الغاز الطبيعي المسال يعيد رسم خريطة الإمدادات في أوروبا
أظهرت الدراسة أن الغاز الطبيعي المسال بات الخيار الأكثر فاعلية أمام الدول الأوروبية لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، إذ تتجه عدة دول في الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء مرافئ جديدة لزيادة قدراتها على استيراده. وتشير التقديرات إلى أن هذه الخطط سترفع طاقة التغويز في أوروبا بنحو 30 % لتصل إلى 408.6 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول 2030، مقارنة بنحو 313 مليار متر مكعب في 2023.
وفي السياق نفسه، أكدت الدراسة أن الدول العربية لعبت دوراً مؤثراً في مشهد الغاز الأوروبي منذ اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية، مستفيدة من علاقاتها الاستراتيجية مع أوروبا، ومن خطوط الأنابيب الممتدة من الجزائر وليبيا نحو الأسواق الأوروبية. كما عززت مكانتها بفضل حصتها في سوق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إذ أبرمت الدول والشركات العربية والأوروبية ما يقارب 32 اتفاقية وتفاهم للتعاون في مجالات الغاز بين فبراير 2022 وسبتمبر 2024، شملت نحو 12 سوقاً أوروبياً.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الاتفاقيات انعكست سريعاً على حجم الصادرات العربية من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، التي تجاوزت 45.5 مليار متر مكعب في 2022 مقارنة بنحو 40 مليار متر مكعب في 2021، أي بنمو سنوي يفوق 13 %. غير أن الكميات تراجعت عام 2023 إلى مستويات ما قبل الأزمة لتبلغ نحو 40 مليار متر مكعب، نتيجة توقف الصادرات المصرية عدة أشهر لتلبية الطلب المحلي المتزايد، خاصة خلال الصيف.
ورغم هذا التراجع المؤقت، خلصت الدراسة إلى أن الدول العربية مرشحة لتعزيز حضورها في منظومة الغاز الأوروبية خلال المدى المتوسط والبعيد، بفضل المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها في قطر والإمارات وسلطنة عمان وموريتانيا. وقد تمكنت الشركات الوطنية في هذه الدول من إبرام عقود متوسطة وطويلة الأجل مع شركات أوروبية لشراء جزء من الإنتاج المستقبلي، مستفيدة من توجه أوروبا نحو الغاز الطبيعي المسال. ومن المتوقع أن ترتفع الطاقة الإنتاجية العربية للغاز المسال إلى نحو 197 مليون طن سنوياً بحلول 2027، ثم إلى 228 مليون طن سنوياً بحلول 2030، مقارنة بالطاقة الحالية المقدرة بـ 138.5 مليون طن سنوياً نهاية 2023.
أظهرت الدراسة أن الدول العربية تمكنت من عقد نحو 15 اتفاقية متوسطة وطويلة الأجل لتسويق ما يصل إلى 15.6 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال (ما يعادل 21.3 مليار متر مكعب سنوياً) داخل الأسواق الأوروبية بحلول 2026. ويُعد هذا التوجه من أبرز نتائج تراجع الإمدادات الروسية في السوق الأوروبي، إذ تمنح هذه العقود الدول العربية حصة مستقرة ومتنامية في القارة على المدى المتوسط والبعيد، وتعزز مكانتها كمورّد موثوق ومستدام للطاقة.
التوصيات
الاستفادة من التجربة الأوروبية في تجاوز أزمة انقطاع الغاز الروسي، وما حملته من دروس أبرزها أهمية التنسيق بين الدول، وتشارك البنية التحتية للغاز، ورفع مرونة منظومة الإمدادات، إلى جانب تنسيق خفض الاستهلاك الطوعي عند الضرورة، والحفاظ على مستويات مرتفعة من المخزونات قبل مواسم الذروة، خاصة فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي.
تجنّب أي أضرار أو أعمال تخريب تستهدف منشآت النفط والغاز الحيوية، لما تسببه من خسائر اقتصادية وبيئية جسيمة، وتأثير مباشر على أمن الطاقة للدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء. فقد أدى حادث خط أنابيب نورد ستريم إلى تسرب نحو 555 ألف طن من الميثان، ما يعادل 15.5 مليون طن من الانبعاثات المكافئة لثاني أكسيد الكربون.
مواصلة ضخ الاستثمارات في تطوير موارد الغاز الطبيعي، كونه الركيزة الأساسية لضمان توافره بأسعار مناسبة، وتفادي أزمات الطاقة، والحفاظ على سوق مستقرة ومتوازنة تتيح للدول المنتجة استغلال مواردها بكفاءة، وتوفر للدول المستهلكة إمدادات مستدامة بأسعار معقولة.
استثمار الفرص المتاحة حالياً للدول العربية الراغبة في تطوير مشاريع الغاز وتصدير الغاز الطبيعي المسال، في ظل التوقف المؤقت الذي فرضته الولايات المتحدة على تراخيص مشاريع الإسالة الجديدة، والمتوقع أن ينتهي قبل نهاية 2024. ويتيح ذلك المجال لإبرام صفقات جديدة مع المستوردين الأوروبيين في ظل استمرار نمو الطلب عالمياً، وبقاء الغاز الطبيعي المسال مكوّناً محورياً في مزيج الواردات الأوروبية.
تجنب أي تدخلات مباشرة في آليات السوق من حيث العرض والطلب، أو فرض سقوف سعرية في الأسواق التنافسية، لما لذلك من آثار سلبية على المنافسة ومنع الاحتكار، ولأنه يمثل خروجاً عن قواعد السوق الحر.