وول ستريت تراهن على نهاية النار
قفزت وول ستريت في جلسة الثلاثاء قفزة حادة بدت وكأنها تصويت مالي جماعي على احتمال تراجع الحرب لا نهايتها فقط. فبعد أسابيع من القلق الذي فرضته الحرب في الشرق الأوسط على أسعار النفط، والتضخم، وتوقعات الفائدة، تلقفت الأسواق الأميركية إشارات جديدة أوحت بإمكانية احتواء الصراع مع إيران أو تقليص مدته، لتندفع الأسهم بقوة نحو الصعود، في واحدة من أكثر الجلسات زخماً خلال هذا الربع. واللافت أن هذا الارتفاع لم يكن مجرد ارتداد فني، بل جاء مدفوعًا بتحول واضح في مزاج المستثمرين من منطق الدفاع إلى إعادة المخاطرة.
الشرارة الأساسية جاءت بعد تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال أفاد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ مساعديه بأنه مستعد لإنهاء الحملة العسكرية على إيران، حتى إذا بقي مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير. ورغم أن هذه الصياغة تحمل قدراً كبيراً من التعقيد والالتباس، فإن الأسواق قرأتها من زاوية واحدة مباشرة: ربما لم يعد سيناريو التصعيد المفتوح هو السيناريو الأساسي. وهذا وحده كان كافيًا لتفجير موجة شراء واسعة عبر المؤشرات الأميركية.
قفزة جماعية قادها ناسداك بقوة
الأرقام عكست بوضوح حجم الارتياح الذي اجتاح السوق. فبحسب البيانات الأولية، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 185.09 نقطة أو ما يعادل 2.91 % ليغلق عند 6528.81 نقطة، فيما قفز مؤشر ناسداك المجمع بمقدار 797.83 نقطة أو 3.84 % إلى 21592.47 نقطة، بينما صعد داو جونز الصناعي بنحو 1118.69 نقطة أو 2.47 % ليصل إلى 46334.83 نقطة.
هذه القفزة الواسعة تعني أن الصعود لم يكن محصوراً في قطاع واحد فقط، بل شمل معظم مكونات السوق. ومع ذلك، كان واضحاً أن أسهم التكنولوجيا والنمو كانت الأكثر استفادة، وهو ما يفسر تفوق ناسداك على بقية المؤشرات. فهذه الأسهم عادةً ما تكون الأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية وأسعار الفائدة، وبالتالي فإن أي انحسار في التوتر أو تراجع في احتمالات تشدد السياسة النقدية ينعكس عليها بسرعة أكبر من غيرها.
السوق التقطت «احتمال التهدئة» لا «حقيقة السلام»
المهم في هذه الجلسة أن وول ستريت لم تكن بحاجة إلى اتفاق نهائي أو إعلان رسمي بانتهاء الحرب كي ترتفع. فالأسواق لا تنتظر اكتمال الحدث، بل تتحرك على أساس التغير في التوقعات. وعندما تنتقل القناعة من «الأزمة مفتوحة» إلى «ربما هناك مخرج مبكر»، تبدأ الأصول الخطرة باستعادة شهيتها فوراً.
وهذا ما عبّر عنه بوضوح بيل نورثي، كبير مديري الاستثمار لدى US Bank Wealth Management، عندما قال إن ما تشهده الأسواق اليوم هو نتيجة تكهنات بخروج مبكر من الأزمة أو وقف الأعمال القتالية. وأضاف أن التفاصيل لا تزال محدودة، لكن أسواق رأس المال تبحث عن أي إشارة توحي بفرصة عودة تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز. وهذه العبارة تلخص ما حدث بدقة: السوق لم تشترِ السلام الكامل، بل اشترت احتمال تخفيف الخطر.
مضيق هرمز بقي العقدة الأساسية في التسعير
رغم كل الحديث السياسي، ظل مضيق هرمز هو العنصر الأكثر تأثيراً في خلفية التداولات. فالمستثمرون يدركون أن جوهر الأزمة ليس فقط في الحرب ذاتها، بل في قدرتها على تعطيل شريان الطاقة العالمي. ولهذا، فإن أي إشارة إلى أن تدفق النفط قد يبقى ممكناً أو على الأقل لن يتعرض لتعطل كامل طويل الأمد تُترجم سريعاً إلى صعود في الأسهم وتراجع في علاوة الخوف.
وخلال الأسابيع الماضية، لم يكن النفط مجرد سلعة مرتفعة السعر، بل كان مصدراً لقلق اقتصادي أوسع. فكل ارتفاع في الخام كان يُترجم تلقائياً إلى مخاوف من تضخم أعلى، وتكاليف تشغيل أكبر، وضغوط على المستهلك الأميركي، وبالتالي احتمالات أكبر لتشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ولهذا فإن أي تلميح إلى تخفيف الخطر على إمدادات الطاقة كان كفيلاً بإعادة الأوكسجين إلى السوق.
