الطاقة النظيفة تقود تحولا اقتصادياً في جنوب شرق آسيا
إندونيسيا اليوم واحدة من أسرع الاقتصادات الرقمية نمواً في العالم، وفي قلب هذا التحول يبرز جيل جديد من رجال الأعمال الذين يجمعون بين التطور التكنولوجي والاستدامة البيئية. ومن بين أبرز الأسماء الإندونيسية في قطاعي الطاقة والبتروكيماويات، يبرز براجوجو بانجيستو، مؤسس مجموعة Barito Pacific، الذي امتدت مسيرته الاستثمارية من قطاع الأخشاب إلى البتروكيماويات والطاقة المتجددة.
بدأ بانجيستو حياته العملية سائقاً لحافلة صغيرة «أنكوت» بأجر يومي متواضع، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى عالم الأعمال ويصبح أغنى رجل أعمال في إندونيسيا، بثروة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
ومن خلال مجموعته الاستثمارية، يمتلك بانجيستو شركة Star Energy Geothermal، التي تُعد أكبر شركة للطاقة الحرارية الأرضية في إندونيسيا، وتتمتع بقدرة تشغيلية كبيرة في هذا القطاع، إلى جانب توسع استثماراته في مشاريع الطاقة المتجددة في جنوب شرق آسيا، بما في ذلك الفلبين وسنغافورة.
التقت «عالم الاقتصاد» براجوجو بانجيستو في حوار تناول مسيرته المهنية، وانتقاله من قطاع الأخشاب والبتروكيماويات إلى الطاقة المتجددة، ورؤيته لمستقبل الاستثمار والاقتصاد الإندونيسي، وتجربته في بناء مجموعة استثمارية تمتد أعمالها عبر قطاعات متعددة.
وإليكم تفاصيل اللقاء.
● بدايةً، نرحب برجل الأعمال براجوجو بانجيستو. تُعد مسيرتك نموذجاً للعصامية. كيف تنظر اليوم إلى بداياتك الصعبة، كابن لبائع مطاط متجول وسائق حافلة؟
- أهلاً بك، عندما أنظر إلى الماضي، لا أشعر بالألم، بل بالامتنان. تلك الأيام علمتني أن البقاء يتطلب مرونة مطلقة. قيادة حافلة أجرة علمتني كيف أتعامل مع الناس، وكيف أقتنص الفرص الصغيرة. لم يكن الفقر عائقاً، بل كان الوقود الذي دفعني إلى البحث عن حياة أفضل.
بدأت الفرصة الحقيقية عندما التقيت برائد الأعمال في مجال الأخشاب، بوروهان أوتويو، في سبعينيات القرن الماضي، والذي فتح لي الباب لأتعلم أسرار التجارة.
● بدأت ثروتك من صناعة الأخشاب عبر شركة «باريتو باسيفيك»، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى البتروكيماويات والطاقة. ما الذي دفعك إلى هذا التحول الجذري في مسيرتك الاستثمارية؟
- رجل الأعمال الناجح هو من يقرأ المستقبل قبل وصوله. في التسعينيات، أدركت أن الاعتماد على الأخشاب والغابات له عمر افتراضي، سواء من الناحية البيئية أو الاقتصادية. كان يجب أن نتحول نحو صناعات مستدامة وضخمة. لذلك دخلنا بقوة في قطاع البتروكيماويات من خلال الاستحواذ على Chandra Asri. فالاستثمار في البنية التحتية والطاقة هو الأساس الذي تُبنى عليه الأمم، وكان هذا الخيار الصحيح لضمان استمرار المجموعة.
● في السنوات الأخيرة، أحدثت شركاتك نقلة كبيرة فـي السوق المــالي، خــاصة بــعد طرح شركات مثل (Barito Renewables (BREN وPetrindo Jaya Kreasi (CUAN. ما الاستراتيجية التي تقف وراء هذا التوسع الكبير في قطاع الطاقة المتجددة؟
- العالم يتغير، وإندونيسيا تمتلك إمكانات هائلة في مجال الطاقة الحرارية الأرضية (Geothermal) والطاقة النظيفة. والتوسع في Barito Renewables هو التزامنا بدعم التحول العالمي نحو «صافي انبعاثات صفري». نحن لا نهدف فقط إلى تحقيق الأرباح، بل نريد تأمين طاقة مستدامة للأجيال القادمة. وقد وثقت الأسواق المالية برؤيتنا لأننا نمتلك أصولاً حقيقية ومستقبلاً واعداً.
