وول ستريت تنتعش مع تراجع ترامب عن التصعيد في ملف غرينلاند
عادت الروح المضاربية إلى وول ستريت، مدفوعة بآمال التوصل إلى حل لطموحات دونالد ترمب بشأن غرينلاند من شأنه تجنب فرض رسوم جمركية. وارتفعت الأسهم والسندات، فيما هدأ صعود الذهب، بعدما قال الرئيس إنه تم التوصل إلى إطار لاتفاق مع «حلف شمال الأطلسي» (الناتو).
وبعد موجة تراجع عبر فئات الأصول المختلفة وصفها بعضهم بأنها عودة لتداول «بيع الأصول الأميركية»، ارتفع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 1.2 %، مسجلاً أكبر مكاسبه منذ نوفمبر.
وارتفعت جميع قطاعاته الرئيسية، ليعود المؤشر إلى المنطقة الخضراء في عام 2026. وقادت أسهم الطاقة المكاسب مسجلة مستويات قياسية جديدة. كما تفوقت الأسهم الصغيرة على المؤشر الأميركي للجلسة الثالثة عشرة على التوالي. وقفزت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى أيضاً.
ومن الأسهم الأميركية إلى سندات الخزانة، ومن سندات الشركات إلى الأسواق الناشئة، سجلت الصناديق المتداولة في البورصة التي تتبع هذه الأصول الرئيسية أقوى موجة صعود شاملة للأسواق منذ أغسطس.
تراجع ترمب بعد دافوس
يمثل قرار ترمب تحولاً حاداً لرئيس حاول مراراً الضغط على أوروبا بشأن غرينلاند. وجاء ذلك بعد اجتماع مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
ومع ذلك، لم يوضح ترمب معالم «الإطار» ولم يكن واضحاً ما الذي يتضمنه الاتفاق. وفي وقت سابق من يوم الأربعاء، استبعد الرئيس استخدام القوة العسكرية في مسعاه للسيطرة على غرينلاند.
وقال لويس نافلييه من «نافلييه آند أسوشييتس»: «بسبب الضجة حول تأكيد الولايات المتحدة لنفوذها ومطالبتها بشراء غرينلاند من الدنمارك، تحول دافوس إلى قمة طارئة». وأضاف: «ترمب يتصرف باندفاع كبير، لذلك سيكون من المثير للاهتمام رؤية كيفية تفاعل جميع الحلفاء الأوروبيين».
ومن بين العناوين الكثيرة الصادرة عن دافوس، قال الاستراتيجي المخضرم إنه شخصياً أعجبه تصريح ترمب بأن سوق الأسهم ستتضاعف بعد الاضطراب الذي شهدته يوم الثلاثاء على خلفية أحاديث غرينلاند.
مخاوف بشأن استقلالية الفيدرالي
في الوقت نفسه، أشار قضاة المحكمة العليا الأميركية إلى أنهم متحفظون إزاء محاولة ترمب إقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك على خلفية مزاعم غير مثبتة تتعلق بالاحتيال في الرهن العقاري، قائلين إن هذه الخطوة قد تقوّض استقلالية الفيدرالي وتزعزع الأسواق.
وارتفعت أكثر من 400 شركة مدرجة في مؤشر «إس آند بي 500». وتراجع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.25 %. كما شهد مزاد لسندات لأجل 20 عاماً بقيمة 13 مليار دولار طلباً جيداً. وظل الدولار مستقراً إلى حد كبير.
وقال كريشنا غوها من «إيفركور»: «شهدنا انعطافاً حاداً يوم الأربعاء لصالح المخاطرة مع تراجع ترمب عن ملف غرينلاند بطريقة تاكو (عبارة تعني أن ترمب يتراجع دائماً)، وجلسة استماع في المحكمة العليا بشأن قضية ترمب وكوك بدت إيجابية لمحافظة الفيدرالي وللمؤسسة نفسها، ناهيك عن انحسار صعود العوائد اليابانية». وأضاف: «لكن أياً من هذه القضايا لن يختفي، وسترافقنا القضايا الثلاث لبعض الوقت».
هل يعود الإقبال على المخاطرة؟
قال فؤاد رزاق زادة من «فوركس دوت كوم» إن الأسواق تنفست الصعداء خلال ماراثون خطابات ترمب، حيث استبعد الرئيس الأميركي استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند.
