تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬يكشف‭ ‬قيمة‭ ‬العملات‭ ‬الحقيقية

تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬يكشف‭ ‬قيمة‭ ‬العملات‭ ‬الحقيقية

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬آخر،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬سعر‭ ‬صرفه‭ ‬يتغير‭ ‬بين‭ ‬مكان‭ ‬وآخر،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬كمية‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬يستطيع‭ ‬شراؤها‭ ‬تختلف‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭. ‬فمبلغ‭ ‬يكفي‭ ‬لشراء‭ ‬وجبة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬يشتري‭ ‬وجبتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬منخفض‭ ‬التكاليف،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يغطي‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬مرتفعة‭ ‬الأسعار‭ ‬جزءاً‭ ‬محدوداً‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬اليومية‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬نشأ‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬Purchasing Power Parity‭ – ‬PPP‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬طريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬للنظر‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬العملات‭ ‬وحجم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المطلق‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬
يقيس‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬النظري‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬عملتين‭ ‬تتمتعان‭ ‬بالقوة‭ ‬الشرائية‭ ‬نفسها،‭ ‬أي‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬للمستهلك‭ ‬بشراء‭ ‬الكمية‭ ‬ذاتها‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬في‭ ‬بلدين‭ ‬مختلفين‭ ‬بعد‭ ‬تحويل‭ ‬عملته‭ ‬من‭ ‬إحداهما‭ ‬إلى‭ ‬الأخرى‭. ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬المقياس‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬تساويها‭ ‬العملة‭ ‬المحلية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬شراؤه‭ ‬بهذه‭ ‬الأموال‭.‬
ويستند‭ ‬المفهوم‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬المتماثلة‭ ‬تميل‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬إلى‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬بعد‭ ‬أخذ‭ ‬فروق‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭. ‬وفي‭ ‬صورة‭ ‬مبسطة،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬سلة‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬تكلف‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بينما‭ ‬تكلف‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬50‭ ‬دولاراً‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭ ‬وفق‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬السوقي،‭ ‬فإن‭ ‬الدولار‭ ‬يتمتع‭ ‬بقوة‭ ‬شرائية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الثاني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬مقياس‭ ‬التعادل‭ ‬إظهاره‭.‬

مقارنة‭ ‬الاقتصادات
وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬مقارنة‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬الجاري‭ ‬وحده‭ ‬إلى‭ ‬إعطاء‭ ‬صورة‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬عن‭ ‬الحجم‭ ‬الفعلي‭ ‬لاقتصاد‭ ‬معين‭. ‬فالأسعار‭ ‬وتكاليف‭ ‬السكن‭ ‬والغذاء‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات‭ ‬تختلف‭ ‬بصورة‭ ‬واسعة‭ ‬بين‭ ‬البلدان،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬تحويل‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬وفق‭ ‬أسعار‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬دائماً‭ ‬كمية‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬المنتجة‭ ‬فعلياً‭.‬
ولهذا‭ ‬يعاد‭ ‬احتساب‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬وفق‭ ‬مستويات‭ ‬أسعار‭ ‬تسمح‭ ‬بإجراء‭ ‬مقارنة‭ ‬أكثر‭ ‬اتساقاً‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وكأن‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬تخضع‭ ‬لمستوى‭ ‬سعري‭ ‬قابل‭ ‬للمقارنة‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬أهمية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تقل‭ ‬فيها‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للناتج‭ ‬المحلي‭ ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬أعلى‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬عند‭ ‬تحويله‭ ‬بسعر‭ ‬الصرف‭ ‬السوقي‭.‬
ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬مثال‭ ‬الصين،‭ ‬إذ‭ ‬أشارت‭ ‬تقديرات‭ ‬لعام‭ ‬2019‭ ‬إلى‭ ‬وصول‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬22‭.‬5‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬وفق‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬20‭.‬5‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬لكن‭ ‬عند‭ ‬تحويل‭ ‬الناتج‭ ‬الصيني‭ ‬من‭ ‬اليوان‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬وفق‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬كان‭ ‬حجمه‭ ‬نحو‭ ‬14‭.‬3‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬تأثير‭ ‬فروق‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬المقارنات‭ ‬الدولية‭.‬

