وول ستريت ترتفع بدفعة التكنولوجيا وآمال تهدئة الحرب
أنهت وول ستريت تعاملات الأربعاء على ارتفاع، في جلسة اتسمت بعودة شهية المخاطرة إلى السوق، مدفوعة بمكاسب قوية لأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها ألفابت، إلى جانب تراجع نسبي في مخاوف المستثمرين بشأن اتساع الحرب في الشرق الأوسط، بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب أوحت بإمكانية اقتراب نهاية المواجهة الحالية.
وجاء الأداء الإيجابي للأسهم الأميركية في وقت واصلت فيه الأسواق العالمية مراقبة التطورات الجيوسياسية بدقة، مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب لأي مؤشرات قد تحدد ما إذا كانت التوترات الحالية تتجه نحو الاحتواء أو نحو مزيد من التصعيد. وفي هذا المناخ، بدت الأسواق أكثر استعداداً لالتقاط الإشارات الإيجابية، خصوصاً إذا كانت مدعومة من البيت الأبيض، وهو ما منح الأسهم دفعة واضحة مع نهاية الجلسة.
إشارة سياسية
وكان ترامب قد قال في تصريحات لوكالة رويترز، قبل ساعات من خطابه المرتقب إلى الأمة بشأن الحرب، إن الولايات المتحدة «ستخرج من إيران بسرعة كبيرة»، مضيفاً أنها قد تعود لتنفيذ «ضربات دقيقة» إذا اقتضت الضرورة. هذه التصريحات، رغم أنها لم تحسم المسار السياسي أو العسكري بشكل قاطع، قرأتها الأسواق باعتبارها إشارة إلى أن واشنطن لا تميل حالياً إلى الانخراط في مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد.
وتتعامل الأسواق عادة بحساسية عالية مع مثل هذه الرسائل، ليس فقط بسبب بعدها السياسي، بل لأن أي تلميح إلى تقليص احتمالات الحرب الواسعة ينعكس سريعاً على تسعير الأصول، من الأسهم إلى النفط والذهب والسندات. ومن هذا المنطلق، ساهمت لهجة ترامب في تخفيف جزء من التوتر الذي كان يضغط على معنويات المستثمرين خلال الأيام الماضية.
حذر الأسواق
ورغم هذا الارتياح النسبي، فإن حالة الحذر لم تختفِ بالكامل من التداولات. فالمستثمرون يدركون أن تصريحات ترامب كثيراً ما تتسم بالتقلب أو بإعادة التموضع السريع، وهو ما يجعل الأسواق تتعامل معها بحذر حتى عندما تستجيب لها إيجابيًا على المدى القصير.
وفي هذا السياق، قال توماس مارتن، مدير المحافظ الاستثمارية لدى شركة جوبالت للاستثمار، إن تصريحات ترامب «تميل إلى التغير قليلاً»، مضيفاً أن الجميع يحاول فهم ما الذي يعنيه الرئيس فعلاً بما يقوله، في وقت تريد فيه الأسواق أن تنتهي الحرب وتبحث عن أي إشارة تسمح لها بتسعير هذا الاحتمال.
هذا التوصيف يلخص إلى حد بعيد مزاج المستثمرين في المرحلة الحالية: رغبة قوية في تصديق سيناريو التهدئة، لكن من دون قناعة كاملة بأن هذا السيناريو أصبح محسوماً، ولهذا، فإن ارتفاعات الأسهم جاءت مدفوعة بالتفاؤل، ولكن ضمن مناخ لا يزال شديد الحساسية لأي مفاجآت.
قيادة التكنولوجيا
اللافت في جلسة الأربعاء أن الزخم الأكبر جاء من أسهم الشركات الكبرى المرتبطة بالتكنولوجيا، التي استعادت دورها القيادي في دفع المؤشرات الأميركية إلى الأعلى. وبرز سهم ألفابت، الشركة الأم لـ غوغل، بين الرابحين بعد أن صعد بنحو 3.4 %، في واحدة من أقوى التحركات داخل الأسهم القيادية خلال الجلسة.
كما ارتفع سهم ميتا بلاتفورمز وسهم أمازون بنحو 1 % لكل منهما، ما عزز الأداء الإيجابي لمؤشر ناسداك الثقيل بأسهم النمو والتكنولوجيا. ويعكس هذا الأداء عودة المستثمرين إلى الرهان على الأسماء الكبرى التي تمتلك ميزانيات قوية، وتدفقات نقدية مستقرة، وقدرة على الصمود في وجه التقلبات الاقتصادية والسياسية.
وعادة ما تستفيد هذه الشركات في فترات التحسن النسبي في المعنويات، لأنها تمثل مزيجاً من النمو والدفاعية في الوقت نفسه، خصوصاً عندما يبحث المستثمرون عن فرص انتقائية بدلاً من الرهانات الواسعة على السوق بأكملها.
