وول ستريت تصعد رغم ضبابية إيران
اختتمت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت تعاملات الاثنين على ارتفاعات قوية تجاوزت 1 %، في جلسة اتسمت بتقلبات حادة على خلفية التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران. وجاء هذا الصعود مدعوماً بشكل أساسي بتراجع أسعار النفط، بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى أنه أصدر توجيهات بتأجيل تنفيذ ضربات عسكرية كانت تستهدف محطات الكهرباء الإيرانية، وذلك عقب ما وصفه بـ«محادثات مثمرة» مع طهران.
غير أن هذه الرواية الأمريكية سرعان ما واجهت تشكيكاً مباشراً من الجانب الإيراني، حيث نفى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بشكل قاطع إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة، مؤكداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي عدم وجود أي تواصل رسمي بين الطرفين. ويعكس هذا التباين في التصريحات حجم الغموض الذي يحيط بالمشهد السياسي، ويزيد من صعوبة تقييم اتجاهات السوق في الأجل القصير، في ظل تضارب الإشارات الصادرة عن الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، علّق تيم جريسكي، كبير الخبراء الاستراتيجيين في المحافظ الاستثمارية لدى شركة «إنجالس آند سيندر» في نيويورك، قائلاً: «من الصعب تحديد أي الروايتين يمكن الوثوق بها، لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى بالفعل إلى فتح قنوات تواصل مع أطراف داخل إيران بهدف إنهاء الصراع، رغم تأكيد طهران المتكرر بعدم وجود مثل هذه المحادثات». ويعكس هذا التصريح حالة الحذر التي تسود أوساط المستثمرين، حيث تتفاعل الأسواق بسرعة مع أي إشارات، سواء كانت مؤكدة أو متناقضة.
وبحسب البيانات الأولية، سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ارتفاعاً بنحو 73.77 نقطة، أي ما يعادل 1.13 %، ليغلق عند مستوى 6580.25 نقطة، فيما صعد مؤشر «ناسداك المركب» بنحو 300.94 نقطة أو 1.39 % ليصل إلى 21948.55 نقطة، مدعوماً بشكل خاص بأداء أسهم التكنولوجيا. أما مؤشر «داو جونز الصناعي»، فقد ارتفع بدوره بنحو 631.06 نقطة أو 1.39 %، ليغلق عند 46211.53 نقطة.
مرونة نسبية للأسهم
رغم حالة القلق التي تهيمن على الأسواق العالمية نتيجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، أظهرت الأسهم الأمريكية قدرة نسبية على الصمود مقارنة بنظيراتها في مناطق أخرى، وهو ما يعكس مجموعة من العوامل الهيكلية والاقتصادية التي تمنح السوق الأمريكية قدراً أكبر من المرونة.
فمنذ اندلاع الضربات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة تقارب 4 %، وهو انخفاض محدود نسبياً إذا ما قورن بأداء الأسواق الأخرى. ففي الفترة ذاتها، هبط مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنحو 9 %، فيما تكبد مؤشر «نيكي» الياباني خسائر تجاوزت 12 %، ما يعكس تأثر هذه الاقتصادات بشكل أكبر بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الإمدادات.
ويرى يونج-يو ما، كبير استراتيجيي الاستثمار في مجموعة «بي.إن.سي» للخدمات المالية، أن الاقتصاد الأمريكي يمتلك قدرة أعلى على امتصاص الصدمات مقارنة بنظرائه، موضحاً أن «الولايات المتحدة أكثر تنوعاً من حيث مصادر النمو الاقتصادي، وأقل اعتماداً على النفط، ما يمنحها هامشاً أوسع للتكيف مع الأزمات». لكنه في الوقت ذاته حذر من أن هذا التفوق النسبي لا يعني غياب المخاطر، قائلاً إن «الأداء الأفضل لا يلغي حقيقة أن الأسواق لا تزال تتراجع، وأن السيناريو قد يكون مؤلماً إذا استمرت التوترات».
وقد ساهمت تصريحات ترامب بشأن احتمال إجراء محادثات مع إيران في تعزيز شهية المخاطرة لدى المستثمرين، ما أدى إلى تعافي الأسهم خلال جلسة الاثنين، وهو ما يؤكد الحساسية الشديدة للأسواق تجاه أي تطور سياسي في المنطقة.