قوة‭ ‬الدولار
ويعني‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الرقمين‭ ‬أن‭ ‬الدولار‭ ‬يستطيع‭ ‬شراء‭ ‬كمية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬داخل‭ ‬الصين‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬يشتريه‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وفق‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المقارنة،‭ ‬وليس‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ناتجين‭ ‬مختلفين‭ ‬للاقتصاد‭ ‬نفسه‭. ‬فالاختلاف‭ ‬يتعلق‭ ‬بطريقة‭ ‬القياس‭ ‬والوحدة‭ ‬المستخدمة‭ ‬للمقارنة،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأساسي‭ ‬واحداً‭.‬
وتستخدم‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬بيانات‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬لإجراء‭ ‬مقارنات‭ ‬اقتصادية‭ ‬دولية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عند‭ ‬دراسة‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬والمعيشة‭ ‬والفقر‭ ‬والإنتاج‭. ‬ويساعد‭ ‬تعديل‭ ‬الأرقام‭ ‬وفق‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التشوه‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬التقلبات‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬العملات،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬القيمة‭ ‬الدولارية‭ ‬لاقتصاد‭ ‬ما‭ ‬سريعاً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حدوث‭ ‬تغير‭ ‬مماثل‭ ‬في‭ ‬كمية‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬فعلياً‭.‬

سلة‭ ‬الأسعار
ويعتمد‭ ‬احتساب‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬على‭ ‬مقارنة‭ ‬تكلفة‭ ‬سلة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭. ‬ويجمع‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬بيانات‭ ‬عن‭ ‬أسعار‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬متشابهة،‭ ‬ثم‭ ‬يستخدمونها‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬معدل‭ ‬تحويل‭ ‬يسمح‭ ‬بمقارنة‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للعملات،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬الذي‭ ‬تحدده‭ ‬التعاملات‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النقد‭.‬
وكلما‭ ‬اتسعت‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية‭ ‬والأسعار‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المرجعي،‭ ‬زاد‭ ‬الاختلاف‭ ‬المحتمل‭ ‬بين‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬السوقي‭ ‬وسعر‭ ‬التعادل‭. ‬ولهذا‭ ‬تكون‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية‭ ‬ومنخفضة‭ ‬التكاليف،‭ ‬بينما‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬التضاؤل‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬تتقارب‭ ‬فيها‭ ‬مستويات‭ ‬الأجور‭ ‬والأسعار‭ ‬وتكاليف‭ ‬المعيشة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬استخدام‭ ‬المقياس‭ ‬على‭ ‬مقارنة‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬إذ‭ ‬يستعين‭ ‬به‭ ‬اقتصاديون‭ ‬ومستثمرون‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬العملات‭ ‬ودراسة‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬الحقيقية‭. ‬فقد‭ ‬تشير‭ ‬مقارنة‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عملة‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬مرتفعة‭ ‬أو‭ ‬منخفضة‭ ‬القيمة‭ ‬وفق‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬سعرها‭ ‬السوقي‭ ‬سيتحرك‭ ‬فوراً‭ ‬نحو‭ ‬المستوى‭ ‬النظري،‭ ‬لأن‭ ‬أسواق‭ ‬الصرف‭ ‬تتأثر‭ ‬بالفائدة‭ ‬وتدفقات‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والسياسات‭ ‬النقدية‭ ‬والتجارة‭ ‬والمخاطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭.‬

