الذكاء الاصطناعي يعزز نفوذه داخل واشنطن سياسياً
تحولت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية من التنافس على تطوير النماذج الأكثر تقدماً إلى سباق موازٍ داخل أروقة القرار السياسي في واشنطن، بعدما رفعت إنفاقها على جماعات الضغط إلى مستويات غير مسبوقة خلال النصف الأول من عام 2026. ويعكس هذا التوجه إدراك الشركات الكبرى أن مستقبل الصناعة لن تحدده القدرات التقنية وحدها، بل ستلعب القوانين واللوائح التنظيمية دوراً حاسماً في رسم حدود المنافسة، وآليات تشغيل النماذج، وبناء البنية التحتية الرقمية اللازمة لدعمها.
وتكشف الإفصاحات الفيدرالية أن شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» و«مايكروسوفت» كثفت حضورها السياسي بصورة لافتة، في محاولة للتأثير على التشريعات التي يجري إعدادها، وللدفاع عن نموذج تنظيمي يمنح القطاع مساحة واسعة للنمو والابتكار، مع الحد من القيود التي قد تفرضها الجهات التنظيمية على إطلاق النماذج الجديدة أو تشغيل مراكز البيانات العملاقة.
إنفاق قياسي
الأرقام تعكس حجم التحول الذي تشهده الصناعة. فقد رفعت «أوبن إيه آي» إنفاقها على جماعات الضغط إلى مستوى قياسي بلغ 2.22 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما سجلت «أنثروبيك» قفزة أكبر، إذ زادت إنفاقها إلى 3.53 ملايين دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف.
كما واصلت «غوغل» و«مايكروسوفت» الإنفاق بوتيرة مرتفعة، مسجلتين واحداً من أعلى مستويات الإنفاق الفصلي منذ عام 2020، وهو ما يعكس اتساع دائرة الملفات السياسية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من أمن البيانات إلى الطاقة، مروراً بالتجارة الدولية وقواعد المنافسة.
ويرى مراقبون أن هذا التصاعد لا يمثل تحركاً مؤقتاً، بل بداية لمرحلة جديدة تصبح فيها جماعات الضغط جزءاً أساسياً من استراتيجية شركات الذكاء الاصطناعي، تماماً كما هو الحال في قطاعات الطاقة والدفاع والأدوية.
معركة التشريعات
تسعى الشركات إلى التأثير في صياغة القواعد الفيدرالية الخاصة بإطلاق النماذج المتقدمة، خصوصاً بعد لجوء السلطات الأمريكية إلى استخدام قيود التصدير لتعليق إطلاق بعض النماذج بدوافع تتعلق بالأمن السيبراني.
وتخشى الشركات أن تتحول هذه الإجراءات إلى نهج دائم يفرض موافقات حكومية معقدة قبل طرح أي نموذج جديد، وهو ما قد يبطئ وتيرة الابتكار ويمنح المنافسين الدوليين فرصة لتقليص الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن الهدف لا يقتصر على منع تشريعات تعتبرها الصناعة متشددة، بل يشمل أيضاً دفع الحكومة إلى تبني سياسات داعمة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، سواء عبر تسهيل التوسع في البنية التحتية أو وضع أطر تنظيمية أكثر مرونة.
البنية الرقمية
إحدى أبرز القضايا التي تحظى باهتمام شركات الذكاء الاصطناعي تتمثل في التوسع السريع لمراكز البيانات، التي أصبحت العمود الفقري لتشغيل النماذج الضخمة.
فمع ازدياد الحاجة إلى قدرات حوسبة هائلة، برزت تحديات مرتبطة بتوفير الأراضي والطاقة الكهربائية وسرعة إصدار التراخيص، وهو ما دفع الشركات إلى تكثيف اتصالاتها مع صناع القرار لضمان تسريع الإجراءات التنظيمية.
كما تسعى هذه الشركات إلى التأثير في السياسات المتعلقة بالطاقة، نظراً لأن تشغيل مراكز البيانات العملاقة يتطلب كميات ضخمة من الكهرباء، الأمر الذي يجعل ملف الطاقة جزءاً أساسياً من مستقبل الذكاء الاصطناعي الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، تتواصل المناقشات بشأن النماذج مفتوحة المصدر، حيث تختلف الشركات حول مدى إلزام المطورين بإتاحة الشفرات البرمجية الأساسية، في ظل تباين وجهات النظر بين تعزيز الابتكار وحماية الأمن التقني.
الصين حاضرة
لا يمكن فصل التحركات السياسية الحالية عن احتدام المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، التي أصبحت أحد أبرز محركات السياسات الأمريكية في قطاع الذكاء الاصطناعي.
فالسلطات الأمريكية ترى أن الحفاظ على التفوق التقني يتطلب رقابة أكبر على النماذج المتقدمة، وعلى عمليات تصدير التقنيات الحساسة، في حين تحذر الشركات من أن القيود المبالغ فيها قد تقلل قدرتها على المنافسة عالمياً.
وفي هذا السياق، وسعت بعض الشركات نطاق أنشطة الضغط ليشمل وزارة الخزانة الأمريكية، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن فرض عقوبات جديدة على مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية، بدعوى الاستفادة من مخرجات النماذج الأمريكية لتطوير أنظمة منافسة.
ويؤكد ذلك أن المنافسة لم تعد تجارية فقط، بل أصبحت جزءاً من الصراع الجيوسياسي بين أكبر اقتصادين في العالم.
صناعة ترسم قواعدها المستقبلية بنفسها
تشير المؤشرات إلى أن معركة الذكاء الاصطناعي المقبلة لن تدور داخل مختبرات البرمجة فقط، بل أيضاً داخل أروقة الكونجرس والوكالات الفيدرالية، حيث تسعى الشركات إلى التأثير في القواعد التي ستنظم القطاع لعقود مقبلة. وبينما يواصل الإنفاق على جماعات الضغط تسجيل مستويات قياسية، تبدو واشنطن أمام اختبار صعب لتحقيق توازن بين حماية الأمن القومي، والحفاظ على الابتكار، وضمان استمرار الولايات المتحدة في صدارة سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.