وول ستريت تتماسك رغم عاصفة النفط والتوترات الجيوسياسية
شهدت الأسواق المالية الأمريكية جلسة تداول إيجابية يوم الثلاثاء، حيث واصل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» صعوده مستفيدًا من الزخم الذي تحقق في الجلسة السابقة، وذلك رغم استمرار حالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين في ظل تطورات الحرب المرتبطة بإيران وما تحمله من انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
وسجّل المؤشر الأوسع نطاقاً في السوق الأمريكية ارتفاعاً بنسبة 0.3 %، في حين ارتفع مؤشر «ناسداك المركب» الذي يهيمن عليه قطاع التكنولوجيا بنسبة 0.4 %. أما مؤشر «داو جونز الصناعي» فقد أضاف نحو 109 نقاط، بما يعادل ارتفاعاً نسبته 0.2 %، في إشارة إلى تحسن عام في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، وإن ظل هذا التحسن محدودًا ومحكومًا بعوامل خارجية متقلبة.
تقلبات النفط تضغط على المعنويات
ورغم هذا الأداء الإيجابي النسبي، لا تزال الأسواق تتحرك تحت تأثير مباشر لتقلبات أسعار النفط، التي تعد أحد أبرز المؤشرات الحساسة للتوترات الجيوسياسية. فقد استأنفت أسعار النفط ارتفاعها خلال جلسة الثلاثاء، حيث صعد خام برنت القياسي العالمي بنحو 3 %، متجاوزاً حاجز 100 دولار للبرميل، وهو مستوى نفسي مهم يعكس تصاعد المخاطر المرتبطة بالإمدادات.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل مخاوف متزايدة من احتمال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية. أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر قد يؤدي إلى اختلالات حادة في العرض، ما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
أداء متباين للقطاعات
وعلى مستوى القطاعات، برز قطاع الطاقة كأكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط، حيث سجل مكاسب تجاوزت 1 % خلال الجلسة، لترتفع بذلك مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 5 %. ويعكس هذا الأداء القوي العلاقة الطردية بين أسعار النفط وربحية شركات الطاقة، التي تستفيد بشكل مباشر من ارتفاع الأسعار.
في المقابل، أظهر قطاع السلع الاستهلاكية غير الأساسية أداءً لافتاً، حيث ارتفع بنسبة 1% خلال اليوم، مدفوعاً بمكاسب قوية في أسهم شركات السفر والسياحة، وعلى رأسها «إكسبيديا» و«بوكينج هولدينجز». ويعكس هذا الأداء تفاؤلاً نسبياً بشأن استمرار الطلب على السفر رغم الضغوط الاقتصادية، وهو ما قد يشير إلى مرونة في سلوك المستهلكين.
إلا أن الصورة العامة لهذا القطاع لا تزال متباينة، إذ تشير البيانات إلى تراجعه بأكثر من 2 % منذ بداية الشهر، ما يعكس استمرار القلق بشأن تأثير التضخم وارتفاع تكاليف الوقود على إنفاق المستهلكين، خاصة في القطاعات الترفيهية.
قطاع الطيران يدعم الزخم
كما ساهمت التوقعات الإيجابية للإيرادات في دعم أسهم شركات الطيران، حيث أعلنت شركات مثل «دلتا» و«أمريكان إيرلاينز» و«جيت بلو» عن مؤشرات قوية للطلب على السفر، ما عزز ثقة المستثمرين في قدرة هذه الشركات على تحقيق أداء جيد رغم ارتفاع تكاليف الوقود.
ويُعد هذا التطور مهماً، إذ أن قطاع الطيران يُعد من أكثر القطاعات حساسية لتقلبات أسعار النفط، نظراً لاعتماده الكبير على الوقود. وبالتالي، فإن تحسن توقعات الإيرادات يعكس قدرة الشركات على تمرير جزء من التكاليف إلى المستهلكين أو الاستفادة من قوة الطلب لتعويض ارتفاع النفقات.
التطورات السياسية وتأثيرها على الأسواق
على الصعيد السياسي، لعبت التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دورًا محوريًا في تحركات الأسواق. فقد أشار يوم الاثنين إلى أن تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز لا يزال قيد الإعداد، ما أعطى إشارة إيجابية للأسواق بإمكانية احتواء المخاطر.
إلا أن تصريحات لاحقة يوم الثلاثاء عبر منصة «تروث سوشيال» أضافت قدراً من الغموض، حيث أكد أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى دعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو أي دول أخرى لتنفيذ خطط المرافقة البحرية، مشيراً إلى أن النجاح العسكري الأخير قلل من الحاجة إلى هذا التعاون.
وقد أدت هذه التصريحات إلى تراجع طفيف في مؤشرات الأسهم عن أعلى مستوياتها خلال الجلسة، في حين شهدت أسعار النفط ارتفاعاً محدوداً، ما يعكس حالة من التردد لدى المستثمرين بين التفاؤل بإمكانية التوصل إلى حل سريع، والقلق من تصعيد محتمل في المنطقة.
مضيق هرمز: نقطة ارتكاز الأسواق
يبقى مضيق هرمز في قلب المشهد، باعتباره أحد أهم النقاط الاستراتيجية في سوق الطاقة العالمية. فإغلاق هذا الممر أو حتى تعطيله بشكل جزئي يمكن أن يؤدي إلى صدمة في الإمدادات، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة للأسواق تجاه أي أخبار تتعلق به.
ومنذ بدء الهجمات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، شهدت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا، مدفوعة بمخاوف من أن تتطور الأحداث إلى مواجهة أوسع قد تشمل تعطيل حركة الشحن في المنطقة. هذه المخاوف تُترجم مباشرة إلى تقلبات في الأسواق المالية، حيث يعيد المستثمرون تقييم المخاطر بشكل مستمر.
سلوك المستثمرين: بين القلق والفرص
في هذا السياق، أشار ستيف سوسنيك، كبير الاستراتيجيين في شركة «إنترأكتيف بروكرز»، إلى أن المستثمرين لا يزالون يأملون في التوصل إلى حل سريع وغير مؤلم نسبياً للأزمة. وأضاف أن العديد منهم ينظر إلى التراجعات في الأسواق على أنها فرص للشراء، في إطار ما يُعرف باستراتيجية «الشراء عند الانخفاض».
هذا السلوك يعكس نمطاً متكرراً في الأسواق خلال فترات الأزمات، حيث يسعى المستثمرون إلى الاستفادة من التقلبات لتحقيق مكاسب على المدى المتوسط والطويل، خاصة إذا كانوا يعتقدون أن الأزمة لن تؤدي إلى تغييرات هيكلية عميقة في الاقتصاد.
التضخم والسياسات النقدية في الخلفية
ورغم أن التركيز الحالي ينصب على التطورات الجيوسياسية، إلا أن عوامل أخرى لا تزال تلعب دورًا مهمًا في توجيه الأسواق، وعلى رأسها التضخم والسياسات النقدية. فارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية، ما قد يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي، إلى إعادة النظر في سياساتها.
وفي حال استمر ارتفاع أسعار الطاقة، فقد يتباطأ التوجه نحو تخفيف السياسة النقدية، وهو ما قد يشكل ضغطاً إضافياً على أسواق الأسهم، خاصة في القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات.