الاستثمار الأجنبي يعيد تشكيل هيكل الاقتصاد
في خضم الأزمة الآسيوية، بدأ المستثمرون في إعادة تقييم العوائد المتوقعة من استثماراتهم، في ظل التحولات التي صاحبت اندماج الاقتصادات الآسيوية بصورة أعمق في الاقتصاد العالمي. وفي الوقت نفسه، أخذت الأسواق تضع في حساباتها التأثير المحتمل لانفتاح الصين بصورة أكبر على الخارج، وما قد يحمله ذلك من تداعيات على مسار الاقتصاد الآسيوي.
وقبل الأزمة بخمس إلى عشر سنوات، كان عدد كبير من المستثمرين ورجال الأعمال الأجانب يتجهون بأموالهم إلى كوريا الجنوبية وتايلاند وماليزيا وغيرها من الاقتصادات الآسيوية، بحثاً عن فرص استثمارية تتيح عوائد مرتفعة. وكانت ماليزيا، على سبيل المثال، من أبرز المراكز العالمية في صناعة محركات الأقراص الصلبة.
غير أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الصين بقوة أكبر إلى هذه الصناعات. ففي تلك المرحلة، تحولت شنتشن ودونغغوان إلى مركزين مهمين لتصنيع محركات الأقراص الصلبة، مع مساهمتهما بنحو 30% من إجمالي الإنتاج العالمي، وفق المعطيات المتداولة آنذاك.
ومع انخفاض تكاليف عوامل الإنتاج، امتلكت الصين ميزة تنافسية مهمة، ومع تدفق الاستثمارات الأجنبية وتراجع تكاليف إتمام الصفقات، ازدادت قدرتها على منافسة الاقتصادات الأخرى في الأسواق العالمية، ولا سيما في قطاع التصنيع.
ولم تكن هذه المنافسة بلا أثر على الاستثمارات القائمة في الاقتصادات الآسيوية الأخرى. ويمكن توضيح ذلك بافتراض أن مستثمراً ضخ أمواله في ماليزيا على أساس توقع تحقيق عائد يبلغ 50%. فإذا بدأ المنتجون الصينيون تصنيع المنتجات نفسها بتكاليف أقل، ودفع ذلك أسعارها في الأسواق العالمية إلى الانخفاض، فلن يكون الاستثمار الماليزي قادراً بالضرورة على تحقيق العائد الذي بُني عليه القرار الاستثماري.
وقد يتراجع العائد المتوقع من 50% إلى 5%، أو يتحول إلى خسارة بنسبة 5%، تبعاً لتطورات السوق. والانتقال من عائد متوقع يبلغ 50% إلى 5% يعني انخفاضاً قدره 45 نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات الأصلية، وهي فجوة يتحمل المستثمرون المعنيون آثارها.
وتكشف هذه الحالة إحدى السمات الأساسية لاقتصاد السوق؛ فتغير الظروف الاقتصادية وقواعد المنافسة يعيدان توزيع العوائد والمخاطر بين المشاركين، بما يعني أن العوائد التي تبدو مرتفعة في مرحلة معينة قد تتراجع عندما تتغير موازين الإنتاج والتكلفة والمنافسة.
الصناعة
لم يكن تغير موازين المنافسة منفصلاً عن مسار إعادة هيكلة المؤسسات الصناعية، إذ كان إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة يمثل أحد الملفات الرئيسية في إعادة تنظيم الاقتصاد. وعكست السياسات الحكومية في هذا المجال توجهاً نحو إعادة تحديد أدوار تلك المؤسسات، وفتح مساحة أكبر أمام أشكال مختلفة من الملكية والمشاركة في النشاط الاقتصادي.
وتجلّى ذلك في قرار المؤتمر الوطني الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر 1999 بشأن إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، والذي أشار إلى أن احتفاظ الدولة بحصة في المؤسسة لا يستلزم بالضرورة أن تتجاوز هذه الحصة نسبة 30%، كما أكد إخضاع المؤسسات الخاصة للشروط نفسها التي تواجهها المؤسسات المملوكة للدولة في سوق رأس المال.
