40 % من الشركات خارج الخدمة
تشهد بورصة الكويت مرحلة ذهبية من التحولات الهيكلية، حيث نجحت في ترسيخ مكانتها كواجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية والمؤسسية، بفضل الرقابة الحصيفة لهيئة أسواق المال والأداء التشغيلي القوي لشركات «السوق الأول». ومع هذا النجاح، يتجه التركيز اليوم نحو «السوق الرئيسي»، وتحديداً نحو الشركات التي تتمتع بمراكز مالية متينة ولكنها تعاني من هدوء في حركة التداول، أو ما يُعرف بـ «الأسهم الخاملة».
لغة الأرقام لا تكذب؛ فالمتابع لشاشات التداول يكتشف أن قرابة 40% من شركات السوق الرئيسي تمر عليها جلسات تداول كاملة «صفرية»، دون أن يتحرك فيها سهم واحد..
إن وجود شركات مدرجة بنسب تداول منخفضة لا يعني بالضرورة ضعفاً في أدائها المالي؛ فكثير من هذه الكيانات تمتلك أصولاً عقارية ضخمة، أو حصصاً في شركات تشغيلية، أو سجلات حافلة بتوزيعات الأرباح. إلا أن «المعضلة» تكمن في تركيز الملكيات وغياب صانع السوق النشط، مما جعل هذه الأسهم بمثابة «كنوز مخفية» بعيدة عن أعين الرادارات الاستثمارية.
تنشيط هذه الشركات اليوم يمثل مصلحة مشتركة؛ فهو يرفع من القيمة السوقية لإجمالي البورصة، ويتيح للمساهمين مرونة أكبر في الدخول والخروج، والأهم من ذلك، أنه يعزز من «عمق السوق» الكويتي ليصبح أكثر تنوعاً ولا يقتصر فقط على قطاع البنوك أو الشركات القيادية.
يرى الخبراء أن الحل الأمثل لتحريك مياه التداول الراكدة يبدأ من تفعيل دور «صانع السوق» بشكل أوسع في السوق الرئيسي. إن وجود جهة تضمن توفير أوامر البيع والشراء بصفة مستمرة يقلص الفجوة السعرية (Spread) ويحفز المستثمر الفرد والمؤسسي على بناء مراكز استثمارية دون خوف من «فخ السيولة».
كما أن التعديلات الأخيرة التي أدخلتها الهيئة على لوائح زيادة رأس المال، ومرونة إجراءات الاستحواذ، تفتح الباب أمام هذه الشركات لإعادة هيكلة ملكياتها، وزيادة نسبة «الأسهم الحرة» المتاحة للتداول، مما يجعلها مؤهلة للدخول في مؤشرات السيولة العالمية.
إن المسؤولية اليوم مشتركة؛ فالشركات المدرجة مطالبة بتبني سياسات «علاقات مستثمرين» أكثر انفتاحاً لتسويق قصص نجاحها، والبورصة مطالبة بالاستمرار في تقديم الحوافز التشجيعية للشركات النشطة.
إن تحويل «الخمول» إلى «حركة» هو مشروع وطني سيعيد ضخ المليارات «المجمدة» في شريان الاقتصاد الوطني، ويؤكد أن بورصة الكويت بيئة خصبة لكل أحجام الشركات، من العملاقة إلى المتوسطة.
الآمال معقودة على أن يكون عام 2026 هو «عام السيولة الشاملة»، حيث لا يبقى سهم بعيداً عن شاشة التداول، وحيث تتحول كل ورقة مالية إلى فرصة حقيقية تساهم في بناء كويت المستقبل.