ذهب 2026.. تقلبات تاريخية تعصف بالمعدن الأصفر
شهدت أسواق الذهب العالمية خلال الربع الأول من عام 2026 واحدة من أكثر الفترات تقلباً في تاريخ المعدن الأصفر، بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة قبل أن تتعرض لضغوط حادة نتيجة الحرب الإيرانية والتحولات العنيفة في الأسواق المالية العالمية.
ووصل الذهب إلى ذروته التاريخية في نهاية يناير الماضي عند نحو 5600 دولار للأونصة، مدفوعاً بموجة شراء ضخمة من المستثمرين والبنوك المركزية وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتزايد المخاوف من اضطرابات اقتصادية عالمية واسعة.
لكن هذه القفزة لم تستمر طويلاً، إذ بدأت الأسعار بالتراجع التدريجي مع زيادة عمليات جني الأرباح وتصفيات المراكز الاستثمارية، قبل أن تتعرض الأسواق لمزيد من الضغوط مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، ليتداول الذهب لاحقاً قرب منطقة 4600 دولار للأونصة.
ورغم هذا التراجع الكبير من القمة التاريخية، لا تزال الأسعار عند مستويات مرتفعة تاريخياً، فيما يواصل المستثمرون والبنوك المركزية التعامل مع الذهب باعتباره أهم ملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين العالمية.
قفزة تاريخية
أظهرت بيانات الربع الأول من العام الحالي استمرار قوة الطلب العالمي على الذهب، رغم الارتفاعات القياسية للأسعار والتقلبات العنيفة في الأسواق.
وبلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب نحو 1231 طناً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، بزيادة بلغت 2 % على أساس سنوي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم تسجيل تراجع بنحو 6 % مقارنة بالربع الأخير من 2025، فإن الارتفاع الضخم في الأسعار أدى إلى قفزة هائلة في القيمة الإجمالية للطلب.
ووصلت قيمة الطلب الفصلي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 193 مليار دولار، بزيادة تقدر بنحو 74% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر يعكس الحجم الاستثنائي للتدفقات المالية نحو المعدن النفيس.
ويرى محللون أن هذه الأرقام تؤكد أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته التاريخية كأداة تحوط رئيسية ضد المخاطر الاقتصادية والاضطرابات السياسية والتضخم العالمي.
آسيا تقود السوق
برز المستثمرون الآسيويون باعتبارهم القوة الرئيسية المحركة لأسواق الذهب خلال الربع الأول من العام.
وشهدت الأسواق الآسيوية إقبالاً قوياً على شراء السبائك والعملات الذهبية وصناديق الاستثمار المدعومة بالمعدن الأصفر، خصوصاً في الصين والهند وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا.
وجاء هذا الإقبال مدفوعاً بمزيج من العوامل، أبرزها المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتقلبات العملات، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إضافة إلى تراجع الثقة في بعض الأصول التقليدية.
كما ساهمت التقلبات الحادة في أسواق الأسهم والسندات في تعزيز جاذبية الذهب كأداة لحفظ القيمة، خصوصاً لدى المستثمرين الأفراد في آسيا الذين يُعرفون تاريخياً بإقبالهم الكبير على المعدن النفيس خلال فترات الأزمات.
ويرى مراقبون أن التحول الآسيوي نحو الذهب أصبح أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنامي المخاوف من هيمنة الدولار والتوترات التجارية والجيوسياسية العالمية.
البنوك المركزية
واصلت البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطياتها من الذهب بوتيرة قوية خلال الربع الأول من العام الحالي، رغم ارتفاع الأسعار إلى مستويات تاريخية.
وارتفع إجمالي مشتريات البنوك المركزية بنحو 3 % على أساس سنوي، فيما قفزت بنحو 17 % مقارنة بالربع السابق، في إشارة إلى استمرار توجه السلطات النقدية العالمية نحو زيادة حيازاتها من المعدن الأصفر.
