وول ستريت تصعد بعد قفزة مفاجئة في نشاط المصانع الأميركية
ارتفعت الأسهم الأميركية بعد أن عززت بيانات قوية عن نشاط المصانع التفاؤل حيال أداء الشركات، فيما هدأت وتيرة الخسائر في الذهب والفضة بعد موجة هبوط حادة. في المقابل، تراجعت السندات، وسجل الدولار أكبر مكاسب له خلال يومين منذ أبريل.
أغلق مؤشر «إس آند بي 500» قرب أعلى مستوياته على الإطلاق، مع تصدر القطاعات الحساسة للدورة الاقتصادية المكاسب، في ظل توسع نشاط التصنيع بأسرع وتيرة منذ 2022. وارتفع مؤشر «راسل 2000» للشركات الصغيرة بنسبة 1 %.
وبينما انخفض الذهب، فإنه قلّص خسائر حادة سجلها في وقت سابق من الجلسة. وتراجعت أسعار النفط مع تلاشي علاوات المخاطر الجيوسياسية بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تجري محادثات مع إيران.
بعد ما يقرب من عام من الانكماش، يُعد الارتفاع المرتبط بالطلب في نشاط المصانع خبراً مرحباً به. إذ إن تحقيق نمو مستدام من شأنه أن يوفر طمأنينة بأن قطاع التصنيع بدأ يتعافى بعد ركوده خلال السنوات الثلاث الماضية.
وقال برايان جاكوبسن من «أنكس ويلث مانجمنت»: «يبدو أن نشاط التصنيع بدأ يخرج من شتاء بارد. لقد رأينا مؤشرات حياة من قبل، قبل أن يتراجع التصنيع مجدداً، لكن مع نمو الطلبات الجديدة، ربما يكون هذا التعافي حقيقياً».
وأشار التقرير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي سياسته من دون تغيير لفترة مطولة، بعدما نجح البنك المركزي في إعادة تنشيط قطاع التصنيع، بحسب فلوريان ييلبو من «لومبار أودير لإدارة الأصول».
وأضاف: «هذا التطور إيجابي أساساً لأرباح الشركات، ويفيد كلاً من الأسهم الأميركية والأسهم العالمية ذات الانكشاف على زخم النمو في الولايات المتحدة. وعلى المدى القريب، يعزز هذا التطور فكرة النمو القوي مع كبح التضخم».
بيانات التصنيع وتأثيرها على السياسة النقدية
عقب صدور بيانات التصنيع، خفّض المتعاملون بشكل طفيف رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي كان قد أوقف التخفيضات الأسبوع الماضي. وتُظهر أسواق المال أن الخفض المقبل متوقع في يوليو.
ولن يصدر مكتب إحصاءات العمل الأميركي تقرير الوظائف لشهر يناير يوم الجمعة كما كان مقرراً، بسبب الإغلاق الجزئي للحكومة.
وارتفع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.5%. ولم يشهد مؤشر لأسهم شركات التكنولوجيا العملاقة تغيّراً يُذكر. وتراجعت أسهم «والت ديزني» بعد توقعات ضعيفة، فيما قدمت «بالانتير تكنولوجيز» توقعات إيجابية للإيرادات في التداولات المتأخرة.
وصعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات أربع نقاط أساس إلى 4.28 %. وارتفع الدولار بنسبة 0.3 %. وقفزت عملة «بتكوين» بنحو 2 %.
وارتفع مؤشر «معهد إدارة التوريد لنشاط التصنيع» إلى 52.6 نقطة من 47.9 نقطة. وتشير القراءات التي تتجاوز 50 نقطة إلى التوسع، وقد فاق الرقم الأخير جميع التوقعات في استطلاع أجرته «بلومبرغ» لآراء الاقتصاديين.
وقالت ألكسندرا براون من «كابيتال إيكونوميكس»: «تشير القفزة في مؤشر معهد إدارة التوريد للتصنيع في يناير إلى أنه بعد سنوات من الضعف، ربما يكون قطاع التصنيع بصدد التحول نحو الأفضل».
وأضافت: «على الرغم من أن المؤشر العام لا يزال عند مستوى يتماشى تاريخياً مع نمو ضعيف دون 2 %، فإن النمو كان أقوى مما يوحي به المؤشر خلال السنوات الثلاث الماضية»، معتبرة أن تعليقات المشاركين في الاستطلاع بقيت متشائمة رغم النتائج الإيجابية.
وقال مارك سترايبر من «إف إتش إن فايننشال» إن «القراءة القوية بشكل مفاجئ لمسح معهد إدارة التوريد للتصنيع هذا الصباح تسببت في موجة بيع في سندات الخزانة. لكن ردود الاستطلاع الواردة وتحفظات معهد إدارة التوريد قللت من زخم مؤشر يناير».
وبحسب فيل هارتمان من «بي إم أو كابيتال ماركتس»، فإن حركة عوائد السندات تقترب من فتح الباب أمام دخول المشترين. وقال: «نؤكد أن العودة إلى ذروة الأسبوع الماضي عند 4.30 % ستشكل نقطة دخول جذابة لاستقطاب المستثمرين الذين ينتظرون فرصة شراء عند التراجع».
المعادن النفيسة وتقلبات الأسواق
تابعت وول ستريت عن كثب تحركات المعادن النفيسة، التي استعادت جزءاً من خسائرها بعد موجة بيع قوية أخرى خلال ساعات التداول الآسيوية، مع قيام المتعاملين بتقييم التفكك السريع لموجة صعود قياسية.
