ ‬قادتهم‭ ‬أنظمة‭ ‬GPS‭ ‬إلى‭ ‬الأنهار،‭ ‬إلى‭ ‬طلاب‭ ‬اتبعوا‭ ‬روبوتات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مخارج‭ ‬الطوارئ‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬الأزمات‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬تجربة‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬فولفو‮»‬‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬30‭ %‬‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬سمحوا‭ ‬لسيارة‭ ‬شبه‭ ‬ذاتية‭ ‬القيادة‭ ‬بالاصطدام‭ ‬مباشرةً‭ ‬بجسم‭ ‬في‭ ‬الطريق‭.‬
وفي‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي،‭ ‬صاغ‭ ‬أكاديميان‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬وارتون‭ ‬للأعمال‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الاستسلام‭ ‬المعرفي‮»‬‭ ‬لوصف‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬يتخلى‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬‮«‬التحكم‭ ‬المعرفي،‭ ‬ويتبنى‭ ‬حكم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كحكمه‮»‬‭.‬

مسؤولية‭ ‬غامضة

تظهر‭ ‬مشكلة‭ ‬ثالثة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬غموض‭ ‬المسؤولية‭: ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬الخطأ‭ ‬عند‭ ‬وقوعه؟‭ ‬قد‭ ‬يُلقى‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬النهائي،‭ ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬لم‭ ‬يُصمم‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬المشكلتين‭ ‬السابقتين،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬منصفاً،‭ ‬ولن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬هيكلية‭ ‬فعّالة‭.‬
بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬البشر‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬الباحثة‭ ‬مادلين‭ ‬كلير‭ ‬إيليش‭ ‬بـ«منطقة‭ ‬الانهيار‭ ‬الأخلاقي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتحمل‭ ‬الإنسان‭ ‬عبء‭ ‬المسؤولية‭ ‬عند‭ ‬تعطل‭ ‬نظام‭ ‬شديد‭ ‬التعقيد‭ ‬والأتمتة،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬تمتص‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬الانهيار‮»‬‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬قوة‭ ‬الصدمة‭ ‬عند‭ ‬الاصطدام‭.‬
الجيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬ليست‭ ‬مستعصية‭. ‬فقد‭ ‬تعلمنا‭ ‬بالفعل‭ ‬كيفية‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المهن‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يتعامل‭ ‬طيارو‭ ‬الخطوط‭ ‬الجوية‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬الأتمتة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬ورغم‭ ‬وقوع‭ ‬حوادث،‭ ‬فقد‭ ‬أفرزت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬دروساً‭ ‬مهمة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ضرورة‭ ‬تدريب‭ ‬الطيارين‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬كيفية‭ ‬عمل‭ ‬الأنظمة‭ (‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتعطل‭)‬،‭ ‬وتشجيعهم‭ ‬على‭ ‬الطيران‭ ‬اليدوي‭ ‬كلما‭ ‬أمكن‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مهاراتهم‭.‬
ختاماً،‭ ‬تبدو‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للإنسان‭ ‬الكلمة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬فائقة‭ ‬القوة‭ ‬جذابة‭ ‬وبديهية،‭ ‬لكن‭ ‬تاريخ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬وهم‭ ‬السيطرة‭ ‬البشرية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬من‭ ‬غيابها‭ ‬التام‭.‬

رجوع لأعلى