تعادل القوة الشرائية يكشف قيمة العملات الحقيقية
قد يبدو الدولار في بلد ما أكثر قوة من بلد آخر، ليس لأن سعر صرفه يتغير بين مكان وآخر، وإنما لأن كمية السلع والخدمات التي يستطيع شراؤها تختلف بصورة كبيرة بين الاقتصادات. فمبلغ يكفي لشراء وجبة واحدة في الولايات المتحدة قد يشتري وجبتين أو أكثر في اقتصاد منخفض التكاليف، بينما قد يغطي في دولة مرتفعة الأسعار جزءاً محدوداً من الاحتياجات اليومية. ومن هذه المفارقة نشأ مفهوم «تعادل القوة الشرائية» أو «Purchasing Power Parity – PPP»، الذي يوفر طريقة مختلفة للنظر إلى قيمة العملات وحجم الاقتصادات بعيداً عن الاعتماد المطلق على أسعار الصرف السائدة في الأسواق.
يقيس تعادل القوة الشرائية سعر الصرف النظري الذي يجعل عملتين تتمتعان بالقوة الشرائية نفسها، أي المستوى الذي يسمح للمستهلك بشراء الكمية ذاتها تقريباً من السلع والخدمات في بلدين مختلفين بعد تحويل عملته من إحداهما إلى الأخرى. وبذلك لا ينظر المقياس إلى عدد الدولارات التي تساويها العملة المحلية فقط، وإنما إلى القيمة الاقتصادية الحقيقية لما يمكن شراؤه بهذه الأموال.
ويستند المفهوم إلى فكرة اقتصادية تفترض أن أسعار السلع والخدمات المتماثلة تميل على المدى الطويل إلى التقارب بين الدول، بعد أخذ فروق أسعار الصرف في الاعتبار. وفي صورة مبسطة، إذا كانت سلة محددة من المنتجات تكلف 100 دولار في الولايات المتحدة، بينما تكلف ما يعادل 50 دولاراً فقط في بلد آخر وفق سعر الصرف السوقي، فإن الدولار يتمتع بقوة شرائية أكبر في الاقتصاد الثاني، وهو ما يحاول مقياس التعادل إظهاره.
مقارنة الاقتصادات
وتبرز أهمية تعادل القوة الشرائية بصورة خاصة عند مقارنة الناتج المحلي الإجمالي بين دول العالم، إذ قد يؤدي الاعتماد على سعر الصرف الجاري وحده إلى إعطاء صورة غير مكتملة عن الحجم الفعلي لاقتصاد معين. فالأسعار وتكاليف السكن والغذاء والنقل والخدمات تختلف بصورة واسعة بين البلدان، وبالتالي فإن تحويل الناتج المحلي من العملة الوطنية إلى الدولار وفق أسعار السوق لا يعكس دائماً كمية السلع والخدمات المنتجة فعلياً.
ولهذا يعاد احتساب الناتج المحلي وفق مستويات أسعار تسمح بإجراء مقارنة أكثر اتساقاً بين الدول، وكأن السلع والخدمات تخضع لمستوى سعري قابل للمقارنة. وتكتسب هذه الطريقة أهمية أكبر في الاقتصادات التي تقل فيها تكاليف المعيشة كثيراً عن الولايات المتحدة، إذ تكون القيمة الاقتصادية للناتج المحلي عند احتساب القوة الشرائية أعلى عادة من قيمته عند تحويله بسعر الصرف السوقي.
ويظهر ذلك بوضوح في مثال الصين، إذ أشارت تقديرات لعام 2019 إلى وصول ناتجها المحلي إلى نحو 22.5 تريليون دولار وفق تعادل القوة الشرائية، مقابل نحو 20.5 تريليون دولار للولايات المتحدة. لكن عند تحويل الناتج الصيني من اليوان إلى الدولار وفق سعر الصرف السائد في السوق، كان حجمه نحو 14.3 تريليون دولار فقط، ما يكشف تأثير فروق الأسعار المحلية في المقارنات الدولية.
قوة الدولار
ويعني الفارق بين الرقمين أن الدولار يستطيع شراء كمية أكبر من السلع والخدمات داخل الصين مقارنة بما يشتريه في الولايات المتحدة، وفق مستويات الأسعار المستخدمة في تلك المقارنة، وليس أن هناك ناتجين مختلفين للاقتصاد نفسه. فالاختلاف يتعلق بطريقة القياس والوحدة المستخدمة للمقارنة، بينما يظل النشاط الاقتصادي الأساسي واحداً.
وتستخدم مؤسسات دولية، في مقدمتها البنك الدولي، بيانات تعادل القوة الشرائية لإجراء مقارنات اقتصادية دولية، خصوصاً عند دراسة مستويات الدخل والمعيشة والفقر والإنتاج. ويساعد تعديل الأرقام وفق مستويات الأسعار على الحد من التشوه الذي قد ينتج عن التقلبات الكبيرة في أسعار العملات، والتي يمكن أن تغير القيمة الدولارية لاقتصاد ما سريعاً من دون حدوث تغير مماثل في كمية ما ينتجه فعلياً.
سلة الأسعار
ويعتمد احتساب تعادل القوة الشرائية على مقارنة تكلفة سلة واسعة من السلع والخدمات بين الاقتصادات. ويجمع الاقتصاديون بيانات عن أسعار منتجات وخدمات متشابهة، ثم يستخدمونها للوصول إلى معدل تحويل يسمح بمقارنة القوة الشرائية للعملات، بدلاً من الاقتصار على سعر الصرف الذي تحدده التعاملات اليومية في أسواق النقد.