يومان من الصعود
وسجلت وول ستريت بذلك ثاني جلسة متتالية من المكاسب، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا بالفعل في إعادة بناء مراكزهم على أساس توقعات بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قد تقترب من نهايتها، أو على الأقل من مرحلة أقل حدة.
هذا الصعود المتواصل ليومين لا يعني بالضرورة أن الأسواق دخلت مرحلة استقرار كامل، لكنه يعكس بوضوح أن هناك ميلاً متزايداً إلى التسعير الإيجابي، خاصة في حال غياب مفاجآت عسكرية أو سياسية كبيرة. كما يُظهر أن المستثمرين مستعدون حالياً للعودة إلى الأصول ذات المخاطر الأعلى إذا شعروا بأن أسوأ السيناريوهات لم يعد هو الأكثر احتمالًا.
لكن في المقابل، لا تزال هذه المكاسب محكومة بسقف واضح من الحذر، لأن السوق تعلم أن المشهد الجيوسياسي لم يُغلق بعد، وأن أي تصعيد مفاجئ قد يعيد حالة النفور من المخاطرة سريعاً إلى التداولات.
زخم الفضاء
ومن بين التطورات اللافتة أيضاً في جلسة الأربعاء، ما كشفه مصدران لـ رويترز عن أن شركة سبيس إكس تقدمت بطلب سري لطرح عام أولي، وهي أنباء أشعلت موجة صعود في أسهم الشركات المرتبطة بقطاع الفضاء، الذي يحظى باهتمام متزايد من المستثمرين خلال السنوات الأخيرة.
وبدعم من هذه الأنباء، قفز سهم إنتويتيف ماشينز بنحو 9 %، كما صعد سهم بلانت لابس بنحو 10 %، فيما ارتفع سهم روكيت لاب بنحو 2%. وتعكس هذه التحركات حساسية السوق العالية تجاه أي تطورات مرتبطة بشركات الفضاء الخاصة، خصوصًا تلك المرتبطة باسم إيلون ماسك أو بمشروعات الطرح العام المحتملة.
ويُنظر إلى هذا القطاع من قبل شريحة من المستثمرين باعتباره امتدادًا لرهانات النمو المستقبلية، على غرار الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، وهو ما يفسر سرعة تفاعل الأسهم مع الأخبار حتى قبل صدور تأكيدات رسمية نهائية.
تفوق ناسداك
على مستوى المؤشرات، كان ناسداك صاحب الأداء الأفضل خلال الجلسة، مستفيداً من الزخم القوي في أسهم التكنولوجيا والنمو. فقد ارتفع المؤشر بنحو 1.16 % ليغلق عند 21840.95 نقطة، ما يعكس استمرار تفوقه النسبي كلما تحسنت شهية المستثمرين تجاه الأصول المرتبطة بالابتكار والتوسع المستقبلي.
أما مؤشر ستاندرد آند بورز 500، فقد صعد بنحو 0.72 % ليغلق عند 6575.32 نقطة، مدعوماً بمكاسب موزعة على عدد من القطاعات، وإن بقيت التكنولوجيا المحرك الأوضح لهذا الأداء. في المقابل، ارتفع داو جونز الصناعي بنسبة 0.48 % ليصل إلى 46565.74 نقطة، في أداء أكثر تحفظاً لكنه لا يزال يعكس اتساع قاعدة الصعود داخل السوق.
وتظهر هذه الأرقام أن الجلسة لم تكن محصورة في أسهم محددة فقط، بل حملت طابعاً إيجابياً عاماً، مع تفوق واضح للأسهم الأكثر ارتباطاً بالنمو والابتكار.
أداء سنوي
ورغم هذه المكاسب اليومية، فإن الصورة السنوية للسوق الأميركية لا تزال أكثر تحفظاً. فمؤشر ستاندرد آند بورز 500 لا يزال منخفضاً بنحو 4 % منذ بداية عام 2026، ما يعني أن السوق لم تستعد بعد كامل خسائرها أو تسترجع ثقة المستثمرين بصورة كاملة.
وهذا التراجع منذ مطلع العام يعكس حجم الضغوط التي واجهتها الأسواق خلال الأشهر الماضية، سواء من التوترات الجيوسياسية أو من حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأميركية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتقييمات الأسهم المرتفعة، خاصة في قطاع التكنولوجيا.
ومن هنا، فإن جلسة الأربعاء، رغم قوتها، لا يمكن قراءتها باعتبارها نقطة تحول نهائية بقدر ما تمثل محطة إيجابية ضمن مسار لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال. فالسوق استعادت بعض الزخم، لكنها لم تحسم بعد ما إذا كانت بصدد استئناف اتجاه صاعد واضح أو مجرد التقاط أنفاس بعد موجة تقلبات طويلة.