البورصة تترقب التعافي بعد خسائر 456 مليون دينار
تدخل بورصة الكويت تعاملات الأسبوع الحالي أمام فرصة لاستكمال التماسك واستعادة جزء من خسائرها، بعدما أظهرت الجلسات الأخيرة من الأسبوع الماضي قدرة السوق على امتصاص جانب من الضغوط البيعية. وبين دعم القطاع المصرفي، والتفاؤل بمشروع قانون التمويل العقاري، وترقب مسار الأوضاع الإقليمية، تبدو الأنظار متجهة إلى قوة الطلب واستمراريته، وقدرة السيولة على تحويل التحسن المحدود إلى تعافٍ أوسع يشمل شرائح مختلفة من الأسهم.
ورغم أن الحصيلة الأسبوعية جاءت سلبية، فإن تفاصيل التداولات تكشف تفاوتاً مهماً في الأداء؛ إذ احتفظ السوق الأول بقدر أكبر من التوازن، ونجح قطاع البنوك في تسجيل مكاسب، بينما تركزت الخسائر الأشد في مؤشر الرئيسي 50. وهذا التباين يمنح السوق نقطة انطلاق أفضل للأسبوع الجديد، لكنه يجعل اتساع المشاركة في الارتفاع شرطاً أساسياً لبناء مسار أكثر استقراراً خلال الجلسات المقبلة.
تماسك الأسهم القيادية
وخلال الأسبوع المنتهي في 24 سبتمبر 2026، تراجع مؤشر السوق العام بنسبة 0.85 %، فاقداً 76.15 نقطة، ليغلق عند 8837.01 نقطة، مقارنة بإقفال الأسبوع السابق في 17 سبتمبر. وجاء انخفاض السوق الأول أقل حدة عند 0.19 %، بما يعادل 17.37 نقطة، لينهي التعاملات عند 9227.08 نقطة، في إشارة إلى قدرة الأسهم الأكبر وزناً على الحد من اتساع خسائر المؤشر العام.
في المقابل، انخفض المؤشر الرئيسـي بنسبة 3.89 %، خاسراً 370.9 نقطة، ليبلغ 9159.19 نقطة، بينما تراجع الرئيسي 50 بنسبة 8.50 %، بما يعادل 979.55 نقطة، مسجلاً 10539.71 نقطة. وتوضح هذه الفجوة أن الضغوط لم تتوزع بالتساوي على مكونات البورصة، وهو ما يستدعي قراءة حركة كل شريحة وفق ظروفها، بدلاً من اعتبار التراجع انعكاساً موحداً لأداء الشركات المدرجة أو لتوقعات أرباحها المستقبلية.
وانخفضت القيمة السوقية بنحو 456 مليون دينار، وفق البيانات الأسبوعية، لتستقر عند قرابة 52.93 مليار دينار، مقابل نحو 53.38 مليار دينار في الأسبوع السابق. ومع أن هذه الخسارة تعكس تراجع تقييمات الأسهم خلال الفترة، فإنها لا تعادل خروج المبلغ نفسه نقداً من السوق، كما أن استردادها يظل مرتبطاً بتحسن الأسعار واتساع الطلب، وليس بمجرد ارتفاع قيمة التداول في جلسة منفردة.
السيولة مفتاح استعادة الزخم
وعلى صعيد النشاط، بلغت السيولة الأسبوعية 507.16 مليون دينار، بانخفاض 23.83 %، فيما تراجعت الكميات المتداولة بنسبة 25 % إلى نحو 1.80 مليار سهم. كذلك انخفض عدد الصفقات بنسبة 17.41 % إلى 127.83 ألف صفقة. وتضع هذه الأرقام تنشيط التداولات ضمن أولويات المشهد هذا الأسبوع، خصوصاً أن استمرار التحسن السعري يحتاج إلى طلب متجدد يمنح الأسهم قدرة أكبر على امتصاص عروض البيع.
وباحتساب جلسات الأسبوع الخمس، بلغ متوسط السيولة اليومي نحو 101.43 مليون دينار، وهو مستوى يوفر أساساً للمقارنة مع التداولات المقبلة. غير أن الحكم على قوة السوق لن يتوقف على تجاوز هذا المتوسط وحده؛ فالأهم كيفية توزيع الأموال بين القطاعات، ومدى اقتران نشاط التداول بتحسن الأسعار، واستمرار الشراء خلال الجلسة بدلاً من اقتصاره على تحركات محدودة قرب الإغلاق اليومي للمؤشرات.
