الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة مخاطر مالية جديدة
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشعل شرارة أزمة مالية عالمية؟ تحول هذا السؤال من افتراض بعيد إلى ملف يشغل المستثمرين والجهات التنظيمية، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إذ لم تعد المخاوف محصورة في انفجار محتمل لفقاعة أسهم شركات الذكاء الاصطناعي أو تعثر ديون مراكز البيانات، وإنما امتدت إلى سيناريو أكثر خطورة يتعلق بإمكان استغلال النماذج المتقدمة في شن هجمات سيبرانية واسعة على البنوك والأسواق ومنظومات الدفع وغيرها من البنية التحتية المالية الحيوية.
ويعزز هذه المخاوف التطور المتسارع في القدرات السيبرانية للنماذج المتقدمة. فقد حذر بنك إنجلترا وهيئة السلوك المالي ووزارة الخزانة البريطانية في مايو من أن قدرات النماذج الرائدة في المجال السيبراني باتت تتجاوز بالفعل ما يستطيع ممارس ماهر إنجازه، وبسرعة ونطاق أكبر وتكلفة أقل، معتبرة أن استخدامها لأغراض خبيثة يمكن أن يفاقم المخاطر على المؤسسات والعملاء ونزاهة الأسواق والاستقرار المالي. ودعت الجهات الثلاث المؤسسات إلى التفكير في دفاعات آلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع العمل بسرعة مقاربة للهجمات التي تقودها التقنية نفسها.
مخاطر متشابكة
تتعدد الطرق التي يمكن أن تنتقل من خلالها صدمة الذكاء الاصطناعي إلى النظام المالي. فمن جهة، أدى الارتفاع الكبير في تقييمات شركات التكنولوجيا والاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات إلى زيادة حساسية الأسواق لأي تغيير في توقعات عوائد هذه الاستثمارات، ومن جهة أخرى، يؤدي الاعتماد المتزايد للبنوك وشركات التأمين والأسواق على نماذج الذكاء الاصطناعي ومزودي الخدمات السحابية إلى خلق نوع جديد من الترابط التشغيلي يمكن أن يحول خللاً تقنياً أو هجوماً سيبرانياً إلى مشكلة تمتد عبر عدد كبير من المؤسسات في الوقت نفسه.
وتبرز هنا مشكلة «التركيز» باعتبارها واحدة من أخطر نقاط الضعف. فبدلاً من اعتماد كل بنك على بنية تقنية مستقلة، أصبحت مؤسسات مالية كثيرة تعتمد على عدد محدود من الشركات العالمية لتوفير الحوسبة السحابية والخدمات الرقمية. ويحذر بنك إنجلترا صراحة من أن تعطل أحد مقدمي الخدمات الرئيسيين قد يمثل «نقطة فشل واحدة» تؤثر في عدة شركات وبنى تحتية للأسواق المالية في الوقت نفسه، بما قد يهدد الاستقرار والثقة في النظام المالي البريطاني.
رقابة السحابة
وتحول هذا الخطر في بريطانيا بالفعل من مجرد تحذير إلى رقابة مباشرة. ففي يوليو 2026، أخضعت السلطات أربع شركات عالمية للخدمات السحابية والتكنولوجيا لنظام «الأطراف الثالثة الحيوية»، وهي أمازون ويب سيرفيسز وغوغل كلاود ومايكروسوفت وأوراكل، ما منح بنك إنجلترا وهيئة التنظيم الاحترازي وهيئة السلوك المالي صلاحيات للإشراف المشترك على الخدمات النظامية التي تقدمها هذه الشركات للقطاع المالي.
وتكمن أهمية الخطوة في أن الرقابة المالية التقليدية صممت أساساً للإشراف على البنوك وشركات التأمين والمؤسسات المالية، بينما أصبحت أجزاء متزايدة من بنيتها التحتية موجودة لدى شركات تكنولوجية لا تخضع تاريخياً للإطار الرقابي نفسه. ومن ثم تحاول السلطات سد فجوة يمكن أن تنشأ عندما تكون الجهة التي تعتمد عليها عشرات المؤسسات المالية في عملياتها الأساسية موجودة خارج الحدود التقليدية لصلاحيات البنوك المركزية.
سباق سيبراني
وتزداد المشكلة تعقيداً مع تطور النماذج القادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية وتنفيذ مهام متعددة بصورة شبه مستقلة. وأظهرت تجارب حديثة أن المسألة لم تعد نظرية بالكامل؛ إذ كشفت «أنثروبيك» عن حوادث تمكنت خلالها نماذج «كلود» كانت تعمل في بيئات اختبارية من الوصول بصورة غير مصرح بها إلى أنظمة حقيقية نتيجة مشكلات في بيئات الاختبار، ما دفع الشركة إلى تشديد إجراءات الأمن والمراجعة.
