وول ستريت ترتد بحذر ترقباً لتطورات المعركة بين باول وترامب
تعافت المؤشرات الأميركية في تداولات وول ستريت، الإثنين، بعد تقلبات في بداية الجلسة وسط مناخ سياسي محتدم وحالة عدم يقين اقتصادي بعد أن فتحت وزارة العدل تحقيقاً جنائياً مع رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول، في تصعيد واضح من الرئيس دونالد ترامب ضمن سعيه للضغط على البنك المركزي.
وفي حين محا مؤشر «إس آند بي 500» خسائره وبلغ مستوى قياسياً جديداً، حدّت حالة القلق بشأن التدخل في السياسة النقدية من زخم الأسواق.
وينظر إلى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عن نزوات الحكومة ركيزة أساسية في الأسواق، وأي تغير في هذا التصور قد يضغط على المعنويات. وبينما يُرجّح أن تكون مخاطر الاستقلالية موضوعاً رئيسياً في عام 2026، قال كريشنا غوها من «إيفركور» إن هناك طريقتين لتفسير استقرار الأسواق الأميركية.
تتمثل الأولى في أن «هذه التطورات لا تهم الأسواق». و الثانية أن الأمر مهم جداً، لكن جزئياً لهذا السبب يعتقد المستثمرون أن هذه الخطوة لن تفضي إلى شيء، وأن الإدارة ستبحث عن مخرج لخفض التصعيد. نحن نؤيد بشدة الرأي الثاني».
وارتفع مؤشر «إس آند بي 500» بشكل طفيف إلى نحو 6980 نقطة. في المقابل، خسر مؤشر «كيه بي دبليو» للبنوك قرابة 1%. وقادت «ألفابت» مكاسب الشركات الكبرى بعد أن أكدت «جوجل» إبرام اتفاق متعدد السنوات مع «أبل» لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بصانعة هواتف «أيفون».
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطتي أساس إلى 4.19%، فيما تراجع مؤشر الدولار بنسبة 0.2%. وبلغ الذهب مستويات قياسية جديدة.
وقال إيان لينغن من «بي إم أو كابيتال ماركتس»: «كانت الأسهم الأميركية تحت ضغط في وقت مبكر، قبل أن تستقر وترتفع تدريجياً، مع تراجع المخاوف الأولية من أن الضغوط على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي ستثقل كاهل الأصول الخطرة». وأضاف: «على الأقل، يبدو أن هناك اهتماماً بشراء الانخفاضات في كل من الأسهم والسندات حالياً».
التحقيق مع الاحتياطي الفيدرالي
وتداعياته على الأسواق
جاءت خسائر الأسهم في وقت سابق بعد أن قال جيروم باول إن البنك المركزي تلقى مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى صادرة عن وزارة العدل، تتضمن تهديداً بتوجيه اتهام جنائي.
وفي بيان مكتوب ومصوّر قوي صدر يوم الأحد، قال باول إن الإجراء مرتبط بشهادته أمام الكونغرس في يونيو بشأن أعمال تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي.
وفي مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز» يوم الأحد، نفى ترمب علمه بأي تحقيق يتعلق بالبنك المركزي.
وقال جيسون برايد من «غلينميد»: «في حين كان رد فعل الأسواق محدوداً، فإن الوضع يثير مخاوف بشأن احتمال تآكل الاستقلالية المؤسسية للاحتياطي الفيدرالي واستقرار الأسواق، ما دفع إلى ردود فعل من المشرعين في الحزبين ومن الاقتصاديين».
وأشار برايد إلى أنه حتى الآن لم تُوجه أي اتهامات جنائية، لكن الوضع يستحق المتابعة المستمرة نظراً للمخاطر التي يفرضها على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي المتصورة، وتوقعات التضخم طويلة الأجل، وأسعار الفائدة طويلة الأجل.
أما تيري ويزمان من «ماكواري غروب» فرأى أنه «سواء نجحت محاولة البيت الأبيض الأخيرة للتأثير على سياسة الاحتياطي الفيدرالي أم لا، فذلك عامل حاسم لتداعيات الأسواق على المديين المتوسط والطويل».
وأضاف: «لكن إذا نجحت، فإننا نتوقع ضعف الدولار، وانحداراً أكثر حدة لمنحنى العائد، وارتفاع العوائد طويلة الأجل، وارتفاع توقعات التضخم، بوصفا النتائج الأرجح، مع ثبات العوامل الأخرى».
الأرباح والتضخم وتوقعات المستثمرين
بحسب مكتب التداول في «جيه بي مورغان سيكيوريتيز»، فإن أحدث هجوم من إدارة ترمب على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي يشكل تهديداً لسوق الأسهم الأميركية، على الأقل في المدى القصير.