وكانت الضغوط البيعية أكثر وضوحاً في جلستي الأحد والثلاثاء، قبل أن تتجه التداولات إلى التعافي يوم الأربعاء وتعويض جانب من الخسائر. وبحسب المعطيات الواردة في حصيلة الأسبوع، ارتبط جانب من الحذر بالمشهد الجيوسياسي وعدم اليقين الإقليمي. ومع ذلك، لا تكفي حركة الأسعار وحدها للجزم بدوافع جميع البائعين، وإن كانت استجابة السوق لاحقاً تعكس وجود طلب قادر على استيعاب بعض المعروض.
ومن هنا، تبرز أهمية الجلسات الأولى من الأسبوع الحالي في اختبار استمرارية هذا الطلب. فإذا تمكنت الأسهم من المحافظة على توازنها مع تراجع حدة البيع، فقد تتسع فرص التعافي التدريجي. أما إذا ارتفعت الأسعار دون مشاركة أوسع أو نشاط مستدام، فقد تستمر التحركات الانتقائية والتذبذبات، مع بقاء المستثمرين في انتظار إشارات أوضح بشأن الأوضاع الإقليمية ومستجدات الشركات والاقتصاد المحلي. وتوفر متابعة الإقفالات المتتالية صورة أوضح عن توازن السوق، خصوصاً عندما يصاحبها تحسن تدريجي في عدد الأسهم المرتفعة مقارنة بالأسهم المتراجعة.
البنوك تدعم التوازن
قطـاعيـاً، تراجعت مؤشـرات 12 قطاعـاً، كان أشدها انخفاضاً التكنولوجيـا بنسبـة 14.75 %، بينمـا ارتفع قطـاع البنوك وحـده بنسبـة 0.66 %. ويمنح هذا الأداء الإيجابي للقطاع المصرفي السوق ركيزة مهمة، بالنظر إلى وزنه وتأثيره في حركة الأسهم القيادية. لكن انتقال التحسن إلى قطاعات أخرى سيظل ضرورياً لتخفيف التباين، وإعطاء التعافي المحتمل قاعدة أوسع من مجرد تماسك مجموعة محدودة من الأسهم ذات الأوزان الكبيرة.
وتأتي موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون التمويل العقاري، الواردة ضمن تطورات الأسبوع، لتضيف بعداً إيجابياً إلى التوقعات المتوسطة والطويلة الأجل. فالمشروع يفتح مجالاً لترقب توسيع حلول تمويل السكن ومعالجة الطلبات المتراكمة، بما قد يدعم النشاط الاقتصادي المرتبط بالإسكان. وتبقى سرعة انعكاسه على السوق مرتبطة باستكمال مساره التشريعي، ووضوح ضوابطه التنفيذية، وتوقيت تحول الفرص المتوقعة إلى أعمال وتمويلات فعلية.
وتقف البنوك ضمن أبرز القطاعات المرشحة للاستفادة، من خلال فرص التوسع في التمويل العقاري وزيادة حضور القروض طويلة الأجل في محافظها. إلا أن حجم الاستفادة سيختلف وفق قدرة كل بنك على التمويل وإدارة المخاطر وتكلفة الأموال. ولذلك، فإن الأثر الإيجابي المتوقع على الإيرادات لا يعني تحسناً تلقائياً في جودة الأصول، بل يرتبط أيضاً بشروط الإقراض والضمانات وكفاءة التحصيل مستقبلاً.
فرص تتسع لقطاعات متعددة
ويمتد الأثر المحتمل إلى الشركات العقارية والمقاولات ومواد البناء والصناعة، مع اتساع فرص تطوير المشروعات السكنية والخدمات المرتبطة بها. وإذا اقترنت حلول التمويل بتقدم ملموس في طرح المشروعات وتنفيذها، فقد تتشكل دورة نشاط تستفيد منها قطاعات متعددة. لكن التمييز سيبقى ضرورياً بين الشركات القادرة على اقتناص الأعمال وتحويلها إلى أرباح، وتلك التي تتحرك أسعارها على أساس التوقعات العامة وحدها.