كما تصف «أنثروبيك» نموذج «Claude Mythos 5.1» بأنه مخصص لقدرات متقدمة في الأمن السيبراني والأبحاث البيولوجية، ولذلك تقيد الوصول إليه وتتيحه لجهات مختارة. وتوضح هذه التطورات جوهر المعضلة التي تواجه المنظمين: الأدوات القادرة على اكتشاف الثغرات ومساعدة المدافعين على إغلاقها يمكن أن تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى أدوات تزيد قدرة المهاجمين على البحث عن نقاط الضعف بسرعة ونطاق لم يكونا متاحين من قبل.
تحرك عالمي
ودفعت هذه المخاطر ملف سلامة الذكاء الاصطناعي إلى مستوى العلاقات بين القوى الكبرى. فقد بدأت الولايات المتحدة والصين مناقشات حول آلية محتملة للإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي والتواصل أثناء الأزمات، في ظل إدراك مشترك لمخاطر الهجمات السيبرانية وإساءة استخدام النماذج وتهديد البنية التحتية الحيوية، رغم استمرار المنافسة الاستراتيجية الحادة بين البلدين.
وتحمل مثل هذه الآلية أهمية خاصة للقطاع المالي، لأن الهجوم الكبير على شبكة دفع أو بورصة أو مجموعة من البنوك يمكن أن يثير ارتباكاً حول مصدره وما إذا كان عملاً إجرامياً أم هجوماً ترعاه دولة، وهو ما يزيد خطر تحول حادث تقني إلى أزمة سياسية أو مالية أوسع. ولذلك لا تتعلق القضية فقط بمنع الهجوم، وإنما أيضاً ببناء قنوات اتصال تسمح باحتواء التداعيات إذا وقع.
فجوة القوانين
لكن الجهات التنظيمية تواجه مشكلة أخرى هي أن سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تتجاوز غالباً سرعة التشريع. فالانتظار حتى تتفق البرلمانات والحكومات على قوانين تفصيلية لكل استخدام جديد قد يعني وصول القواعد بعد تغير التكنولوجيا نفسها، وهو ما يدفع بعض المنظمين إلى محاولة الاستفادة من الصلاحيات الموجودة لديهم وتطبيقها بطرق جديدة على مخاطر لم تكن قائمة عندما كتبت التشريعات.
ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في القطاع المصرفي. فبنك التسويات الدولية يشير إلى أن البنوك تستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل في كشف الاحتيال وتقييم الجدارة الائتمانية وأتمتة الامتثال وخدمة العملاء وإدارة المخاطر، بينما بدأت الجهات الرقابية نفسها استخدام التقنية لمعالجة البيانات الرقابية ورصد المخاطر الناشئة وتوجيه مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.
معضلة الشفافية
ويبرز تحدٍ آخر يتعلق بما يعرف بـ«قابلية التفسير»، أي قدرة المؤسسات والجهات الرقابية على فهم الأساس الذي توصل من خلاله نموذج ذكاء اصطناعي إلى قرار معين. ففي النظم المالية التقليدية يمكن للمراقب، نظرياً، تتبع قواعد القرار وتحديد المسؤول عنه، لكن النماذج المتقدمة قد تنتج قرارات يصعب تفسير مسارها الداخلي بالكامل، خصوصاً عندما تعمل بصورة وكيلية وتنفذ سلسلة من الإجراءات دون تدخل بشري مستمر.
لكن التحول الأكثر إثارة يتمثل في اتجاه المنظمين إلى استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لمواجهة المخاطر التي يولدها. فبدلاً من الاقتصار على مطالبة البنوك وشركات التكنولوجيا بتقديم التقارير، يجري تطوير أدوات رقابية قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات واكتشاف الأنماط غير المعتادة ومراقبة السلوك في الأسواق ورصد الاحتيال والثغرات الأمنية بصورة أسرع من الأدوات التقليدية.
ويعكس ذلك انتقال الرقابة من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التقارير الدورية والمراجعة البشرية إلى رقابة يمكن أن تصبح أكثر استمرارية وفورية. فإذا كان الوكيل الذكي قادراً على فحص آلاف المعاملات والعلاقات في ثوانٍ، فإن استخدامه قد يساعد الجهات الرقابية على اكتشاف تراكم المخاطر قبل تحولها إلى أزمة، لكنه يخلق في الوقت نفسه سؤالاً جديداً: من يراقب النموذج الذي يراقب السوق؟