وكان جوهر التوجه الحكومي يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات ذات الأهمية، مقابل منح المؤسسات الأقل أهمية مساحة أكبر لتدبر شؤونها. إلا أن هذا النهج أثار تساؤلات أوسع حول كيفية تحديد المؤسسات التي ينبغي للدولة الاحتفاظ بنفوذها فيها، خصوصاً أن تصنيف المؤسسات إلى رابحة ومتعثرة لا يبقى ثابتاً مع تغير ظروف السوق.
فالمؤسسة التي تحقق أرباحاً في مرحلة معينة قد تتحول إلى مؤسسة خاسرة في مرحلة لاحقة، بينما قد تظهر مؤسسات جديدة قادرة على تحقيق أرباح لم تكن متوقعة عند اتخاذ القرار. ومن ثم، فإن تحديد المؤسسات التي تستحق الاحتفاظ بالسيطرة عليها استناداً إلى نتائجها الحالية قد يقود إلى قرارات لا تعكس بالضرورة وضعها المستقبلي.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحاً في القطاعات عالية التقنية، حيث تتغير المنتجات والتقنيات بسرعة، وقد تفقد مؤسسة ما ميزتها التنافسية خلال فترة قصيرة. ولذلك، تصبح محاولة تحديد المؤسسات التي ينبغي للدولة الاحتفاظ بها بصورة دائمة أكثر تعقيداً كلما تسارعت وتيرة التغير في الأسواق والتكنولوجيا.
ومن هنا برز سؤال آخر يتعلق بتوقيت تحرير المؤسسات وطرح حصص منها أمام المستثمرين. ويمكن النظر إلى المسألة من خلال تشبيهها بالاستثمار في سوق الأسهم؛ فإذا كان الهدف تحقيق أفضل قيمة ممكنة عند البيع، فإن توقيت عملية البيع يصبح عاملاً مؤثراً في القيمة التي يمكن تحقيقها.
وبالنسبة إلى الحكومة، فإن تأجيل بيع حصصها في مؤسسات تتمتع بمراكز قوية وأوضاع مالية جيدة قد يعني تفويت فرصة للحصول على قيمة أعلى، خصوصاً عندما تكون بعض الشركات الكبرى، مثل «تشاينا تيليكوم»، لا تزال تحت ملكية الدولة. وفي المقابل، فإن الانتظار إلى أن تتراجع قيمة هذه المؤسسات وأسعار أسهمها قد يقلل من العائد المتحقق من عملية البيع.
وبذلك، لا تقتصر قضية إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة على الاختيار بين البيع والاحتفاظ بالملكية، وإنما تمتد إلى تحديد التوقيت والمعايير التي تحكم هذا القرار، بما يوازن بين كفاءة المؤسسات وقيمة الأصول المملوكة للدولة والمصلحة الاقتصادية العامة.
المصارف وأسواق المال
يبدو إصلاح السوق المالية أكثر تعقيداً من إعادة هيكلة ملكية المؤسسات، إلا أن جوهره يرتبط بخفض تكاليف المعاملات في النشاط الاقتصادي وتقليص المخاطر الإجمالية داخل النظام المالي من خلال الإصلاح والانفتاح.
ولا تعني المخاطر المالية بالضرورة تعرض النظام بأكمله للاضطراب نتيجة تعثر فرد أو أسرة أو مؤسسة أو مصرف. ففي اقتصادات السوق، يمكن أن تكون حالات الإفلاس والتعثر جزءاً من الدورة الاقتصادية، ما دام النظام المالي يمتلك الآليات التي تسمح باستيعاب الخسائر وتوزيعها بين الأطراف المختلفة.
وعندما تتراجع أسواق الأسهم بصورة حادة أو يتعرض أحد المصارف للإفلاس، تظهر الخسائر بصورة واضحة، ويتحدد من يتحملها وحجمها. وهذه إحدى آليات اقتصاد السوق؛ إذ تتوزع المخاطر بين المستثمرين والمؤسسات بدلاً من انتقالها بالكامل إلى جهة واحدة.
