وول ستريت تتماسك قبل تقرير الوظائف وسط ضغوط التكنولوجيا
اندفعت سندات الخزانة الأميركية للصعود مع استعداد متداولي وول ستريت لصدور تقرير الوظائف المرتقب، بعدما عززت بيانات ضعيفة لمبيعات التجزئة الرهانات على أن الاحتياطي الفيدرالي قد يخفض أسعار الفائدة خلال هذا العام.
ومع ذلك، لم تكن هذه التوقعات كافية لدفع مؤشر «إس آند بي 500» إلى تسجيل قمم تاريخية جديدة، في وقت تراجعت فيه «بتكوين» بقوة.
وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى له منذ نحو شهر، مع زيادة توقعات أسواق المال لأن يلجأ الاحتياطي الفيدرالي لخفض ثالث لأسعار الفائدة خلال 2026، مع تسعير خفضين بالفعل بشكل كامل.
وارتفعت أسهم نحو 300 شركة ضمن المؤشر الأميركي، لكن الزخم تلاشى بفعل ضعف عدد من أسهم التكنولوجيا. كما تراجع مؤشر شركات أشباه الموصلات، في حين قلّص صندوق متداول يتتبع شركات البرمجيات معظم مكاسبه المبكرة.
وبحسب أنطونيو دي جاكومو من «إكس إس دوت كوم» (XS.com)، دخل مؤشر «إس آند بي 500» مرحلة تماسك بعد موجة صعود قوية، في انعكاس لتوازن بين التفاؤل المدفوع بأرباح الشركات، والمخاوف المتعلقة بمتانة الاقتصاد.
تباطؤ مبيعات التجزئة يثير القلق
بشأن قوة المستهلك
أظهرت البيانات أن مبيعات التجزئة الأميركية توقفت بشكل مفاجئ في ديسمبر، ما يشير إلى أن المستهلكين قدموا زخماً أقل للاقتصاد مع نهاية العام.
وقال فيل هارتمن من «بي إم أو كابيتال ماركتس» إن «الزخم خلف المستهلك كان أضعف في الأشهر الأخيرة من عام 2025 مما كان يُفترض سابقاً، وهو ما يمثل نقطة انطلاق أقل تشجيعاً لتقديرات النمو في 2026».
واعتبر بريت كينويل من «إي تورو» أن التقرير «ليس كارثياً»، لكنه لا يحمل أيضاً إشارة بنّاءة، خاصة في ظل استمرار القلق بشأن سوق العمل والتقلبات عبر فئات أصول عدة.
وأضاف: «تقرير الوظائف غداً سيكون حاسماً. قراءة ضعيفة قد تدفع المعنويات أكثر نحو تجنب المخاطر إذا بدأت مخاوف النمو بالتراكم، لكن قراءة قوية قد تخفف بعض هذه المخاوف».
سوق العمل في بؤرة الاهتمام
يتوقع اقتصاديون إضافة 65 ألف وظيفة في يناير، وهو ما سيكون أفضل أداء في أربعة أشهر، مع استقرار معدل البطالة عند 4.4 %. كما يُنتظر إجراء مراجعة سنوية لبيانات الوظائف، يُرجح أن تكشف عن خفض في عدد الوظائف خلال الفترة حتى مارس 2025.
وتراجع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.3 %، في حين أغلقت النسخة متساوية الأوزان من المؤشر، التي تستبعد تحيزات القيمة السوقية، إلى جانب مؤشر «داو جونز» الصناعي عند مستويات قياسية.
وخسر مؤشر «ناسداك 100» نحو 0.6 %. وانخفض عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بمقدار ست نقاط أساس إلى 4.14 %. وتذبذب الدولار، بينما هبطت «بتكوين» إلى ما دون 70 ألف دولار.
تفاصيل إنفاق المستهلك وتأثيرها على النمو
بلغت قيمة مشتريات التجزئة غير المعدلة للتضخم مستوى شبه مستقر بعد زيادة 0.6% في نوفمبر. كما ظلت المبيعات، باستثناء وكلاء السيارات ومحطات الوقود، من دون تغيير. أما مبيعات «مجموعة التحكم»، التي تدخل في حساب إنفاق السلع ضمن الناتج المحلي الإجمالي، فانخفضت 0.1% بعد تعديل هبوطي لقراءة الشهر السابق.
وقال بيتر بوكفار، الاستراتيجي المخضرم في وول ستريت، إن ضعف مبيعات التجزئة الأساسية سيؤدي إلى خفض تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع.
من جهته، قال كريس زاكاريلي من «نورثلايت لإدارة الأصول» إن «إنفاق المستهلكين لحق أخيراً بمعنوياتهم، ولكن ليس بشكل إيجابي». وأضاف أن المستهلكين اشتكوا لأشهر من ارتفاع تكاليف كل شيء، ومع ذلك واصلوا الإنفاق، إلا أن البيانات الأخيرة تشير إلى أنهم لم يعودوا يفعلون ذلك بلا توقف.
