وول ستريت تتراجع للأسبوع الثالث
أنهت أسواق الأسهم الأمريكية تعاملات الجمعة على تراجع ملحوظ، لتختتم أسبوعًا ثالثًا على التوالي من الخسائر، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية وتزايد المخاوف لدى المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي. وتأتي هذه التراجعات في وقت يواجه فيه المستثمرون مجموعة من التحديات المتزامنة، أبرزها ارتفاع أسعار النفط، واستمرار الضغوط التضخمية، والتقلبات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على الأسواق المالية.
وقد انعكست هذه التطورات بوضوح على أداء المؤشرات الرئيسية في وول ستريت، التي شهدت موجة من التقلبات خلال الأسبوع، وسط تحوّل واضح في سلوك المستثمرين نحو الحذر وتقليص المخاطر.
أداء المؤشرات الرئيسية
تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وهو المؤشر الأوسع نطاقًا الذي يعكس أداء أكبر 500 شركة مدرجة في الولايات المتحدة، بنسبة 0.6% في جلسة الجمعة ليغلق عند مستوى 6632.53 نقطة. وبذلك يكون المؤشر قد سجل ثالث أسبوع متتالٍ من الخسائر، في وقت تجاوزت خسائره منذ بداية العام 3%.
كما سجل المؤشر انخفاضًا يقارب 4% خلال الأسبوعين الماضيين، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة التي تواجه السوق الأمريكية نتيجة حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
أما مؤشر ناسداك المركب، الذي يضم كبرى شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، فقد تراجع بنسبة 0.9% ليغلق عند مستوى 22105.36 نقطة، مسجلًا خسارة أسبوعية بلغت 1.3%. ويعكس هذا الأداء الضغوط التي تعرضت لها أسهم التكنولوجيا، والتي تُعد من أكثر القطاعات حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتوقعات الاقتصادية.
وفي المقابل، انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.3 % ليغلق عند 46559.83 نقطة، مسجلًا تراجعًا أسبوعيًا بنحو 2 %.
وقد شهدت المؤشرات الثلاثة الرئيسية في «وول ستريت» تراجعات متتالية خلال الأسبوع، إذ سجل كل من ستاندرد آند بورز 500 وداو جونز انخفاضًا لثلاث جلسات متتالية، وهو ما يعكس تزايد الحذر في أوساط المستثمرين.
تحولات في سلوك المستثمرين
تشير تحركات الأسواق خلال الفترة الأخيرة إلى تحول واضح في سلوك المستثمرين، حيث اتجه العديد منهم إلى تقليل تعرضهم للأسهم، خصوصًا الأسهم ذات المخاطر المرتفعة، في مقابل زيادة الاستثمار في الأصول الدفاعية مثل السندات الحكومية والذهب.
ويُعزى هذا التحول إلى تزايد المخاوف من ارتفاع مستويات التضخم مجددًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، إضافة إلى استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
كما أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية للأخبار السياسية والعسكرية، نظرًا للتأثير المحتمل لهذه التطورات على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
ارتفاع أسعار النفط وتأثيره في الأسواق
يُعد ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز العوامل التي ضغطت على أسواق الأسهم خلال الأسبوع الماضي. فقد أدى تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى زيادة المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما انعكس في ارتفاع أسعار النفط.
ويرى اقتصاديون أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل تحديًا مزدوجًا للأسواق المالية. فمن جهة، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف الإنتاج بالنسبة للشركات، ما قد يضغط على أرباحها. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وهو ما قد يؤثر في معدلات الطلب والنمو الاقتصادي.
كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية، وهو ما يشكل مصدر قلق كبير للبنوك المركزية.
التضخم لا يزال مصدر قلق
أظهرت البيانات الاقتصادية الصادرة هذا الأسبوع أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي لتتبع التضخم، ارتفع بنسبة 0.4% على أساس شهري في يناير، وهو ما جاء متوافقًا مع توقعات المحللين.
وعلى أسـاس سنوي، ارتفع المؤشر بنسبة 3.1 %، وهو مستوى لا يزال أعلى بكثير من هدف التضخم الذي يسعى الاحتياطي الفيدرالي إلى تحقيقه والبالغ 2 %.
ورغم أن البيانات جاءت ضمن التوقعات، فإنها لم تسهم في تحسين معنويات السوق، لأن المستثمرين يدركون أن هذه البيانات لا تعكس بعد تأثير الارتفاع الأخير في أسعار النفط.
ويتوقع بعض الاقتصاديين أن تبدأ تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة في الظهور في بيانات التضخم خلال الأشهر المقبلة.
تباطؤ النمو الاقتصادي
في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أن الاقتصاد الأمريكي سجل نموًا أبطأ مما كان متوقعًا في الربع الأخير من عام 2025.
فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي قدره 0.7 % في الربع الرابع، وهو تعديل هبوطي كبير مقارنة بالتقدير الأولي الذي كان يشير إلى نمو بنسبة 1.4 %.
ويعكس هذا التعديل تباطؤًا في النشاط الاقتصادي، وهو ما قد يزيد من المخاوف بشأن احتمالات تباطؤ الاقتصاد الأمريكي خلال العام الحالي.
ويرى محللون أن تباطؤ النمو قد يكون نتيجة عدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع الاستثمارات، إضافة إلى حالة عدم اليقين العالمية.
سوق العمل بين القوة والتباطؤ
رغم إشارات التباطؤ الاقتصادي، لا يزال سوق العمل الأمريكي يظهر درجة من المرونة.
فقد أظهرت بيانات حكومية أن عدد الوظائف الشاغرة في الولايات المتحدة بلغ 6.946 مليون وظيفة في يناير، وهو رقم أعلى من التوقعات التي كانت تشير إلى 6.750 مليون وظيفة.
ومع ذلك، فإن هذا الرقم يمثل انخفاضًا طفيفًا مقارنة بشهر ديسمبر، ما يشير إلى تباطؤ تدريجي في سوق العمل.
ويُعد سوق العمل أحد المؤشرات الرئيسية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم قوة الاقتصاد واتخاذ قراراته المتعلقة بأسعار الفائدة.
القطاعات الرابحة والخاسرة
على مستوى القطاعات، شهدت أسهم التكنولوجيا بعض الضغوط خلال الأسبوع، وهو ما انعكس في أداء مؤشر ناسداك. ويعود ذلك إلى حساسية هذا القطاع لارتفاع أسعار الفائدة، حيث تعتمد شركات التكنولوجيا بشكل كبير على التمويل والاستثمارات طويلة الأجل.
في المقابل، استفادت بعض شركات الطاقة من ارتفاع أسعار النفط، إذ عادة ما يشهد هذا القطاع أداءً أفضل خلال فترات ارتفاع أسعار الطاقة.
كما شهدت أسهم الشركات الصناعية والمالية تقلبات متفاوتة، إذ تأثرت بتوقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي.
الأسواق العالمية تتأثر أيضًا
لم تقتصر تأثيرات التقلبات على الأسواق الأمريكية فقط، بل امتدت إلى الأسواق العالمية، حيث شهدت العديد من البورصات الدولية موجة من التراجع نتيجة المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ الاقتصاد العالمي.
ويرى محللون أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، ما يعني أن أي صدمة في منطقة معينة قد تنتقل بسرعة إلى الأسواق الأخرى.