بيتكوين تتراجع وخسائرها السنوية تتجاوز 11.5 %
تراجعت أسعار العملات المشفرة خلال تعاملات الثلاثاء، مع تعرض الأصول عالية المخاطر لضغوط متزايدة من توقعات رفع أسعار الفائدة الأميركية هذا الأسبوع، بالتزامن مع انحسار التفاؤل بشأن قدرة الكونغرس على تمرير تشريع طال انتظاره لتنظيم سوق الأصول الرقمية في الولايات المتحدة.
وتراجعت «بيتكوين»، أكبر العملات المشفرة عالمياً من حيث القيمة السوقية، بأكثر من 2% خلال التداولات، لترتفع خسائرها منذ بداية العام إلى أكثر من 11.5 %، في مؤشر إلى استمرار الضغوط على السوق بعدما تغيرت البيئة النقدية التي كانت تدعم شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
يأتي تراجع العملات المشفرة مع استعداد المستثمرين لاحتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه هذا الأسبوع، بعدما أدت الضغوط التضخمية المتجددة إلى تغيير توقعات السياسة النقدية الأميركية.
وتعد العملات المشفرة من الأصول الأكثر حساسية لتحركات الفائدة والسيولة العالمية، إذ تستفيد عادة من انخفاض تكاليف الاقتراض ووفرة الأموال الباحثة عن عوائد مرتفعة، بينما تتعرض لضغوط عندما ترتفع الفائدة وتصبح السندات والأدوات ذات العائد أكثر جاذبية للمستثمرين.
وتزداد هذه الضغوط في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما يعيد تشكيل المفاضلة بين المخاطرة والعائد. فكلما ارتفعت العوائد المتاحة على الأصول التقليدية، تقل الحاجة إلى تحمل التقلبات الكبيرة المرتبطة بالعملات المشفرة سعياً وراء عوائد إضافية.
ويفسر ذلك جانباً من موجة البيع الحالية في «بيتكوين»، إذ لم تعد السوق تتعامل فقط مع العوامل الخاصة بقطاع العملات الرقمية، وإنما أصبحت أكثر ارتباطاً بتوقعات التضخم والفائدة والسيولة واتجاه المستثمرين العالميين نحو المخاطرة.
كما أن تجاوز خسائر «بيتكوين» 11.5 % منذ بداية العام يعكس تحولاً واضحاً في المزاج الاستثماري، بعدما كانت التوقعات السابقة تراهن على استفادة القطاع من توسع الاستثمار المؤسسي ووضوح أكبر في البيئة التنظيمية الأميركية.
وتلقت السوق ضربة إضافية من واشنطن، مع تراجع التفاؤل بشأن تمرير قانون «كلاريتي» الأميركي الذي يستهدف وضع إطار تنظيمي أكثر وضوحاً لقطاع الأصول المشفرة وتحديد القواعد التي تحكم التعامل معها.
وانخفضت احتمالات إقرار القانون خلال العام الحالي إلى 18 %، وفق بيانات «بوليماركت» التي نقلتها «بلومبرغ»، بعدما أبدى أعضاء ديمقراطيون تحفظات على أحدث مقترح قدمه الجمهوريون، ما أعاد المخاوف من استمرار حالة عدم اليقين التشريعي.
وتكتسب قضية التنظيم أهمية كبيرة بالنسبة إلى سوق العملات المشفرة، لأن المستثمرين والمؤسسات المالية يحتاجون إلى قواعد واضحة تحدد كيفية تصنيف الأصول الرقمية والجهات المسؤولة عن الإشراف عليها ومتطلبات عمل منصات التداول.
وكانت الآمال في إحراز تقدم تشريعي قد دعمت توقعات بأن تنتقل سوق العملات المشفرة تدريجياً إلى مرحلة أكثر نضجاً، مع دخول مزيد من المؤسسات التقليدية واستقطاب رؤوس أموال تبحث عن بيئة تنظيمية مستقرة.
لكن انخفاض فرص إقرار «كلاريتي» إلى 18 % يهدد بتأجيل هذا السيناريو، ويعيد إلى الواجهة الخلافات السياسية التي عرقلت لسنوات بناء إطار شامل لتنظيم الأصول الرقمية في أكبر سوق مالية في العالم.
كما أن استمرار الغموض يمكن أن يدفع بعض المؤسسات إلى تأجيل خطط التوسع في القطاع إلى حين اتضاح القواعد، وهو ما يقلص أحد مصادر الطلب المحتملة التي راهن عليها المستثمرون لدعم الأسعار.
مخاطر مزدوجة
وتجد سوق العملات المشفرة نفسها بذلك أمام مصدرين متزامنين للضغط: الأول مالي يرتبط بارتفاع الفائدة وتشديد السيولة، والثاني تنظيمي ناتج عن تراجع فرص التوصل إلى توافق سياسي بشأن القواعد التي ستحدد مستقبل الصناعة الأميركية.
ويزيد اجتماع العاملين من حساسية السوق، لأن المستثمر الذي يواجه عائداً أعلى على السندات وعدم يقين أكبر بشأن التنظيم يصبح أقل استعداداً لتحمل تقلبات العملات المشفرة، خصوصاً بعد الخسائر التي تراكمت منذ بداية العام.
وفي الوقت نفسه، تبقى «بيتكوين» المؤشر الأبرز لاتجاه شهية المخاطرة داخل القطاع. ولذلك فإن استمرار خسائرها يمكن أن يمتد إلى العملات الأصغر التي تتسم عادة بتقلبات أكبر وسيولة أقل، بينما يمكن لأي تحسن في توقعات السياسة النقدية أو التشريعات أن يؤدي إلى ارتداد سريع في الأسعار.
وسيظل قرار الاحتياطي الفيدرالي عاملاً محورياً في المدى القصير، إذ لن تراقب السوق حجم أي زيادة في الفائدة فقط، وإنما ستبحث في تصريحات البنك عن إشارات تحدد ما إذا كان التشديد سيستمر خلال الاجتماعات المقبلة.
الفيدرالي والكونغرس يحددان مسار العملات
تدخل العملات المشفرة مرحلة تتقاطع فيها السياسة النقدية مع السياسة التشريعية بصورة مباشرة. فرفع الفائدة يقلص السيولة ويزيد جاذبية الأصول ذات العائد، بينما يهدد تعثر قانون «كلاريتي» بإطالة أمد الضبابية التنظيمية التي طالما شكلت أحد أكبر التحديات أمام توسع القطاع.
ومع هبوط «بيتكوين» بأكثر من 2 % وتجاوز خسائرها 11.5 % منذ بداية العام، تبدو السوق بحاجة إلى محفز قوي لاستعادة الزخم. وقد يأتي هذا المحفز من لهجة أقل تشدداً للاحتياطي الفيدرالي أو اختراق تشريعي في الكونغرس، لكن استمرار الفائدة المرتفعة وتراجع فرص إقرار القانون سيبقيان الأصول المشفرة تحت ضغط المستثمرين الباحثين عن قدر أكبر من الأمان والوضوح.