وكلما اتسعت الفروق بين الأسعار المحلية والأسعار في الاقتصاد المرجعي، زاد الاختلاف المحتمل بين سعر الصرف السوقي وسعر التعادل. ولهذا تكون الفجوة في كثير من الأحيان أكبر في الاقتصادات النامية ومنخفضة التكاليف، بينما تميل إلى التضاؤل بين الدول المتقدمة التي تتقارب فيها مستويات الأجور والأسعار وتكاليف المعيشة.
ولا يقتصر استخدام المقياس على مقارنة الناتج المحلي، إذ يستعين به اقتصاديون ومستثمرون في تقييم العملات ودراسة أسعار الصرف الحقيقية. فقد تشير مقارنة الأسعار إلى أن عملة ما تبدو مرتفعة أو منخفضة القيمة وفق القوة الشرائية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن سعرها السوقي سيتحرك فوراً نحو المستوى النظري، لأن أسواق الصرف تتأثر بالفائدة وتدفقات رؤوس الأموال والسياسات النقدية والتجارة والمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
اقتصاد البرغر
ويعد مؤشر «بيغ ماك» أحد أشهر الأمثلة التي حولت النظرية الاقتصادية المعقدة إلى مقارنة سهلة الفهم. وأطلقت مجلة «ذي إيكونوميست» المؤشر عام 1986، اعتماداً على مقارنة سعر شطيرة «بيغ ماك» التي تباع في أسواق عديدة حول العالم، بهدف تقديم تطبيق مبسط لفكرة تعادل القوة الشرائية.
وتقوم الفكرة على أن المنتج متشابه إلى حد كبير بين الدول، وبالتالي يمكن مقارنة سعره بالعملات المحلية ثم تحويله إلى الدولار لمعرفة مدى اختلاف مستويات الأسعار. ففي ديسمبر 2020، بلغ سعر «بيغ ماك» في الولايات المتحدة 5.66 دولار، مقابل 22.4 يوان في الصين، أي نحو 3.47 دولار وفق سعر الصرف السائد آنذاك.
ولا يعني هذا الفارق أن سعر الشطيرة وحده يستطيع تحديد القيمة الصحيحة للعملة، لكنه يعكس اختلاف عناصر التكلفة بين الاقتصادين، بما يشمل الأجور والإيجارات وأسعار المواد والخدمات المحلية. وأصبح هذا التطبيق يعرف باسم «اقتصاد البرغر» أو «Burgernomics»، بوصفه أداة تعليمية مبسطة أكثر منه بديلاً عن مؤشرات تعادل القوة الشرائية الرسمية التي تعتمد على سلال واسعة من المنتجات والخدمات.
جذور تاريخية
وتعود الجذور الحديثة لمفهوم تعادل القوة الشرائية إلى الاضطرابات النقدية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. ففي ظل قاعدة الذهب، ارتبطت العملات بقيم محددة من المعدن النفيس، لكن الحرب دفعت حكومات عديدة إلى التخلي عن النظام وزيادة إصدار النقود لتمويل الإنفاق، ما تسبب في ارتفاع التضخم واضطراب أسعار العملات.
وفي أعقاب الحرب، طرح الاقتصادي السويدي غوستاف كاسل فكرة الاستناد إلى قيم العملات قبل الحرب وتعديلها وفق معدلات التضخم للوصول إلى مستويات جديدة من التعادل. وأسهمت أفكاره في تطوير مفهوم تعادل القوة الشرائية بصورته الحديثة، وربط قيمة العملة بمستوى الأسعار الذي تستطيع شراء السلع والخدمات عنده، بدلاً من النظر فقط إلى قيمتها الاسمية في سوق الصرف.
القوة الشرائية وراء الأرقام
لا يمثل تعادل القوة الشرائية بديلاً عن سعر الصرف الذي يستخدمه الأفراد والشركات في معاملاتهم اليومية، ولا يعني أن العملة يجب أن تتداول فوراً عند السعر النظري الذي ينتجه المؤشر. وتكمن أهميته الأساسية في توفير عدسة مختلفة لقراءة الاقتصاد، تسمح بمقارنة كمية السلع والخدمات والدخول ومستويات المعيشة بين الدول بعد تحييد جانب كبير من فروق الأسعار. ولهذا قد يبدو اقتصاد دولة نامية أصغر بكثير عند قياسه بالدولار وفق أسعار الصرف الجارية، ثم يرتفع حجمه بصورة ملحوظة عند استخدام تعادل القوة الشرائية. وفي المقابل، قد يكون الفارق محدوداً في الدول التي تقترب مستويات أسعارها من الاقتصاد الأميركي. وبين القياسين لا يوجد بالضرورة رقم «صحيح» وآخر «خاطئ»، بل يخدم كل منهما غرضاً مختلفاً؛ فسعر الصرف السوقي مهم للتجارة والتدفقات المالية والقدرة على شراء المنتجات من الخارج، بينما يكشف تعادل القوة الشرائية بصورة أفضل ما تستطيع الأموال شراءه داخل كل اقتصاد، وهو ما يجعله أداة رئيسية لفهم القيمة الاقتصادية الكامنة وراء الأرقام الاسمية.