وول ستريت تتراجع تحت ضغط الحرب
أنهت معظم الأسهم الأميركية تعاملات الاثنين على تراجع، في جلسة اتسمت بقدر كبير من التذبذب والحذر، مع عودة المخاوف الجيوسياسية لتفرض نفسها بقوة على وول ستريت، بعدما تأثرت معنويات المستثمرين بتحذير جديد وجّهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طهران، بالتزامن مع اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط.
وجاءت هذه التراجعات بعد فترة قصيرة من التفاؤل النسبي، غذّتها تصريحات سابقة لترمب تحدث فيها عن محادثات أميركية جادة مع ما وصفه بـ»نظام أكثر عقلانية» لإنهاء الحرب. غير أن هذا التفاؤل لم يصمد طويلاً، بعدما عاد الرئيس الأميركي ليكرر تهديده لإيران بضرورة فتح مضيق هرمز، محذراً من أن استمرار إغلاقه قد يعرّض آبار النفط ومحطات الطاقة الإيرانية لهجمات أميركية. وفي المقابل، وصفت إيران مقترحات السلام الأميركية بأنها غير واقعية، ما أعاد الأسواق إلى مربع التوتر وعدم اليقين.
جلسة بدأت بالأخضر… وانتهت بالحذر
بدأت المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة التعاملات على ارتفاع، في محاولة لتعويض خسائر الجلسة السابقة، مدفوعة بآمال مؤقتة بأن التصريحات الأميركية قد تفتح باباً لاحتواء الحرب. لكن هذا الارتداد فقد زخمه تدريجياً مع عودة التهديدات السياسية إلى الواجهة، لتتحول الجلسة من محاولة تعافٍ إلى جلسة حذرة يغلب عليها البيع الانتقائي.
وبحسب البيانات الأولية، تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 25.52 نقطة أو 0.40% ليغلق عند 6343.33 نقطة، فيما خسر مؤشر ناسداك المجمع نحو 153.16 نقطة أو 0.73% مسجلاً 20795.20 نقطة. أما مؤشر داو جونز الصناعي، فتمكن من الإغلاق على ارتفاع طفيف بنحو 53.27 نقطة أو 0.12% عند 45219.91 نقطة.
ويعكس هذا الأداء حالة الانقسام داخل السوق، حيث تعرضت الأسهم الحساسة للمخاطر وفي مقدمتها التكنولوجيا لضغوط أوضح، بينما وجد بعض المستثمرين في أسهم أكثر دفاعية أو تقليدية ملاذاً مؤقتاً.
رسائل متضاربة… وسوق لا تحب الضبابية
أحد أبرز العوامل التي ضغطت على وول ستريت في جلسة الاثنين لم يكن فقط جوهر الأخبار، بل تناقضها. فالأسواق عادة تستطيع التعامل مع الأخبار السلبية إذا كانت واضحة، أو حتى مع الأخبار الإيجابية إذا كانت قابلة للبناء عليها. لكن ما يربكها حقاً هو تضارب الرسائل.
وهذا تحديداً ما حدث خلال الساعات الماضية. فمن جهة، هناك حديث أميركي عن مفاوضات جادة، ومن جهة أخرى هناك تصعيد لفظي وعسكري محتمل، بما في ذلك تهديدات مباشرة للبنية التحتية النفطية الإيرانية.
وفي هذا السياق، قال ريك مكلر، الشريك في شركة تشيري لين إنفستمنتس، إن الإدارة الأميركية تواصل إرسال رسائل متضاربة، موضحاً أن السوق تتجاوب إيجابياً عندما تبدو الرسائل بنّاءة، لكنها تعود سريعاً إلى البيع عندما يظهر أن النهج يتجه إلى مزيد من العدوانية.
هذا النوع من البيئة لا يسمح ببناء ثقة مستدامة في السوق، بل يدفع المستثمرين إلى التداول وفق العناوين اللحظية، لا وفق رؤية واضحة للمرحلة المقبلة.
النفط يعود كمصدر قلق رئيسي
وراء التوترات الجيوسياسية، برز عامل اقتصادي بالغ الأهمية في جلسة الاثنين، تمثل في أسعار النفط، التي تحولت من مجرد متغير في الخلفية إلى عنصر ضغط مباشر على تقييمات الأصول.
فمنذ اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار الخام بقوة، مع مخاوف مستمرة بشأن إمدادات الخليج وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة التفكير في تداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي، وعلى مسار التضخم، وعلى احتمالات خفض الفائدة الأميركية.
وهنا يكمن أحد أبرز مصادر القلق في السوق: فإذا استمرت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، فإن ذلك قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، ويجبر البنوك المركزية وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي على تبني موقف أكثر حذراً، وربما أكثر تشدداً.
