وول ستريت تستعيد توازنها وسط رهان على خفض الفائدة… و«الأسهم العملاقة» تقود المزاج الإيجابي
تشهد سوق الأسهم الأميركية حالة من التعافي الحذر، بعد أسابيع من تذبذب حاد بين مخاوف المبالغة في تسعير أسهم التكنولوجيا، والرهانات المتزايدة على اقتراب الفيدرالي الأميركي من دورة خفض جديدة لأسعار الفائدة. وفي جلسات متتالية هذا الأسبوع، نجحت المؤشرات الرئيسية في تحقيق مكاسب واضحة، بدعم من أسهم الشركات الكبرى ذات الوزن الثقيل في مؤشر S&P 500، رغم استمرار عمليات جني الأرباح في بعض أسهم الذكاء الاصطناعي.
مؤشرات وول ستريت: صعود جماعي يعاكس قلق التقييمات
أنهت المؤشرات الأميركية الرئيسة جلسة الثلاثاء على ارتفاع قوي للجلسة الثانية على التوالي، حيث امتد الزخم الصعودي الذي بدأ منذ منتصف الشهر، مستفيداً من بيانات اقتصادية متوازنة وتوقعات متزايدة بأن الفيدرالي قد يتجه إلى خفض الفائدة خلال الفترة المقبلة. فقد سجل مؤشر داو جونز الصناعي مكاسب ملحوظة تجاوزت 1 % في إحدى الجلسات الأخيرة، بينما صعد مؤشر S&P 500 وناسداك المركب بنحو 1 % تقريباً، مع توالي عمليات تغطية المراكز البيعية وتحسن شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وبحسب بيانات منصات متخصصة، ارتفع المؤشر العريض US500 ، الذي يتتبع أداء أكبر الشركات الأميركية ، إلى قرابة 6793 نقطة في تعاملات اليوم، بمكاسب تقارب 0.4% مقارنة بالجلسة السابقة، ما يعكس استمرار محاولة السوق استعادة جزء من خسائر موجة التصحيح الحادة التي شهدتها في أبريل وما تلاها هذا العام.
مع ذلك، تظل صورة السوق من الداخل أقل قوة؛ إذ تشير بيانات تحليلات شركات الوساطة إلى أن نحو 41 % فقط من أسهم مؤشر S&P 500 تتداول حالياً فوق متوسطها المتحرك لـ50 يوماً، وهي نسبة ما زالت دون المتوسط التاريخي البالغ 55 %، ما يعني أن الصعود الحالي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على شريحة محدودة من الأسهم القيادية.
خليط من المحفزات: الفائدة، الأرباح، والذكاء الاصطناعي
الحركة الإيجابية الأخيرة في وول ستريت جاءت مدفوعة بعدة عوامل متشابكة. فمن جهة، عززت بيانات التضخم ومبيعات التجزئة الرهانات على أن الفيدرالي الأميركي بات أقرب إلى تبنّي لهجة أكثر مرونة، وربما الإقدام على خفض الفائدة إذا تأكد تباطؤ الأسعار دون الإضرار بالنمو.
ومن جهة أخرى، ساهمت نتائج أعمال قوية لعدد من الشركات الكبرى في تهدئة مخاوف التقييمات، خصوصاً مع استمرار الطلب على قطاعات التكنولوجيا، الرعاية الصحية والمالية، وإن شهدت بعض أسهم الذكاء الاصطناعي موجات تصحيح عنيفة نتيجة القلق من «فقاعة» محتملة في تسعير هذا القطاع.
ويبرز في هذا السياق صعود شركات مثل إيلي ليلي في قطاع الأدوية إلى نادي التريليون دولار من حيث القيمة السوقية، مدفوعةً بمبيعات قوية في أدوية السمنة والسكري، إلى جانب استمرار الطلب على حلول الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي من عمالقة التكنولوجيا مثل مايكروسوفت وألفابت وأمازون.
تمركز السيولة في «الأسهم العملاقة»
تحليل حركة السيولة خلال الأسابيع الماضية يكشف عن تركّز متزايد في ما يعرف بالأسهم العملاقة أو Mega Caps، وهي الشركات التي تتجاوز قيمتها السوقية 200 مليار دولار. وتشير بيانات مواقع متخصصة إلى أن الشركات السبع الكبرى في السوق الأميركية – بقيادة إنفيديا، أبل، مايكروسوفت، ألفابت، أمازون، ميتا، وتيسلا – أصبحت تمثل حصة ضخمة من القيمة الإجمالية للمؤشرات الرئيسية، ما يزيد من حساسية السوق لأي حركة تصحيح في هذه الأسماء.
هذا التركّز يمنح المؤشرات دفعة قوية في أيام الصعود، لكنه في المقابل يرفع من مخاطر الهبوط الجماعي إذا تراجعت توقعات النمو في قطاع التكنولوجيا أو تزايدت المخاوف من تشديد تنظيمي أو ضغوط تنافسية في سباق الذكاء الاصطناعي.
قراءة في مزاج المستثمرين: بين الخوف والطمع
مزاج المستثمرين في وول ستريت يبدو منقسماً بين من يرى أن الهبوط الحاد الذي شهدته السوق في أبريل وموجات البيع التي تلته قد خلقت فرصاً جذابة للشراء على المدى المتوسط، وبين من يخشى أن تكون الارتفاعات الحالية مجرد «ارتداد تقني» في سوق لا تزال مهددة بعوامل عدة، من بينها:
- استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار الفائدة في 2026 وما بعدها.
- المخاوف من تباطؤ أرباح الشركات إذا تباطأ الاقتصاد الأميركي بفعل تأثيرات الحرب التجارية والاضطرابات الجيوسياسية.
- التقييمات المرتفعة تاريخياً في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مقارنة بمتوسطات الربحية التاريخية.
في هذا السياق، يبدو أن المستثمرين الكبار يعيدون توزيع محافظهم تدريجياً نحو مزيج أكثر توازناً بين أسهم النمو وأسهم القيمة، مع اهتمام متزايد بالقطاعات الدفاعية مثل الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية، إلى جانب البنوك الكبرى المستفيدة من استقرار منحنى الفائدة.
- سوق فرصة… ولكن بحذر محسوب
تبدو سوق الأسهم الأميركية اليوم في مرحلة “تقاطعات حساسة”:
المؤشرات تستعيد توازنها، والأرباح لا تزال متماسكة، والسيولة تتركّز في أسهم عملاقة قادرة على جرّ المؤشرات صعوداً. في المقابل، تتزايد هشاشة المزاج الاستثماري تحت تأثير مزيج من المخاطر: تشدد نقدي محتمل، حرب تجارية ممتدة، وسؤال مفتوح حول ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي تسعَّر في الأسهم بأكثر مما تحتمل أساسيات الشركات.
بالنسبة للمستثمرين، يبقى العنوان الرئيس في وول ستريت حالياً:
الإبقاء على التعرض لأسهم القياديات، مع بناء هوامش أمان كافية، وإدراك أن موجات الصعود الحالية قد لا تعني نهاية التقلبات، بل بداية فصل جديد من إعادة التسعير على ضوء معادلات الفائدة والربحية والنمو.