وأوضح: «إذا صمدت سوق العمل وشهد المستهلكون مزيداً من السيولة في جيوبهم نتيجة الإجراءات الداعمة للدورة الاقتصادية، فقد يواصل الاقتصاد النمو. لكن إذا كان هذا تغيراً دائماً في أنماط الإنفاق، فقد يكون بمثابة إنذار مبكر لتباطؤ أكثر خطورة».
الفائدة… بين الخفض والإبقاء
عليها من دون تغيير
رأى توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس» أن بيانات مبيعات التجزئة الضعيفة في ديسمبر لن تكون كافية لإفساد أداء الربع الرابع، لكنها، «إلى جانب الضعف المرجح للإنفاق في يناير بسبب الطقس الشتوي القاسي في معظم أنحاء البلاد، تضع نمو الاستهلاك على مسار تباطؤ حاد هذا الربع».
وأشار غاري شلوسبرغ من «ويلز فارغو إنفستمنت إنستيتيوت» إلى أن استردادات الضرائب المرتقبة، والمكاسب الكبيرة في سوق الأسهم، قد تعيد تنشيط مبيعات التجزئة وإنفاق المستهلكين في الأشهر المقبلة.
وفي أسواق المقايضات، لا يزال المتعاملون يتوقعون أن يُبقي صانعو السياسات أسعار الفائدة من دون تغيير خلال اجتماع الشهر المقبل، كما فعلوا في يناير عندما قرروا الإبقاء على النطاق المستهدف لسعر الفائدة بين 3.5 % و3.75 %.
وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، إن أسعار الفائدة قد تبقى ثابتة لفترة ممتدة، بينما يقيّم المسؤولون البيانات الاقتصادية الواردة. أما نظيرتها في دالاس، لوري لوغان، فأعربت عن أملها في استمرار تراجع التضخم، لكنها أشارت إلى أن الأمر سيتطلب «ضعفاً ملموساً» في سوق العمل لدعم مزيد من التخفيضات.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تحت المجهر
توقع مارك هيفيله من «يو بي إس لإدارة الثروات العالمية» خفضين إضافيين للفائدة بواقع 25 نقطة أساس من الاحتياطي الفيدرالي هذا العام. وأكد أن «النمو الاقتصادي القوي نسبياً، المدعوم جزئياً بمكاسب الإنتاجية، يساند أرباح الشركات». كما حافظ على مستهدفاته لمؤشر «إس آند بي 500» عند 7300 نقطة في يونيو 2026، و7700 نقطة في ديسمبر 2026، علماً بأن المؤشر أغلق عند 6941.81 نقطة يوم الثلاثاء.
ومع ذلك، خفّضت «يو بي إس» تصنيف قطاع التكنولوجيا إلى «محايد»، مشيرة إلى تباطؤ محتمل في نمو الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة العملاقة، وامتلاء تقييمات الأجهزة، واستمرار حالة عدم اليقين حول شركات البرمجيات.
وقال هيفيله: «نوصي بالحفاظ على تعرض استراتيجي واسع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسوق الأميركية ككل. نقل قطاع تكنولوجيا المعلومات الأميركي إلى تصنيف محايد لا يعكس رؤية سلبية للتكنولوجيا عموماً، إذ إن فرصة الذكاء الاصطناعي أوسع من هذا القطاع وحده».
وفي السياق نفسه، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة «غولدمان ساكس» إن التراجع الحاد لأسهم البرمجيات الأسبوع الماضي، على خلفية مخاوف المنافسة من الذكاء الاصطناعي، كان مبالغاً فيه على الأرجح.
وأكد ديفيد سولومون أن الاقتصاد الأميركي لا يزال مهيأً لنمو قوي هذا العام. وأضاف خلال مؤتمر لمجموعة «يو بي إس» في فلوريدا: «السرد خلال الأسبوع الماضي كان واسعاً أكثر من اللازم. سيكون هناك رابحون وخاسرون، وكثير من الشركات ستتكيف وتؤدي بشكل جيد».
كما رأى استراتيجيون في «جيه بي مورغان»، بقيادة دوبرافكو لاكوس بوجاس، أن أسهم البرمجيات تملك مجالاً للارتداد بعد هبوطها التاريخي، مع تسعير السوق لاضطراب مبالغ فيه على المدى القريب بسبب الذكاء الاصطناعي.
وأضافوا: «بالنظر إلى وفرة المراكز، والتوقعات المتشائمة للغاية بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على البرمجيات، والأسس القوية، نعتقد أن ميزان المخاطر يميل بشكل متزايد نحو التعافي».
من جهتها، قالت لورين غودوين من «نيويورك لايف إنفستمنتس» إن ما شهدته الأسواق مؤخراً لا يمثل رفضاً للذكاء الاصطناعي كموضوع استثماري طويل الأجل، بل تحولاً في ما يرغب المستثمرون في تحمّل مخاطره على المدى القريب.
وأضافت: «لا يزال اقتناعنا بحالة الاستثمار طويلة الأجل في الذكاء الاصطناعي قائماً، لأن شركات الحوسبة العملاقة تمول الإنفاق الرأسمالي من أنشطة أساسية مربحة، ولأن الطلب على رقائق وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية لا يزال يفوق العرض».