وتعزز هذه التطورات أهمية متابعة الإفصاحات الرسمية خلال الأسبوع الحالي، باعتبارها المرجع الأكثر وضوحاً لتقدير استفادة الشركات. فالإعلان عن عقد أو تمويل أو تطور تشغيلي قابل للقياس يوفر أساساً أقوى لتقييم الأثر من الاكتفاء بالانتماء إلى قطاع يُتوقع انتعاشه. وكلما زادت التفاصيل المتعلقة بالجداول الزمنية والقيم المالية، أمكن بناء قراءة أدق للفرص المنتظرة وحدود انعكاسها على النتائج المالية للشركات.
اتساع النشاط يعزز التعافي
وفي خريطة التداولات، حافظ قطاع الخدمات المالية على الحصة الأكبر من النشاط، مستحوذاً على 48.71 % من الكميات، بما يعادل 875.75 مليون سهم، وعلى 34.97 % من السيولة بقيمة 177.37 مليون دينار. كما استأثـر بنسبة 32.75 % من عدد الصفقات، بواقع 41.87 ألف صفقة، ما يجعل تطورات التداول داخله عنصراً مهماً في مراقبة حركة السوق خلال الأسبوع الجديد ومدى تحسن الإقبال على المخاطرة.
وهذا التركّز يضيف معياراً آخر للحكم على التعافي؛ إذ إن انتقال جزء من النشاط إلى قطاعات متنوعة قد يمنح السوق توازناً أكبر. وفي المقابل، فإن استمرار دوران السيولة داخل نطاق ضيق قد يبقي المؤشرات متباينة، حتى مع تسجيل ارتفاعات لافتة في بعض الأسهم. لذلك، ستكون العلاقة بين اتساع التداول وتحسن الأسعار أكثر دلالة من قوائم النشاط وحدها خلال الجلسات المقبلة.
وعلى مستوى الأسهم، جاءت التحركات متفاوتة، إذ سجل الخليجي أكبر انخفاض أسبوعي بنسبة 47.93 %، بينما حقق الأهلية للتأمين أعلى ارتفاع بنسبة 9.72 %. واستحوذ سهم ساحل على أكبر كمية تداول بواقع 128.59 مليون سهم، مع ارتفاع سعره 0.69 %، في حين سجل بيتك أعلى سيولة بقيمة 42.37 مليون دينار، وصعد 0.39 %، بما يعكس اختلاف اتجاهات التداول داخل السوق رغم سلبية المحصلة العامة.
وتظل هذه التحركات جزءاً من الصورة الأسبوعية، بينما يتركز الاختبار الأهم في قدرة البورصة على تحسين أدائها العام. فالارتفاعات الفردية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لتأكيد تغير الاتجاه، مثلما لا تعبر الخسائر الحادة لسهم بعينه عن أوضاع جميع الشركات. وتزداد متانة التحسن عندما تتراجع حدة التفاوت وتتسع قاعدة الأسهم التي تستقطب طلباً مستمراً على أسس تشغيلية ومالية واضحة.
نهاية الربع تعزز المتابعة
ويكتسب الأسبوع الحالي أهمية إضافية لوقوعه عند نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، بالتزامن مع انتهاء الربع الثالث. وقد يدفع هذا التوقيت بعض المحافظ إلى مراجعة مراكزها وتقييم انكشافها على القطاعات المختلفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاعاً عاماً للأسعار. كما قد يتزايد الاهتمام بمؤشرات الأداء التشغيلي استعداداً للإفصاحات اللاحقة، مع انتقال جانب من التركيز من الأخبار العامة إلى قدرة الشركات على تحقيق الأرباح.
ومن المرجح أن تبقى الانتقائية سمة حاضرة في التداولات، خصوصاً بعد التفاوت الكبير الذي أظهرته المؤشرات الأسبوع الماضي. وقد تحظى الشركات ذات التدفقات النقدية المستقرة والمراكز المالية المتماسكة باهتمام أكبر إذا استمر الحذر. وفي الوقت نفسه، قد تستعيد أسهم أخرى بعض نشاطها عند ظهور محفزات محددة، شريطة أن تدعمها معلومات معلنة، لا مجرد توقعات متداولة بشأن ارتداد الأسعار بعد الهبوط.