تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وول ستريت تعيد رسم خريطتها.. الذكاء الاصطناعي يقود طفرة جديدة في قمّة الأسهم الأمريكية

وول ستريت تعيد رسم خريطتها.. الذكاء الاصطناعي يقود طفرة جديدة في قمّة الأسهم الأمريكية

تشهد سوق الأسهم الأمريكية واحدة من أكثر مراحلها ديناميكية خلال العقد الأخير، حيث تتقاطع عوامل اقتصادية متشابكة مع قفزة تكنولوجية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي. وفي ظل هذه التحولات، يظهر بوضوح أن البورصات الأمريكية لم تعد تسير وفق الدورات التقليدية المعتمدة سابقاً على البيانات الاقتصادية وحدها، بل باتت تتحرك وفق «محركات مستقبلية» تشكّل توجهات عالمية جديدة يصعب تجاهلها.
ومع اقتراب عام 2026، يتفق معظم المحللين على أن السوق يقف حالياً أمام «منعطف بنيوي»، يعيد توزيع القوة بين الشركات الكبرى، ويرسم علاقات جديدة بين التكنولوجيا، الاستهلاك، والطاقة، في وقت تستعد فيه السياسة النقدية الأمريكية لمرحلة أكثر مرونة.

الذكاء الاصطناعي… القوة التي
تغيّر قواعد اللعبة

منذ بدء الطفرة التقنية الجديدة في نهاية 2023، تحولت استثمارات الذكاء الاصطناعي من رهان مستقبلي إلى عنصر حاسم في تقييم الشركات. لكنها دخلت في 2025 مرحلة أكثر نضوجاً، إذ لم تعد القيمة السوقية تتحدد بالتوقعات فقط، بل بقدرة الشركات على تحويل الابتكار إلى إيرادات فعلية.
وتبرز «نفيديا» مثالاً واضحاً؛ فقد أصبحت الشركة الأكثر تأثيراً في بورصة نيويورك خلال العامين الماضيين بفضل الطلب المتزايد على معالجات الذكاء الاصطناعي. ورغم التذبذب الذي شهدته خلال نوفمبر، فإنها ما تزال حاضرة في قلب المعادلة التقنية، باعتبارها المزود الأبرز للبنية التحتية الذكية.
أما «مايكروسوفت» و«غوغل» فقد تنافستا على تعزيز قدراتهما في قطاع السحابة، مستفيدتين من انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات، من حلول الإنتاجية وحتى منصات العمليات التشغيلية. وفي المقابل، واصلت «آبل» تقديم أداء متوازن يعتمد على قوة الطلب على أجهزتها، التي أصبحت هي الأخرى جزءاً من منظومة خدمات تعتمد جزئياً على الذكاء الاصطناعي.
ومع ازدياد الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات، بدأت ريادة بعض الشركات تتراجع وسط ضغوط مالية ناجمة عن تكاليف بناء وتطوير البنية التحتية للحوسبة المتقدمة. إلا أن المحللين يجمعون على أن الشركات القادرة على تحقيق أرباح مستدامة بالتزامن مع هذا الإنفاق هي التي تملك فرص الصمود على المدى الطويل.

سياسة الفائدة… عنصر دعم ولكن بحسابات دقيقة

تلعب التوقعات المتعلقة بسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي دوراً محورياً في قرارات المستثمرين، إذ تشير أغلب التحليلات الاقتصادية إلى احتمالية الاتجاه نحو خفض الفائدة في النصف الأول من 2026. وهذا السيناريو يمنح السوق دفعة نفسية إيجابية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول قدرة بعض القطاعات، خصوصاً المالية، على الحفاظ على مستويات الربحية في بيئة نقدية أقل تشدداً.
وفي المقابل، تبدو الشركات المعتمدة على الاستهلاك المحلي أكثر استعداداً للاستفادة من هذه التغيرات، حيث يؤدي انخفاض تكلفة الاقتراض عادة إلى زيادة الطلب، ما ينعكس على نتائج شركات التجزئة مثل «وولمارت» التي نجحت في الحفاظ على موقعها ضمن قائمة أكبر الشركات الأمريكية بفضل توسعها في التجارة الإلكترونية واستقرار قاعدة عملائها.

القطاعات الدفاعية… الملاذ الآمن وسط تقلب التكنولوجيا

في خضم الاضطراب الذي شهدته أسهم التكنولوجيا خلال الشهر الماضي، عادت القطاعات الدفاعية مثل الرعاية الصحية والأدوية لتثبت قوتها المعتادة. وتقدمت شركات مثل «إيلي ليلي» و«يونايتد هيلث» لتحقق أداءً متماسكاً رغم الضغوط الاقتصادية العالمية. وتستفيد هذه الشركات من استقرار الطلب على الخدمات الطبية وتنوع محافظها الدوائية، إضافة إلى كونها أقل حساسية لتحركات أسعار الفائدة مقارنة بالقطاعات الأخرى.
أما قطاع الطاقة، الذي تمثله شركات كبرى مثل «إكسون موبيل»، فقد تأرجح أداؤه بحسب التقلبات في أسعار النفط العالمية، لكنه ما زال يحتفظ بثقله التقليدي داخل المؤشرات الأمريكية، خصوصاً في ظل تحول بعض الشركات إلى تنويع استثماراتها في الطاقة النظيفة والهيدروجين.

استراتيجيات المستثمرين… بين الانضباط والمجازفة المحسوبة

يبدو واضحاً أن عام 2025 يدفع المستثمرين إلى إعادة التفكير في توزيع أصولهم، فبينما يجذب قطاع التكنولوجيا الراغبين في مواكبة النمو المتسارع، تُقدّم القطاعات الدفاعية توازناً مطلوباً في المحافظ الاستثمارية لتخفيف مخاطر التصحيح المفاجئ.
ويشدد خبراء التحليل المالي على أهمية مراقبة قدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم في الذكاء الاصطناعي إلى تدفقات نقدية ملموسة، معتبرين أن السنوات الثلاث المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى جدوى هذا الاستثمار على المدى الطويل.

صورة مستقبلية: ماذا ينتظر السوق في 2026؟

يتوقع محللون أن تستمر المنافسة محتدمة بين شركات التكنولوجيا العملاقة، لكنهم يشيرون إلى احتمال صعود شركات جديدة إلى قائمة الكبار، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني، أشباه الموصلات المتقدمة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي.
أما بالنسبة للقطاعات التقليدية، فمن المرجح أن تستفيد من بيئة فائدة أقل وتشجيع استهلاكي أكبر، ما قد يعزز مكانة شركات التجزئة والخدمات الصحية والبنوك الكبرى.
إن التغييرات التي تشهدها سوق الأسهم الأمريكية ليست مجرد تقلبات عابرة، بل تعكس تحولاً جذرياً في طريقة تقييم الشركات والتوقعات المتعلقة بمستقبل الاقتصاد الرقمي. وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تنافساً على الابتكار، فإن المرحلة المقبلة ستشهد تنافساً على تحقيق الأرباح واستدامتها.
وبينما يستمر الذكاء الاصطناعي في قيادة «طفرة القمة»، يبقى السؤال الأهم: أي الشركات ستنجح في تحويل هذه الطفرة إلى واقع مالي طويل الأمد؟

رجوع لأعلى