حرائق أوروبا تهدد السياحة وتكبد الاقتصاد خسائر
تفرض موجة الحر الاستثنائية التي تجتاح أوروبا تحديات متزايدة على فرنسا وإسبانيا، بعدما ساهمت درجات الحرارة القياسية في اتساع رقعة حرائق الغابات، لتتحول من كارثة بيئية إلى أزمة اقتصادية تهدد قطاعات حيوية، وفي مقدمتها السياحة، التي تشكل أحد أهم مصادر الدخل في البلدين.
ومع استمرار انتشار النيران وإجلاء آلاف السكان وإغلاق عدد كبير من المرافق السياحية، بدأت الشركات العاملة في القطاع السياحي تسجل خسائر متزايدة في ذروة موسم العطلات الصيفية، وهو الوقت الذي تعتمد عليه لتحقيق الجزء الأكبر من إيراداتها السنوية.
ويرى اقتصاديون أن استمرار الحرائق خلال الأسابيع المقبلة قد يوجه ضربة قوية للنشاط الاقتصادي المحلي، ليس فقط بسبب تراجع أعداد الزوار، وإنما أيضاً نتيجة تعطل الأعمال وارتفاع تكاليف الإغاثة والإطفاء وإعادة الإعمار.
كما تزداد المخاوف من أن تمتد آثار الأزمة إلى قطاعات أخرى ترتبط بالسياحة والنقل والخدمات، ما قد ينعكس على النمو الاقتصادي في المناطق الأكثر تضرراً.
ضربة للسياحة
وكان القطاع السياحي أول المتأثرين بحرائق الغابات، إذ شهدت العديد من المناطق الفرنسية والإسبانية موجة واسعة من إلغاء الحجوزات، بالتزامن مع عمليات الإخلاء التي نفذتها السلطات حفاظاً على سلامة السكان والزوار.
وفي مدينة بوردو الفرنسية، أكد مارك هاند، الذي يدير شركة متخصصة في تنظيم الجولات السياحية، أن حجوزات شركته تراجعت بنحو 40 %، مشيراً إلى أن إحدى أشهر الجولات التي كانت تستقطب ما بين 20 و30 مشاركاً يومياً لم تضم سوى ستة أشخاص، مع إلغاء عشرة حجوزات إضافية للأسبوع التالي.
وأوضح أن مدينة بوردو تستقبل نحو 6.5 مليون سائح سنوياً، الأمر الذي يجعل أي تراجع في أعداد الزوار ذا انعكاسات مباشرة على الشركات والعاملين في القطاع، خاصة أن الأزمة جاءت في ذروة الموسم السياحي.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية أكبر في منطقة جيروند، حيث تمثل السياحـة نحو 7 % من الاقتصاد المحلي، ما يجعل استمرار الحرائق تهديداً مباشراً لإيرادات المنطقة وفرص العمل المرتبطة بها.
شلل اقتصادي
ولم تقتصر تداعيات الحرائق على القطاع السياحي، بل امتدت إلى الأنشطة الاقتصادية المختلفة، بعدما أجبرت السلطات أكثر من 220 ألف شخص على مغادرة منازلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة.
وأعلنت غرفة تجارة وصناعة بوردو جيروند أن نحو 14.5 ألف شركة أصبحت غير قادرة على ممارسة أعمالها بصورة طبيعية، نتيجة الإغلاقات وصعوبة التنقل والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
ووصف وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، ما يحدث بأنه ضربة اقتصادية قاسية لمنطقة كانت تحتاج إلى الاستقرار لدعم نشاطها الاقتصادي، في وقت يسعى فيه المسؤولون إلى تقدير حجم الخسائر الفعلية.
ويرى خبراء أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز المناطق المتضررة، إذ حذر اقتصاديون من مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس من أن تعطل إنتاج الأغذية الزراعية والخدمات اللوجستية قد يؤثر في سلاسل التوريد والصادرات، بما ينعكس على الاقتصاد الفرنسي بصورة أوسع.
فاتورة باهظة
وتتحمل الحكومات الأوروبية في الوقت نفسه تكاليف مالية ضخمة لمكافحة الحرائق، إذ تعد عمليات الإطفاء من أكثر المهام كلفة، خاصة مع اتساع المساحات المتضررة واستمرار موجات الحر.
وفي إسبانيا، التهمت الحرائق نحو 77 ألف هكتار، فيما تشير التقديرات إلى أن تكلفة إخماد الحرائق تتراوح بين 10 آلاف و19 ألف يورو للهكتار الواحد، ما يرفع إجمالي فاتورة المكافحة إلى مليارات اليورو.
أما في فرنسا، فقد دمرت الحرائق نحو 200 منزل، وأدت إلى إغلاق 70 مخيماً سياحياً، كما اقتربت النيران من مناطق تضم صناعات استراتيجية، من بينها مصانع الصواريخ والطيران.
ورغم عدم تعرض هذه المنشآت لأضرار مباشرة حتى الآن، فإن شركات كبرى مثل أريان وإيرباص وداسو وسافران قد تواجه تباطؤاً أو توقفاً مؤقتاً في بعض عملياتها إذا استمرت الحرائق أو امتدت إلى المناطق الصناعية المحيطة.
كلفة التعافي
تكشف الحرائق التي تضرب فرنسا وإسبانيا عن حجم التحديات الاقتصادية التي تفرضها الظواهر المناخية المتطرفة، بعدما تجاوزت آثارها الجانب البيئي لتطال السياحة والتجارة والصناعة وسلاسل الإمداد. ومع استمرار موجة الحر، تزداد المخاوف من اتساع نطاق الخسائر وارتفاع تكاليف التعافي، في وقت تسعى فيه الحكومات الأوروبية إلى احتواء الأزمة وتقليل تأثيرها على النشاط الاقتصادي خلال موسم يعد الأهم بالنسبة لقطاع السياحة.