الطاقة.. العامل الحاسم
يشير المستثمرون إلى أن أحد أبرز الأسباب التي تدعم أداء الأسهم الأمريكية مقارنة بالأسواق العالمية يتمثل في اختلاف درجة التعرض لصدمة أسعار الطاقة. فبينما تعتمد العديد من الاقتصادات الأوروبية والآسيوية بشكل كبير على واردات النفط، يتمتع الاقتصاد الأمريكي بقدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، بل ويُعد حالياً أكبر منتج للنفط في العالم.
وقد ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 30 % منذ بداية الأزمة، مدفوعة بالمخاوف من تعطل الإمدادات، خاصة مع التوترات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي. إلا أن تأثير هذه الاضطرابات على الولايات المتحدة يظل محدوداً نسبياً، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 4 % و8 % فقط من النفط الأمريكي يمر عبر هذا المضيق.
كما أن التحول الهيكلي في الاقتصاد الأمريكي نحو قطاع الخدمات، بدلاً من الاعتماد على الصناعات الثقيلة، ساهم في تقليل حساسيته لتقلبات أسعار النفط. ووفقاً لتقديرات حديثة، فإن الاقتصاد الأمريكي يحتاج اليوم إلى كميات أقل من النفط بنسبة تصل إلى 70 % لإنتاج نفس مستوى الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بما كان عليه الوضع في ثمانينيات القرن الماضي.
قطاع التكنولوجيا.. ركيزة الاستقرار
يلعب قطاع التكنولوجيا دوراً محورياً في دعم أداء السوق الأمريكية، حيث يشكل نحو ثلث مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». ويُنظر إلى هذا القطاع على أنه أقل تأثراً بالتقلبات الاقتصادية التقليدية، نظراً لاعتماده على نماذج أعمال رقمية وخدماتية لا ترتبط بشكل مباشر بأسعار الطاقة.
ومنذ اندلاع الأزمة، لم يتراجع مؤشر قطاع تكنولوجيا المعلومات إلا بنسبة تقل عن 2%، وهو ما يعكس متانة هذا القطاع مقارنة ببقية القطاعات. ويؤكد يونج-يو ما أن «نماذج أعمال شركات التكنولوجيا ليست مرتبطة بشكل مباشر بأسواق النفط، وبالتالي فإن تأثير ارتفاع الأسعار عليها يظل محدوداً».
هذا الثقل النسبي لأسهم التكنولوجيا في المؤشرات الأمريكية يمنح السوق نوعاً من الحماية الجزئية، خاصة في فترات عدم اليقين، حيث يتجه المستثمرون إلى الشركات ذات النمو المستقر والتدفقات النقدية القوية.
قوة الدولار.. عامل دعم إضافي
إلى جانب العوامل الهيكلية، ساهمت قوة الدولار الأمريكي في تعزيز جاذبية الأسهم الأمريكية، حيث ارتفع بنحو 1.5 % مقابل سلة من العملات الرئيسية منذ بداية الأزمة. ويُنظر إلى الدولار عادة كملاذ آمن في أوقات الاضطرابات، ما يدفع المستثمرين إلى زيادة انكشافهم على الأصول المقومة به.
وفي هذا الإطار، أشار نيت ثوفت، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «مانيوليف لإدارة الاستثمار»، إلى أن شركته قامت بتقليص انكشافها على الأسهم غير المقومة بالدولار في وقت مبكر من الأزمة، بهدف التحوط من السيناريوهات السلبية. وأضاف أن «الدولار الأمريكي برز منذ المراحل الأولى للصراع كأحد أبرز أدوات التحوط».
سيناريوهات المستقبل
رغم الأداء النسبي الأفضل للأسهم الأمريكية، لا يزال المستثمرون حذرين بشأن آفاق السوق في حال حدوث انفراجة سياسية سريعة. إذ يرى البعض أن انتهاء الحرب قد يؤدي إلى عودة البيئة الاستثمارية التي كانت سائدة قبل الأزمة، وهو ما قد يدعم الأسواق الدولية، خاصة في أوروبا، التي كانت تتمتع بتقييمات جذابة وتوقعات أرباح إيجابية.
وفي هذا السياق، أشار كريس فاسيانو، كبير استراتيجيي السوق في «كومنولث فاينانشال نتوورك»، إلى أنه كان يفضل الاستثمار في بعض الأسواق الأوروبية قبل اندلاع الحرب، نظراً لانخفاض تقييماتها وتحسن أساسياتها. وأضاف: «إذا تم التوصل إلى حل خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فسأكون مهتماً بالعودة إلى الأسهم الدولية، لأنها تظل فئة أصول جذابة على المدى المتوسط».
غير أنه شدد في الوقت ذاته على أن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، وأن الأسواق قد تظل عرضة لتقلبات حادة في ظل استمرار التوترات.