● تصدرت قائمة أغنى رجال الأعمال في إندونيسيا، وتجاوزت في ثروتك أقطاباً بارزين في صناعة التبغ والقطاع المصرفي. ماذا يعني لك لقب «أغنى رجل في إندونيسيا»؟
- (يبتسم متواضعاً) الأرقام على الورق تتغير كل يوم مع حركة أسهم البورصة. ما يهمني فعلاً ليس الترتيب، بل عدد الوظائف التي نخلقها والمشاريع التي تدعم الاقتصاد الوطني. الثروة الحقيقية هي الأثر الذي تتركه وراءك. الألقاب تأتي وتذهب، لكن الاستثمارات المستدامة وتطوير المجتمع هما ما يبقى.
● كيف تقيم بيئة الاستثمار والأعمال في إندونيسيا اليوم؟
- إندونيسيا تعيش حالياً «عصرها الذهبي» اقتصادياً. وبفضل التركيبة السكانية الشابة، حيث إن أكثر من 60 % من سكاننا تحت سن الأربعين، نشهد تبنياً واسعاً للتكنولوجيا. كما تقدم الحكومة الإندونيسية تسهيلات غير مسبوقة للمستثمرين الأجانب والمحليين، خاصة في مجالات البنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة. لم نعد مجرد سوق استهلاكي، بل أصبحنا مركزاً للابتكار في جنوب شرق آسيا.
●ركزت شركتكم مؤخراً بشكل كبير على «التكنولوجيا الخضراء». لماذا اخترتم هذا التوجه تحديداً في بلد ارتبط اقتصاده تاريخياً بالموارد التقليدية؟
- هذا صحيح، إندونيسيا غنية بالموارد التقليدية، ولكننا أيضاً من أكثر الدول تضرراً من التغير المناخي، بحكم طبيعتنا الجغرافية باعتبارنا أرخبيلًا. والتوجه نحو «الاقتصاد الأخضر» ليس مجرد رفاهية، بل هو ضرورة حتمية للمستقبل. نحن نستثمر في التنقل الكهربائي (EV)، والزراعة الذكية، وإعادة التدوير المدعومة بالذكاء الاصطناعي. هناك ربح مالي كبير في إنقاذ كوكب الأرض، وهذا ما نثبته يومياً.
● ما أكبر التحديات التي واجهتك كرجل أعمال إندونيسي في بداية مسيرتك، وكيف تغلبت عليها؟
- التحدي الأكبر كان «التمويل والثقة». في البداية، كان من الصعب إقناع رؤوس الأموال العالمية بأن شركة ناشئة من جاكرتا قادرة على منافسة شركات وادي السيليكون أو سنغافورة. تغلبت على ذلك بالتركيز أولاً على حل مشكلات محلية حقيقية؛ فعندما يرى المستثمر أن مشروعك يحل مشكلة ملايين المزارعين أو السائقين في إندونيسيا، فإن الأرقام تتحدث عن نفسها، وتأتي الأموال تلقائياً.
● كيف ترون آفاق التعاون الاقتصادي بين إندونيسيا والعالم العربي، خاصة مع تزايد الاستثمارات الخليجية في شرق آسيا؟
- العلاقات الإندونيسية-العربية تاريخية وقوية، لكنها تتجه الآن نحو شراكات استراتيجية رقمية واقتصادية. نرى اهتماماً هائلاً من صناديق سيادية خليجية بالاستثمار في العاصمة الإندونيسية الجديدة «نوسانتارا»، التي تُبنى كمدينة ذكية وخضراء بالكامل. هناك قواسم مشتركة كبيرة، ونحن نرحب بشدة بالمستثمرين العرب ونتطلع إلى بناء جسور تكنولوجية معهم.
● إذا أردت أن تقدم نصيحة للشباب الإندونيسي، فماذا ستكون نصيحتك لهم؟
براجوجوبانجيستونصيحتي هي: «لا تبحث عن الفكرة الأجمل، بل ابحث عن المشكلة الأكثر تعقيداً وقم بحلها». ريادة الأعمال ليست طريقاً مفروشاً بالورود، بل هي رحلة مليئة بالمخاطر وتتطلب الصمود. وكما أقول دائماً للشباب في إندونيسيا: العالم ينظر إلينا الآن، فاصنعوا شيئاً يفتخر به بلدكم.
● ماذا تود أن تقول للشباب بشكل عام، وللطامحين إلى دخول عالم ريادة الأعمال اليوم؟
- نصيحتي هي: لا تخافوا من البدايات الصغيرة، ولا تيأسوا من الفشل. التركيز والانضباط وبناء علاقات قائمة على الثقة هي مفاتيح النجاح. العصر الحالي مليء بالتحديات، لكنه مليء أيضاً بالفرص التكنولوجية والبيئية. ابحثوا عن المشكلات في مجتمعاتكم، وقدموا لها حلولاً تجارية، فالربح يتبع القيمة دائماً.