وبالنسبة للأسهم الأميركية، فإن هذه المعادلة شديدة الحساسية، لأن كثيراً من مكاسب السوق خلال الأشهر الماضية بُنيت على توقعات بأن التضخم سيتراجع تدريجياً، وأن الفائدة ستتجه في وقت لاحق إلى التخفيف.
التكنولوجيا في قلب الضغوط
لم يكن مفاجئاً أن يكون ناسداك من بين أكثر المؤشرات تأثراً في جلسة الاثنين، نظراً إلى أن أسهم التكنولوجيا وأسهم النمو تكون عادة أكثر حساسية لتحولات الفائدة والعوائد، وأكثر تأثراً بأي تراجع في شهية المخاطرة.
فعندما ترتفع حالة عدم اليقين، أو تتراجع احتمالات التيسير النقدي، تتعرض الأسهم ذات التقييمات المرتفعة لضغوط أكبر، لأن السوق تبدأ بإعادة تسعير أرباحها المستقبلية في بيئة أكثر تشدداً.
وهذا ما يفسر التراجع الأوضح في ناسداك مقارنة بداو جونز، الذي استفاد نسبياً من طبيعته الأكثر تنوعاً واحتواءه على شركات صناعية ودفاعية ومالية أقل حساسية من أسهم التكنولوجيا الخالصة.
التصحيح يتحول إلى واقع في السوق
اللافت أيضاً أن المؤشرات الأميركية الرئيسية لم تعد تتحرك فقط تحت ضغط يومي، بل دخلت بالفعل مرحلة تصحيح واضحة منذ اندلاع الحرب. فبحسب المعطيات المتداولة، فإن داو جونز وناسداك وراسل 2000 للشركات الصغيرة جميعها أكدت دخولها في منطقة تصحيح، بعد أن أغلقت على انخفاض يزيد على 10 % عن قممها القياسية السابقة.
وهذا التطور مهم لأنه يشير إلى أن السوق لم تعد تنظر إلى الحرب باعتبارها حدثاً عابراً أو صدمة قصيرة الأجل، بل بدأت تتعامل معها كعامل قد يترك أثراً ممتداً على الأصول، وعلى سلوك المستثمرين، وعلى دورة المخاطرة نفسها.
وفي العادة، فإن دخول المؤشرات في منطقة التصحيح لا يعني بالضرورة أن السوق مقبلة على هبوط أعمق، لكنه يعكس بوضوح أن المعنويات تحولت من الثقة إلى الحذر، وأن المستثمرين باتوا أكثر استعداداً للبيع عند الأخبار السلبية.
الأسواق بين التهدئة والتصعيد
تعيش وول ستريت حالياً في منطقة وسطى شديدة الحساسية، بين احتمالين متناقضين:
الأول:
أن تنجح الجهود السياسية في احتواء الحرب أو تخفيفها، ما يسمح للأسواق بالتقاط الأنفاس، ويعيد بناء جزء من شهية المخاطرة، خاصة إذا ترافق ذلك مع تراجع أسعار النفط وهدوء الضغوط التضخمية.
الثاني:
أن تتوسع الحرب، أو أن يستمر إغلاق مضيق هرمز، أو تتصاعد الهجمات على منشآت الطاقة، وهو ما سيدفع السوق إلى تسعير مرحلة أطول من الاضطراب، مع تداعيات أوسع على النمو، والتضخم، والسيولة، وربحية الشركات.
والمشكلة أن المستثمرين لا يملكون حالياً ما يكفي من اليقين للرهان بقوة على أي من السيناريوهين، وهو ما يجعل السوق شديدة الحساسية لأي عنوان سياسي أو عسكري جديد.
ما الذي تراقبه السوق الآن؟
في المرحلة الحالية، تركز وول ستريت على ثلاثة متغيرات رئيسية ستحدد اتجاهها في الأسابيع المقبلة:
أولاً: مسار الحرب
هل ستتجه الأزمة نحو التهدئة الفعلية، أم نحو مزيد من التصعيد العسكري والاقتصادي؟
ثانياً: أسعار النفط
هل تستقر الطاقة عند مستويات مرتفعة لكن قابلة للاحتواء، أم تدخل في موجة صعود جديدة تضغط على الاقتصـاد العالمي؟
ثالثاً: رد فعل الفيدرالي
هل سيعتبر الاحتياطي الفيدرالي أن الحرب تمثل صدمة مؤقتة يمكن تجاوزها، أم أن ارتفاع النفط سيجبره على تبني سياسة نقدية أكثر حذراً؟
هذه الأسئلة لا تخص الأسهم فقط، بل تحدد شكل المرحلة المقبلة في كل الأسواق المالية، من السندات إلى العملات إلى السلع.