ويأتي هذا التوسع ضمن استراتيجية أوسع تتبعها بنوك مركزية عديدة لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وتنويع الاحتياطيات الرسمية في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والعقوبات الجيوسياسية.
لكن في المقابل، اضطرت بعض البنوك المركزية إلى بيع جزء من احتياطياتها الذهبية لدعم عملاتها المحلية وتمويل احتياجات الأسواق الداخلية، خصوصاً في الدول المتأثرة بشكل مباشر بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.
ورغم عمليات البيع المحدودة، فإن الاتجاه العام للبنوك المركزية لا يزال يميل بقوة نحو زيادة الاحتفاظ بالذهب باعتباره أحد أهم أصول الأمان والسيولة في أوقات الأزمات.
هيمنة السبائك
استحوذت السبائك والمشغولات الذهبية على الحصة الأكبر من الطلب العالمي خلال الربع الأول من العام الحالي، متفوقة على مختلف أشكال الطلب الأخرى.
ويعكس ذلك استمرار الإقبال التقليدي على الذهب المادي، سواء لأغراض الادخار أو الاستثمار أو الحماية من التضخم وتقلبات العملات.
كما حافظت مشتريات البنوك المركزية على موقعها كأحد أهم مصادر الطلب العالمي، بينما استمرت صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب في جذب تدفقات مالية قوية خلال فترات التقلبات.
ويرى خبراء أن تنوع مصادر الطلب يمنح سوق الذهب قوة إضافية مقارنة ببعض الأصول الأخرى التي تعتمد بصورة أكبر على المضاربات قصيرة الأجل.
كما ساعدت المخاوف المرتبطة بالحرب الإيرانية واضطرابات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة في تعزيز الإقبال العالمي على المعدن الأصفر.
ضغوط الحرب
رغم استمرار الطلب القوي، تعرض الذهب خلال الأسابيع الأخيرة لضغوط ملحوظة نتيجة التحولات التي فرضتها الحرب الإيرانية على الأسواق العالمية.
فمع ارتفاع أسعار النفط والطاقة بصورة حادة، بدأت بعض المؤسسات الاستثمارية في تصفية مراكزها بالذهب لتغطية خسائر أو توفير السيولة اللازمة للتعامل مع تقلبات الأسواق الأخرى.
كما أدت موجات البيع في أسواق الأسهم والسندات إلى زيادة الضغوط قصيرة الأجل على المعدن النفيس، رغم بقائه أحد أهم أدوات التحوط عالمياً.
ويرى محللون أن الحرب ساهمت في خلق معادلة معقدة داخل الأسواق، إذ دعمت المخاطر الجيوسياسية الطلب على الذهب من جهة، لكنها دفعت بعض المستثمرين إلى البيع لتأمين السيولة من جهة أخرى.
كذلك ساهم ارتفاع عوائد السندات الأميركية وتقلبات الدولار في زيادة التذبذب داخل أسواق المعادن الثمينة.
الملاذ الآمن
رغم الضغوط الأخيرة، لا يزال الذهب يُنظر إليه باعتباره الملاذ الآمن الأبرز في فترات عدم اليقين العالمي.
فالتوترات العسكرية في الشرق الأوسط، والمخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي، واستمرار الضغوط التضخمية، كلها عوامل تعزز مكانة الذهب داخل المحافظ الاستثمارية.
كما أن تنامي المخاطر المتعلقة بالديون العالمية والتوترات الجيوسياسية يدفع عدداً متزايداً من المستثمرين والحكومات إلى زيادة حيازاتهم من المعدن النفيس.
ويرى خبراء أن الذهب بات يؤدي دوراً مزدوجاً، فهو من جهة أداة تحوط ضد التضخم وتقلبات العملات، ومن جهة أخرى وسيلة لحماية الثروات خلال فترات الأزمات الجيوسياسية الحادة.