تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذاكرة‭ ‬المستثمر‭ ‬تصنع‭ ‬قرارات‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية

ذاكرة‭ ‬المستثمر‭ ‬تصنع‭ ‬قرارات‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية

لا‭ ‬تتحرك‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بالأرقام‭ ‬والبيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تلعب‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬دوراً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬قرارات‭ ‬المستثمرين‭. ‬فالأزمات‭ ‬السابقة‭ ‬لا‭ ‬تغادر‭ ‬ذاكرة‭ ‬المتعاملين‭ ‬بمجرد‭ ‬انتهاء‭ ‬آثارها،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬دائم‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬تقييمهم‭ ‬للمخاطر‭ ‬والفرص،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تتغير‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭.‬
ويشبه‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬سائقاً‭ ‬تعرض‭ ‬لحادث‭ ‬مروري‭ ‬سابق،‭ ‬فيظل‭ ‬يراقب‭ ‬المرايا‭ ‬باستمرار‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬التجربة،‭ ‬فينشغل‭ ‬بالماضي‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تجعله‭ ‬يغفل‭ ‬عن‭ ‬مخاطر‭ ‬جديدة‭ ‬أمامه‭. ‬والأمر‭ ‬ذاته‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الذكريات‭ ‬المؤلمة‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬فرص‭ ‬استثمارية‭ ‬واعدة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬إشارات‭ ‬سلبية‭.‬
وبرز‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬بوضوح‭ ‬بعد‭ ‬انفجار‭ ‬فقاعة‭ ‬شركات‭ ‬الإنترنت‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية،‭ ‬عندما‭ ‬ابتعد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬عن‭ ‬أسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لسنوات‭ ‬رغم‭ ‬تحسن‭ ‬أساسياتها،‭ ‬كما‭ ‬كرر‭ ‬نفسه‭ ‬بعد‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬حذراً‭ ‬واسعاً‭ ‬تجاه‭ ‬البنوك‭ ‬والاعتماد‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭.‬

التمويل‭ ‬السلوكي
تفسر‭ ‬نظريات‭ ‬التمويل‭ ‬السلوكي‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«تحيز‭ ‬الذاكرة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬التحيز‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الخبرة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬المستثمر‭ ‬تقييمه‭ ‬للمخاطر‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬الصفر،‭ ‬وإنما‭ ‬يقارن‭ ‬الأحداث‭ ‬الحالية‭ ‬بما‭ ‬عاشه‭ ‬سابقاً‭.‬
وكان‭ ‬العالمان‭ ‬دانيال‭ ‬كانيمان‭ ‬وعاموس‭ ‬تفرسكي‭ ‬قد‭ ‬أثبتا‭ ‬أن‭ ‬الخسائر‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬نفسياً‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬المماثلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المستثمرين‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تجاه‭ ‬تكرار‭ ‬التجارب‭ ‬السلبية‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬لاحقة‭ ‬أن‭ ‬الذاكرة‭ ‬ليست‭ ‬موضوعية،‭ ‬فبعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬يتذكرون‭ ‬الخسائر‭ ‬فقط،‭ ‬بينما‭ ‬يركز‭ ‬آخرون‭ ‬على‭ ‬فرص‭ ‬التعافي‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الأزمات‭.‬
وتجسد‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬أزمة‭ ‬بنك‭ ‬سيليكون‭ ‬فالي‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬عندما‭ ‬سارع‭ ‬العملاء‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬نحو‭ ‬42‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬الودائع‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬مدفوعين‭ ‬بذكريات‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬الأزمة‭ ‬وأسبابها‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬انتقال‭ ‬المخاوف،‭ ‬لتتحول‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬انتشار‭ ‬الذعر‭.‬
حداثة‭ ‬التجارب

تشير‭ ‬الأبحاث‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يمنحون‭ ‬الأحداث‭ ‬الحديثة‭ ‬وزناً‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراتهم،‭ ‬وهي‭ ‬الظاهرة‭ ‬المعروفة‭ ‬بـ«تحيز‭ ‬الحداثة‮»‬‭.‬
فبعد‭ ‬أزمة‭ ‬2008،‭ ‬فضلت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقد‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الدخل‭ ‬الثابت‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تعافي‭ ‬الأسواق،‭ ‬بينما‭ ‬قدمت‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬نموذجاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬تماماً‭. ‬فقد‭ ‬أدى‭ ‬التعافي‭ ‬السريع‭ ‬للأسواق‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬2020‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬قناعة‭ ‬لدى‭ ‬ملايين‭ ‬المستثمرين‭ ‬الجدد‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬هبوط‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬للشراء‭.‬
لكن‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬تعرضت‭ ‬لاختبار‭ ‬صعب‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬عندما‭ ‬واصل‭ ‬كثيرون‭ ‬شراء‭ ‬أسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬انتظاراً‭ ‬لتكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬التعافي‭ ‬السريع،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬وتشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬غيّرا‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬لتثبت‭ ‬الأسواق‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬تحمل‭ ‬ظروفها‭ ‬الخاصة‭ ‬ولا‭ ‬تتبع‭ ‬بالضرورة‭ ‬المسار‭ ‬نفسه‭.‬

عندما‭ ‬تتذكر‭ ‬الخوارزميات
لم‭ ‬يعد‭ ‬تأثير‭ ‬الذاكرة‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬المستثمرين،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬أنظمة‭ ‬التداول‭ ‬الآلي‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تنفذ‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الصفقات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وتعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزميات‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬التاريخية‭ ‬ونماذج‭ ‬قياس‭ ‬المخاطر‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬البيع‭ ‬والشراء،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬آلية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬وعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬التقلبات‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬معينة،‭ ‬تستجيب‭ ‬الأنظمة‭ ‬تلقائياً‭ ‬وفق‭ ‬الأنماط‭ ‬التي‭ ‬تعلمتها‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يضاعف‭ ‬موجات‭ ‬البيع‭ ‬أو‭ ‬الشراء‭.‬
وبرز‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬اضطرابات‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2024،‭ ‬عندما‭ ‬أدى‭ ‬التفكيك‭ ‬السريع‭ ‬لصفقات‭ ‬الكاري‭ ‬تريد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالين‭ ‬الياباني‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬آلية‭ ‬واسعة،‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬هبوط‭ ‬مؤشر‭ ‬نيكاي‭ ‬225‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬12‭ % ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهي‭ ‬أكبر‭ ‬خسارة‭ ‬يومية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1987‭.‬
ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬رغم‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬الأسواق،‭ ‬قد‭ ‬تزيد‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬عندما‭ ‬تعتمد‭ ‬الخوارزميات‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬تاريخية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬طبيعة‭ ‬الأزمات‭ ‬الجديدة‭.‬

الأزمة‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬قبلها
تكشف‭ ‬التجارب‭ ‬المالية‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬المخاطر‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬نسيان‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستكون‭ ‬نسخة‭ ‬منها‭. ‬فالأسواق‭ ‬تتغير‭ ‬باستمرار‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والتنظيمية،‭ ‬وتنتقل‭ ‬المخاطر‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬مالية‭ ‬جديدة‭. ‬لذلك‭ ‬تبقى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ‭ ‬ضرورة،‭ ‬لكن‭ ‬النجاح‭ ‬الاستثماري‭ ‬يتطلب‭ ‬أيضاً‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يكرر‭ ‬الماضي‭ ‬بحذافيره،‭ ‬وأن‭ ‬أخطر‭ ‬القرارات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬ذاكرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتغير‭ ‬باستمرار‭.‬

رجوع لأعلى