جيل زد يدخر مبكراً بحثاً عن الحرية
يشهد الجيل «زد» في الولايات المتحدة تحولاً لافتاً في نظرته إلى المال، إذ يتجه عدد متزايد من الشباب إلى الادخار والاستثمار منذ سنواتهم الأولى في سوق العمل، واضعين هدف الاستقلال المالي والتقاعد المبكر فوق الإنفاق الاستهلاكي الذي اشتهر به أبناء جيلهم.
وتعكس هذه الظاهرة تغيراً في الأولويات المالية، حيث لم يعد الادخار مجرد وسيلة لتأمين المستقبل، بل أصبح بالنسبة لكثيرين طريقاً للوصول إلى حرية أكبر في اختيار أسلوب الحياة والعمل، بعيداً عن الضغوط الاقتصادية وعدم اليقين الذي يحيط بالاقتصاد الأميركي.
وتجسد ناتالي بدور، البالغة من العمر 26 عاماً، هذا التوجه؛ إذ تمكنت من ادخار نحو 300 ألف دولار من خلال تخصيص أكثر من نصف دخلها للاستثمار والادخار، مستفيدة أيضاً من عائدات بيع أسهم حصلت عليها خلال عملها في شركة «تشيوي» المتخصصة في مستلزمات الحيوانات الأليفة.
ولتحقيق هذا الهدف، تعيش مع زميلة في السكن، وتطهو معظم وجباتها في المنزل، ونادراً ما تنفق على الترفيه، كما تقود سيارة يبلغ عمرها 18 عاماً، معتبرة أن هذه التضحيات تمنحها أمناً مالياً يصعب تحقيقه بوسائل أخرى.
مخاوف اقتصادية
يرى خبراء أن اندفاع الشباب نحو الادخار لا يرتبط فقط بالرغبة في الثراء، بل يعكس استجابة مباشرة لجملة من التحديات الاقتصادية التي تواجههم، أبرزها ارتفاع أسعار المنازل، وزيادة تكاليف الاقتراض، والمخاوف بشأن مستقبل الضمان الاجتماعي، إضافة إلى القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل.
ويتوقع أن تستنفد احتياطيات صندوق الضمان الاجتماعي الأميركي بحلول عام 2032، في وقت تتزايد فيه المخاوف من فقدان العديد من الوظائف، خصوصاً الوظائف المبتدئة، بسبب الاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقال دان إيغان، نائب رئيس التمويل السلوكي والاستثمار في منصة «بيترمنت»، إن شعور الشباب بعدم اليقين يدفعهم إلى بناء قاعدة مالية قوية تمنحهم قدراً أكبر من الحرية والطموح مستقبلاً، بدلاً من الاعتماد الكامل على مصادر دخل قد تصبح أقل استقراراً.
ويرى محللون أن هذا الاتجاه يمثل الوجه الآخر لما يُعرف بـ«العدمية المالية»، حيث يختار بعض الشباب الاستثمار عالي المخاطر، بينما يفضل آخرون بناء ثرواتهم تدريجياً عبر الادخار طويل الأجل.
الادخار المبكر
تشير بيانات شركة «تشارلز شواب» إلى أن أبناء الجيل «زد» يبدأون الادخار والاستثمار في متوسط عمر يبلغ 19 عاماً، مقارنة بـ32 عاماً لأبناء الجيل «إكس»، و35 عاماً لجيل طفرة المواليد، وهو ما يعكس تغيراً واضحاً في الثقافة المالية بين الأجيال.
كما أظهرت بيانات «فانغارد» أن نحو ثلث أبناء الجيل «زد» الذين ساهموا في حسابات التقاعد الفردية خلال العام الماضي استثمروا الحد الأقصى المسموح به قانوناً والبالغ 7 آلاف دولار سنوياً.
ورغم أن غالبية أبناء هذا الجيل لا يزالون في مقتبل حياتهم المهنية، فإن الدراسات تشير إلى أنهم يتقدمون على الأجيال السابقة في حجم مساهماتهم ببرامج التقاعد، كما يمتلكون أصولاً تقاعدية تفوق بثلاثة أضعاف ما كان يمتلكه أبناء الجيل «إكس» في العمر نفسه، بعد احتساب أثر التضخم.
وينتمي كثير من هؤلاء الشباب إلى حركة تعرف باسم «الاستقلال المالي والتقاعد المبكر» (FIRE)، التي تشجع على الادخار والاستثمار المكثف في بداية الحياة المهنية بهدف الوصول إلى الاستقلال المالي قبل سن التقاعد التقليدية.
الحرية قبل الرفاهية
لا ينظر كثير من أبناء الجيل «زد» إلى الادخار باعتباره وسيلة للتقاعد فقط، بل يعتبرونه طريقاً للحصول على حرية اتخاذ القرار في حياتهم المهنية والشخصية.
وتقول غريس كولفين، التي جمعت نحو 100 ألف دولار من المدخرات وتوثق تجربتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن الهدف ليس التوقف عن العمل، بل امتلاك القدرة على رفض الوظائف أو المهام التي لا تتناسب مع طموحاتها، وقضاء وقت أطول مع العائلة دون ضغوط مالية
كما يسير إيمانويل دانيال، البالغ 24 عاماً، على النهج نفسه، إذ بدأ الادخار في سن 18 عاماً، ونجح في تكوين ثروة تقارب 92 ألف دولار موزعة بين حسابات التقاعد والادخار والاستثمار، مؤكداً أن هدفه النهائي هو أن يصبح العمل خياراً لا ضرورة.
ورغم الإشادة بهذه الثقافة المالية، يحذر خبراء الاقتصاد السلوكي من أن الإفراط في التركيز على الادخار قد يأتي بنتائج عكسية إذا أهمل الشباب سداد الديون مرتفعة التكلفة، مثل ديون بطاقات الائتمان، مؤكدين أن تحقيق الحرية المالية يتطلب ترتيب الأولويات بين الادخار وإدارة الالتزامات المالية، بما يضمن بناء ثروة مستدامة على المدى الطويل.