الحرب دفعت وول ستريت
نحو أسوأ ربع منذ 2022
قبل هذه الجلسة القوية، كانت المؤشرات الأميركية تتجه نحو أسوأ أداء فصلي منذ عام 2022. فقد أدى استمرار الحرب طوال شهر كامل إلى تآكل الثقة تدريجياً، وسط تصاعد المخاوف من أن ارتفاع أسعار الوقود سيضغط على الطلب الاستهلاكي ويؤثر في الإنفاق على السلع والخدمات. وهذا تحديداً ما جعل السوق شديدة الحساسية لأي خبر قد يغير الاتجاه.
فالأسواق الأميركية لم تكن فقط تواجه أزمة جيوسياسية، بل كانت تعيش في الوقت نفسه تحت ضغط ثلاثي ثقيل:
1 – أسعار نفط مرتفعة
2 – مخاوف تضخمية متزايدة
3 – احتمالات رفع أو تثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول
وهذه المعادلة كانت كافية لتقليص شهية المخاطرة ودفع المستثمرين نحو التحوط. لذلك، فإن جلسة الثلاثاء بدت وكأنها فك اختناق مؤقت بعد فترة طويلة من التسعير الدفاعي والحذر الشديد.
الفيدرالي كان حاضراً في خلفية المشهد
ورغم أن الحدث الجيوسياسي كان في الواجهة، فإن مجلس الاحتياطي الفيدرالي كان حاضراً بقوة في الخلفية. فجزء كبير من توتر السوق خلال الأسابيع الماضية لم يكن ناتجاً فقط عن الحرب، بل عن الخوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إحياء الضغوط التضخمية، ما قد يدفع البنك المركزي الأميركي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى التفكير في تشديد إضافي إذا خرج التضخم عن المسار المتوقع.
وهذا أمر شديد الأهمية للأسهم الأميركية، خصوصاً لأسهم التكنولوجيا والنمو، التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على تكلفة الأموال المستقبلية. وبالتالي، فإن أي تراجع في احتمالات صدمة نفطية ممتدة يعني تلقائياً تراجع الضغط على الفيدرالي، وهو ما يفسر جزئياً الاندفاعة القوية في ناسداك. فالسوق لم تتفاعل فقط مع السياسة الخارجية، بل مع ما قد تعنيه هذه السياسة داخلياً على مستوى الفائدة والسيولة والتقييمات.
التكنولوجيا قادت الصعود لأنها الأكثر حساسية للخوف
التفوق الواضح لمؤشر ناسداك لم يكن صدفة. فعندما تبدأ الأسواق في التخلص من الخوف، فإن أسهم التكنولوجيا والنمو غالباً ما تكون أول من يستفيد، لأنها الأكثر تعرضاً للبيع خلال فترات التوتر، والأسرع تعافياً عندما يتحسن المزاج.
كما أن شركات التكنولوجيا الكبرى تُنظر إليها اليوم باعتبارها مستفيدة من أي استقرار في الطاقة والتضخم، لأنها أقل تعرضاً نسبياً لارتفاع تكاليف المواد الخام مقارنة بالقطاعات الصناعية الثقيلة، وأكثر حساسية في المقابل لتغيرات الفائدة والمعنويات. ولهذا، فإن عودة الرهان على الهدوء النسبي تعني عملياً عودة الرهان على أسماء النمو الكبيرة، وهو ما ظهر بوضوح في تسارع مكاسب ناسداك مقارنة بداو جونز.
ويمكن القول إن جلسة الثلاثاء أعادت تأكيد معادلة أصبحت مألوفة في وول ستريت: كلما انخفض الخوف، عادت التكنولوجيا إلى القيادة.
ما حدث ارتداد قوي..
لكنه ليس نهاية القصة
ورغم هذا الصعود الحاد، فإن القراءة الأكثر واقعية تقول إن السوق لم تصل بعد إلى مرحلة اليقين الكامل. فتصريحات وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث بأن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في الحرب مع إيران، وتحذيره من أن الصراع قد يتصاعد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، تعني أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام سيناريوهات متعارضة.
ولهذا، فإن ما حدث في وول ستريت يمكن وصفه بأنه رهان على التهدئة، لا إعلان بانتهاء الأزمة. فالمستثمرون التقطوا نافذة أمل، لكنهم لم يحصلوا بعد على ضمانات كاملة. وإذا تعثرت هذه النافذة أو عادت التوترات إلى الواجهة، فقد تعود التقلبات بسرعة أيضاً. وهذا ما يجعل جلسة الثلاثاء قوية ومهمة، لكنها في الوقت نفسه مشروطة بما سيأتي لاحقاً.