وأضاف: «لكن هل يعني هذا عودة الإقبال على المخاطرة، وأن الأسواق ستنطلق من هنا بعد التراجعات الأخيرة؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة».
وبحسب جيمس ماكان من «إدوارد جونز»، فإن استبعاد ترمب استخدام القوة لا يعني زوال الضغوط، إذ إن دفعه نحو مفاوضات فورية بشأن ملكية الجزيرة سيبقي هذا الملف الحساس تحت الضغط.
وقال ماكان: «سنراقب عن كثب أي إشارات إضافية من الرئيس ومن الشركاء الأوروبيين خلال الأيام المقبلة، والتي قد توفر وضوحاً أكبر حول كيفية حل هذا النزاع بطريقة تضمن المخاوف الدفاعية الأميركية وتحمي السيادة المحلية».
رسائل السوق للإدارة الأميركية
قال بوب ميشيل من «جيه بي مورغان لإدارة الأصول» إن موجة البيع الأخيرة في الأسواق كانت بمثابة رسالة لإدارة ترمب بضرورة التحرك لإعادة الهدوء، كما فعلت السلطات بعد أن أربكت رسوم «يوم التحرير» المستثمرين العام الماضي.
وأضاف: «الأمور تبدو فوضوية بعض الشيء والأسواق تشعر بالذعر». وتابع: «شهدت السوق نوبة في أبريل، ثم تراجعت الإدارة عن الكثير من الأمور وعاد الهدوء. نحتاج إلى سماع أمور مماثلة».
وأشار مارك هاكيت من «نايشن وايد» إلى أن يوم الثلاثاء ذكّر بأن المستثمرين لا يزالون يتأثرون عاطفياً بالعناوين الجيوسياسية والجمركية، وأن مستويات التخصيص القياسية للأسهم تترك هامش خطأ ضيقاً.
وقال: «بعد المسار القوي نحو مستويات قياسية جديدة، ليس من غير المعتاد أو غير الصحي أن نشهد فترة من التماسك». وأضاف: «مع تصاعد الشكوك، يصبح المستثمرون أكثر تفاعلاً، كما تعجز الشركات عن إعادة شراء الأسهم بسبب فترات الحظر المرتبطة بالأرباح. لكن الضعف كان مؤقتاً، إذ استمر الصعود بعد فترة قصيرة من موسم النتائج».
حساسية للعناوين وفرص استثمارية
قال ديفيد لاوت من «كيركس فايننشال» إن تهديدات الرسوم المرتبطة بغرينلاند تظهر أن سوق الأسهم، رغم مرونتها، لا تزال حساسة للأخبار، وأن الأسابيع المقبلة ستكون حافلة، سواء من واشنطن أو من نتائج الأعمال أو البيانات الاقتصادية أو «الفيدرالي».
وأضاف: «نذكر المستثمرين بأن عناوين الرسوم قد تسبب تقلبات قصيرة الأجل، وهذا ينطبق في الاتجاهين». وتابع: «يمكن بسهولة التراجع عن تهديدات الرسوم وعكسها، ما يشعل تقلبات صعودية في السوق».
وقال لاوت أيضاً إن التراجعات المدفوعة بالرسوم توفر فرصاً للمستثمرين الباحثين عن نقاط دخول جذابة لتوظيف أموال جديدة. ويرى أن أسهم القيمة في قطاعات مثل الماليات والمواد والطاقة تمثل رهانات أفضل حالياً في ظل التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا.
أرباح قوية وردود فعل فاترة
في حين أن آفاق الأرباح القوية تمثل سبباً إضافياً للتفاؤل، فإن المستثمرين غير المتحمسين يوجهون أسوأ ردود فعل سعرية للأسهم على الإطلاق مع تزايد الضبابية حول آفاق عام 2026.
وتظهر بيانات جمعتها «بلومبرغ إنتليجنس» أن نحو 81 % من شركات «إس آند بي 500» تجاوزت توقعات أرباح الربع الرابع حتى الآن. ومع ذلك، تراجعت أسهمها عن أداء المؤشر بمتوسط 1.1 نقطة مئوية، وهو أسوأ أداء نسبي في البيانات الممتدة منذ عام 2017.