اقتصاد‭ ‬البرغر
ويعد‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬بيغ‭ ‬ماك‮»‬‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬الأمثلة‭ ‬التي‭ ‬حولت‭ ‬النظرية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المعقدة‭ ‬إلى‭ ‬مقارنة‭ ‬سهلة‭ ‬الفهم‭. ‬وأطلقت‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬ذي‭ ‬إيكونوميست‮»‬‭ ‬المؤشر‭ ‬عام‭ ‬1986،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬مقارنة‭ ‬سعر‭ ‬شطيرة‭ ‬‮«‬بيغ‭ ‬ماك‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تباع‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬بهدف‭ ‬تقديم‭ ‬تطبيق‭ ‬مبسط‭ ‬لفكرة‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭.‬
وتقوم‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المنتج‭ ‬متشابه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يمكن‭ ‬مقارنة‭ ‬سعره‭ ‬بالعملات‭ ‬المحلية‭ ‬ثم‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬لمعرفة‭ ‬مدى‭ ‬اختلاف‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭. ‬ففي‭ ‬ديسمبر‭ ‬2020،‭ ‬بلغ‭ ‬سعر‭ ‬‮«‬بيغ‭ ‬ماك‮»‬‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬5‭.‬66‭ ‬دولار،‭ ‬مقابل‭ ‬22‭.‬4‭ ‬يوان‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬3‭.‬47‭ ‬دولار‭ ‬وفق‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬السائد‭ ‬آنذاك‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬أن‭ ‬سعر‭ ‬الشطيرة‭ ‬وحده‭ ‬يستطيع‭ ‬تحديد‭ ‬القيمة‭ ‬الصحيحة‭ ‬للعملة،‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬اختلاف‭ ‬عناصر‭ ‬التكلفة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادين،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الأجور‭ ‬والإيجارات‭ ‬وأسعار‭ ‬المواد‭ ‬والخدمات‭ ‬المحلية‭. ‬وأصبح‭ ‬هذا‭ ‬التطبيق‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬البرغر‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬Burgernomics‮»‬،‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬تعليمية‭ ‬مبسطة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬مؤشرات‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سلال‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬والخدمات‭.‬

جذور‭ ‬تاريخية
وتعود‭ ‬الجذور‭ ‬الحديثة‭ ‬لمفهوم‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬إلى‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬قاعدة‭ ‬الذهب،‭ ‬ارتبطت‭ ‬العملات‭ ‬بقيم‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس،‭ ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬دفعت‭ ‬حكومات‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬وزيادة‭ ‬إصدار‭ ‬النقود‭ ‬لتمويل‭ ‬الإنفاق،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬واضطراب‭ ‬أسعار‭ ‬العملات‭.‬
وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب،‭ ‬طرح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السويدي‭ ‬غوستاف‭ ‬كاسل‭ ‬فكرة‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬قيم‭ ‬العملات‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬وتعديلها‭ ‬وفق‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعادل‭. ‬وأسهمت‭ ‬أفكاره‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬مفهوم‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬بصورته‭ ‬الحديثة،‭ ‬وربط‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬بمستوى‭ ‬الأسعار‭ ‬الذي‭ ‬تستطيع‭ ‬شراء‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬عنده،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬قيمتها‭ ‬الاسمية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الصرف‭.‬

القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬وراء‭ ‬الأرقام
لا‭ ‬يمثل‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬الذي‭ ‬يستخدمه‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬في‭ ‬معاملاتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العملة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتداول‭ ‬فوراً‭ ‬عند‭ ‬السعر‭ ‬النظري‭ ‬الذي‭ ‬ينتجه‭ ‬المؤشر‭. ‬وتكمن‭ ‬أهميته‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬عدسة‭ ‬مختلفة‭ ‬لقراءة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬تسمح‭ ‬بمقارنة‭ ‬كمية‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬والدخول‭ ‬ومستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬بعد‭ ‬تحييد‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬فروق‭ ‬الأسعار‭. ‬ولهذا‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬اقتصاد‭ ‬دولة‭ ‬نامية‭ ‬أصغر‭ ‬بكثير‭ ‬عند‭ ‬قياسه‭ ‬بالدولار‭ ‬وفق‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬الجارية،‭ ‬ثم‭ ‬يرتفع‭ ‬حجمه‭ ‬بصورة‭ ‬ملحوظة‭ ‬عند‭ ‬استخدام‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الفارق‭ ‬محدوداً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تقترب‭ ‬مستويات‭ ‬أسعارها‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭. ‬وبين‭ ‬القياسين‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬بالضرورة‭ ‬رقم‭ ‬‮«‬صحيح‮»‬‭ ‬وآخر‭ ‬‮«‬خاطئ‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬يخدم‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬غرضاً‭ ‬مختلفاً؛‭ ‬فسعر‭ ‬الصرف‭ ‬السوقي‭ ‬مهم‭ ‬للتجارة‭ ‬والتدفقات‭ ‬المالية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬المنتجات‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬بينما‭ ‬يكشف‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬الأموال‭ ‬شراءه‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬اقتصاد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬لفهم‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكامنة‭ ‬وراء‭ ‬الأرقام‭ ‬الاسمية‭.‬

رجوع لأعلى