وقال داريل كرونك من «ويلز فارغو»: «تحركات أسعار السلع تعكس بالدرجة الأولى تصفية مراكز ضعيفة أو مموّلة بالاقتراض، أكثر من كونها تغييراً في القصة الأساسية. إنها سوق تستحق المراقبة لرصد نقاط الضعف والتطرف».
وهبط الذهب والفضة بقوة يوم الجمعة بعدما قال ترمب إنه سيرشح كيفن وارش لخلافة جيروم باول في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي. وترى الأسواق أن وارش أكثر ميلاً من مرشحين آخرين للتصدي لضغوط ارتفاع الأسعار.
توقعات السياسة النقدية
قد يترجم هذا التوجه إلى سياسة نقدية داعمة للدولار، ما يقوض ما يُعرف بتجارة «تآكل قيمة العملة» التي كانت وراء صعود الذهب الحاد.
وقال كرونك: «لا تزال التصورات المتشددة المرتبطة بتعيين وارش قائمة. ونتوقع أن يدعم وارش موقفاً أكثر ميلاً للتيسير مع صعوبة تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي بشكل ملموس. وما زلنا نعتقد أن خفضين لأسعار الفائدة في 2026 أمر مرجح».
من جهته، قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا رافائيل بوستيك إنه لم يتوقع أي خفض لأسعار الفائدة في 2026.
وأضاف خلال فعالية نظمها «نادي الروتاري» في أتلانتا، في إشارة إلى توقعات الاحتياطي الفيدرالي المنشورة في ديسمبر: «بالنسبة لي، لم أضع أي خفض. لدينا زخم كبير في الاقتصاد يجعلنا بحاجة إلى الإبقاء على سعر الفائدة عند مستوى تقييدي بشكل طفيف».
وقال خوسيه توريس من «إنتراكتيف بروكرز»: «من المرجح أن يستمر صعود نزعة شراء الأصول الأميركية في الضغط على أداء المعادن النفيسة بشكل عام».
ويراهن توريس على أن الذهب والفضة مرشحان لمزيد من التراجع بعد موجة صعود عنيفة بدأت بدوافع أساسية، لكنها انفصلت لاحقاً عن محركاتها المرتبطة بسردية «بيع الأصول الأميركية» والتركيز على سياسات نقدية عالمية ميسرة نسبياً تتيح عجزاً مالياً مفرطاً وتؤدي إلى تدهور العملات.
وقال مارك هاكيت من «نايشن وايد» إن التحركات الحادة في المعادن النفيسة شكّلت تذكيراً بأن العاطفة لا تزال عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين، مشيراً إلى أن التقلبات تظهر في أماكن غير متوقعة، في وقت بات فيه الذهب والفضة يتصرفان أكثر كأدوات مضاربة لا كملاذات آمنة.
وأضاف: «المستثمرون أنفسهم الذين لاحقوا بتكوين العام الماضي انتقلوا إلى المعادن النفيسة بحثاً عن العائد الكبير التالي، وهذه الصفقات الآن في طور التفكك. إنها سوق ذات طرفين متباعدين، تحركات حادة عند الأطراف، فيما لا تزال محافظ الأسهم المتنوعة صامدة، ما يدل على أن الأمر يتعلق بالتموضع والمشاعر أكثر من كونه ابتعاداً واسع النطاق عن المخاطرة».
موسم الأرباح وتوقعات الأسهم
مع دخول موسم الأرباح ذروته، أشار جيسون برايد ومايكل رينولدز من «غلينميد» إلى أنه بعد نتائج أرباح قوية في 2025، من المتوقع أن يستمر هذا الزخم في 2026 لمعظم فئات الأسهم.
وبحسب محللي «جيه بي مورغان تشيس» بقيادة ميسلاف ماتيجكا، فإن أرباحاً قوية وتضخماً منضبطاً من شأنهما موازنة المخاطر الجيوسياسية وغيرها، مع توقع اتساع قاعدة الصعود في الأسهم هذا العام، وتبني نظرة بناءة تجاه الأسهم الدورية، وأسهم القيمة، والشركات الصغيرة.
ويرى محللو «غولدمان ساكس» أن آفاق أرباح الشركات الأميركية في 2026 لا تزال قوية. وقال الاستراتيجي بن سنايدر إن أكثر من نصف شركات «إس آند بي 500» التي أعلنت توقعات ربحية السهم لعام 2026 وجهت إرشادات تفوق تقديرات المحللين، متجاوزة المتوسط التاريخي البالغ 40 %.
وفي «مورغان ستانلي»، رأى محللون بقيادة مايكل ويلسون فرصة لزيادة الانكشاف على أسهم قطاع السلع الاستهلاكية التقديرية التي تتداول عند مستويات سعرية أقل، معتبرين أنها مهيأة للانتعاش في ظل أوضاع مالية صحية للأسر.
مكاسب متوقعة لـ»إس آند بي 500»
إذا كان التاريخ دليلاً، فإن صعود مؤشر «إس آند بي 500» الشهر الماضي يشير إلى احتمال مرتفع بأن الأسهم الأميركية تتجه نحو عام إيجابي آخر. فمنذ 1945، في كل مرة ارتفع فيها المؤشر خلال يناير، حقق عائداً متوسطه 16.2 % على مدار العام، بحسب سام ستوفال من «سي إف آر إيه ريسيرش»، استناداً إلى «تقويم المتداول في الأسهم».