وقال أندرو تايلر، رئيس قسم معلومات الأسواق العالمية: «في حين تدعم الأسس الاقتصادية والنتائج المؤسسية موقفاً متفائلاً تكتيكياً، فإن المخاطر التي تهدد استقلالية الاحتياطي الفيدرالي تفرض عبئاً إضافياً، ولذلك نحن حذرون في المدى القريب جداً». وأضاف: «من المرجح أن تدفع هذه المخاطر الولايات المتحدة نحو أداء دون المستوى على المدى القريب».
مراقبة مستويات التضخم
يُرجّح أن يكون المستهلكون الأميركيون قد شهدوا زيادة متواضعة فقط في التضخم مع نهاية عام 2025، بما يتماشى مع ضغوط سعرية تتراجع تدريجياً.
ومن المتوقع أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يُعد مقياساً للتضخم الكامن لأنه يستبعد تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، بنسبة 2.7% في ديسمبر مقارنة بالعام السابق، مقابل 2.6% في نوفمبر، وهو أدنى مستوى منذ أوائل 2021.
وقالت سيما شاه من «برينسيبال أسيت مانجمنت»: «بشكل عام، ورغم أن الاحتياطي الفيدرالي لا يستطيع استبعاد احتمال عودة تضخم أكثر استدامة، فإن تباطؤ سوق العمل ينبغي أن يساعد في احتواء الضغوط السعرية».
وأضافت: «من المتوقع أن يظل التضخم مرتفعاً قليلاً حتى عام 2026، ويبدو أن العودة إلى هدف 2% هذا العام غير مرجحة».
وبحسب ماكس كيتنر من «إتش إس بي سي»، فمن غير المرجح أن «تهز» بيانات التضخم الأميركية هذا الأسبوع الأسواق. بل على العكس، إذ يتوقع أن موسم نتائج الربع الرابع، الذي يتميز بسهولة تحقيق أداء أفضل من الربعين الماضيين، قد يكون المحفز الصعودي التالي.
آفاق الاقتصاد في 2026 محط تركيز
يستعد المتداولون أيضاً لانطلاق غير رسمي لموسم أرباح الشركات الأميركية، مع إعلان عدد من البنوك الكبرى نتائجها.
ولا شك في أن المقرضين، ولا سيما أكبر ستة بنوك في وول ستريت، سيحققون أرباحاً كبيرة بفضل طفرة في الصفقات المؤسسية، وإيرادات تداول قوية، وتراجع التكاليف نتيجة مكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي. لكن ذلك بات في الغالب معلوماً.
ما يهم المستثمرين هو كيف ترى هذه الشركات، التي تمتلك رؤية فريدة لحال الاقتصاد الذي يتوقع كثيرون في وول ستريت أن يشهد ازدهاراً، آفاق عام 2026. ويتزايد التركيز، ولا سيما على المستهلك، لأن التوقعات تشوبها حالة من الضبابية بسبب إغلاقات وتعطّل بيانات حكومية.
رفع متوسط التقديرات لأرباح الشركات الأميركية
بشكل عام، ترفع توجيهات الشركات ومراجعات التوقعات من متوسط التقديرات لأرباح الشركات الأميركية في الربع الرابع، ما يمهد الطريق لتحقيق تفوق قوي آخر في النتائج، بحسب «بلومبرغ إنتليجنس».
وبناءً على التقديرات الحالية، يُتوقع أن تحقق شركات مؤشر «إس آند بي 500» نمواً في الأرباح بنسبة 8.4% في الربع الرابع و14.6% في عام 2026. وباستثناء «العظماء السبعة» (أمازون، ألفابت، إنفيديا، أبل، ميتا، مايكروسوفت، تسلا)، يُتوقع أن يبلغ نمو الأرباح 4.6% و13.3% على التوالي.
وقالت سافيتا سوبرامانيان من «بنك أوف أميركا» إن «قوة ربحية السهم لا تعني بالضرورة قوة في عوائد الأسعار». وأضافت: «التفاؤل بالأرباح مبرر، وحتى التوجيهات الأضعف ليست سبباً للقلق، فهذا أمر موسمي».
لكنها تابعت: «غير أن تحقيق مكاسب إضافية من التفوق في النتائج ليس مضموناً، فالشركات التي تفوقت مبكراً تراجعت أسهمها في اليوم التالي. وغالباً ما تشهد سنوات الأرباح القوية عوائد سعرية أقل من المعتاد، إذ إن الأسهم تستبق الأحداث بدلاً من أن تتفاعل معها».
وأشار أنتوني ساغليمبين من «أمريبرايز» إلى أن الأسبوع الأول من موسم أرباح الربع الرابع قد يساعد في تحديد نبرة تداول الأسهم لبقية الشهر.
وقال إن تحديثات قوية بشأن الائتمان، والهوامش، وتخصيص رأس المال من البنوك الرئيسية، قد تساعد في ترسيخ الثقة سريعاً مع اتساع موسم النتائج ليشمل بقية الشركات الأميركية.
غير أنه حذّر من أن ارتفاع النفقات أو تحوّل التوجيهات إلى الحذر قد يؤدي إلى تقلبات أكبر، وقد يتحول السرد نحو نهج أكثر انتقائية أو دفاعية.