وقد تدفع انخفاضات أسعار الأسهم بعض المستثمرين إلى زيادة استثماراتهم، انطلاقاً من توقعات بعودة الأسعار إلى الارتفاع مستقبلاً. وبهذه الآلية تنتقل رؤوس الأموال والثروة بصورة مستمرة بين المشاركين في السوق، بما يسمح بإعادة توجيه الموارد من الأنشطة القائمة إلى فرص جديدة، وإفساح المجال أمام أنشطة جديدة لتحل محل أخرى فقدت قدرتها على المنافسة.
وفي الحالة الصينية آنذاك، كان إصلاح القطاع المصرفي يطرح أولوية مختلفة، تتمثل في فتح مجال الإقراض أمام مزيد من المنافسة، أكثر من التركيز على جانب الودائع. فإدارة الودائع من جانب المصارف المملوكة للدولة لم تكن تمثل المشكلة الرئيسية، في ظل المنافسة القائمة بينها على استقطاب الودائع، والتي كانت توفر قدراً من الكفاءة.
أما التحدي الأكبر فكان في إدارة القروض، باعتبارها النشاط الذي يصعب على المصارف الحكومية إدارته بكفاءة في ظل هيكل الاقتصاد القائم. وكان فتح هذا المجال أمام المصارف الأجنبية والمصارف الخاصة ومصارف المشاريع المشتركة أحد الخيارات المطروحة لرفع كفاءة تخصيص الائتمان.
وكان من الممكن دعم هذا التوجه من خلال السماح بتدفق الودائع بين المصارف عبر سوق الإقراض بين البنوك وأسواق مالية أخرى، بحيث تستقطب المصارف الأجنبية جزءاً من السيولة المودعة لدى المصارف الحكومية، ثم تعيد توجيهها في صورة قروض إلى المؤسسات والمشروعات. ومن شأن هذا الترتيب أن يساهم في تطوير القطاع المالي خلال المرحلة الانتقالية، ويمنح المؤسسات الاقتصادية قنوات أكثر تنوعاً للحصول على التمويل.
وتنبع أهمية القطاع المالي من كونه يقوم في جوهره على تنظيم المعاملات وتوجيه رؤوس الأموال بين مختلف أطراف الاقتصاد. وكلما تطورت الصناعة المالية وازدادت كفاءتها، أمكن خفض تكاليف المعاملات أمام الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يجعل إصلاحها عاملاً مهماً في مسار التطور الاقتصادي.
غير أن تطوير سوق المال لا يعتمد على القواعد التنظيمية وحدها، إذ تبرز مشكلة أخرى تتمثل في محدودية عدد الشركات القادرة على جذب المستثمرين على المدى الطويل. فإذا لم يضم السوق عدداً كافياً من الشركات ذات الأداء الجيد والقدرة على النمو، فإن تحسين بنيته التنظيمية لن يكون كافياً لبناء سوق مال فعال.
ويشبه ذلك أداء المؤسسات التعليمية، التي لا تحقق أهدافها بمجرد وجود المباني واللوائح، بل تحتاج أيضاً إلى أساتذة وطلاب قادرين على تحقيق القيمة التي أُنشئت من أجلها. وبالمثل، تحتاج سوق المال إلى شركات جيدة إلى جانب القواعد التي تنظم عملها.
ومن هنا، يصبح جذب الشركات القادرة على توفير فرص استثمارية طويلة الأجل أحد المحاور المهمة لتطوير السوق. وكان من بين المقترحات المطروحة آنذاك تشجيع المؤسسات ذات التمويل الأجنبي العاملة في الصين على دخول سوق رأس المال، بما يتيح للسوق قاعدة أوسع من الشركات والمستثمرين، ويعزز قدرتها على أداء دورها في تمويل النشاط الاقتصادي.
وفي المحصلة، تكشف هذه التحولات أن إعادة تشكيل الاقتصاد لم تكن مرتبطة بإصلاح المؤسسات وحدها، بل امتدت إلى طريقة توزيع رأس المال وتحديد المخاطر والعوائد بين القطاعات والأسواق والمستثمرين. ومع اتساع الانفتاح وتغير موازين المنافسة، أصبحت قدرة الاقتصاد على إعادة توجيه موارده عاملاً رئيسياً في تحديد مواقع المؤسسات والأسواق داخل المشهد الاقتصادي الجديد.