راتبك قد يكون أكبر مخاطر محفظتك
قد ينظر مستثمر شاب إلى محفظته في تطبيق التداول ويرى صندوق مؤشرات وعدداً من الأسهم والذهب، ويعتقد أنه نجح في بناء محفظة متنوعة لا تستطيع شركة واحدة إلحاق ضرر كبير بها. لكن هذا التصور يغفل أصلاً قد يفوق قيمة جميع استثماراته المالية، ولا يظهر أساساً على شاشة التطبيق: دخله المستقبلي أو ما يعرف اقتصادياً بـ«رأس المال البشري».
وتتضح المشكلة بصورة أكبر لدى شاب يعمل مثلاً مهندساً في شركة تكنولوجيا، ويحصل منها على راتب ومكافأة وأسهم ضمن حزمة التعويضات، ثم يوجه مدخراته إلى شركات التكنولوجيا لأنه يعرف القطاع جيداً. ظاهرياً يمتلك مصادر مختلفة للثروة، لكن معظمها قد يتأثر بالعامل الاقتصادي نفسه، وبالتالي ربما يكون قد كرر الرهان ذاته عدة مرات بدلاً من تنويعه.
رأس المال
يقصد برأس المال البشري القيمة الاقتصادية للدخل المتوقع أن يحققه الفرد خلال سنوات عمله المقبلة. ويمكن لحسبة تقريبية أن تكشف ضخامة هذا الأصل؛ فشخص يبلغ 25 عاماً ويحصل على 180 ألف ريال سنوياً ويتوقع العمل 40 عاماً أخرى، مع نمو حقيقي لدخله 1.5 % سنوياً واستخدام معدل خصم 4 %، قد تقترب القيمة الحالية الميكانيكية لدخله المستقبلي من 4.5 ملايين ريال.
ولا يعني ذلك امتلاكه فعلياً 4.5 ملايين ريال؛ فالدخل المستقبلي لا يمكن بيعه مثل الأسهم، كما أن الحسبة تتغير باختلاف الضرائب والبطالة والانقطاعات المهنية ونمو الأجور. لكنها توضح مفارقة مهمة: مستثمر يمتلك 100 ألف ريال في حساب التداول قد يقضي ساعات في ضبط توزيع هذا الأصل الصغير، بينما يتجاهل أصلاً اقتصادياً أكبر بعشرات المرات.
ومن هنا يتغير السؤال من «كم أمتلك من الأسهم؟» إلى «ما طبيعة دخلي المستقبلي؟». فالموظف صاحب الوظيفة المستقرة والدخل قليل الارتباط بحركة البورصة يمتلك رأس مال بشرياً يشبه، بتبسيط شديد، سنداً طويل الأجل. أما مؤسس الشركة الناشئة، الذي تعتمد وظيفته ودخله وثروته على مشروع واحد، فرأس ماله البشري أقرب إلى سهم شديد التقلب ومتركز في شركة واحدة.
بيتا الراتب
وفي المنتصف يوجد الموظف الذي يحصل على راتب ومكافآت وأسهم من شركة مدرجة، إذ تجمع ثروته المستقبلية خصائص من الأسهم والسندات. وهنا تصبح حساسية الدخل للظروف الاقتصادية أكثر أهمية من العمر وحده عند التفكير في القدرة على تحمل المخاطر.
وفي عالم الاستثمار تستخدم «بيتا» لقياس حساسية الأصل لتحركات السوق، فيما تتناول الأدبيات الاقتصادية مفاهيم مثل «بيتا رأس المال البشري» لمحاولة قياس العلاقة بين دخل الفرد وصدمات السوق والاقتصاد. ولا يعني ذلك إمكانية استخراج رقم دقيق للراتب ووضع نسبة مثالية للأسهم مقابله، لأن دخل العمل أكثر تعقيداً بكثير من أصل مالي متداول.
والسؤال الأهم هو: ماذا يحدث لدخلك عندما تنهار السوق؟ فإذا كان المستثمر يعمل في التكنولوجيا، ويحصل على أسهم ومكافأة من شركته، ويملك في الوقت نفسه محفظة تتركز في شركات التكنولوجيا، فإن هبوط القطاع قد يخفض استثماراته وقيمة أسهم شركته ومكافأته وفرص ترقيته أو انتقاله إلى وظيفة أفضل في اللحظة نفسها.
وهنا تظهر مشكلة «التنويع الوهمي». فامتلاك 20 سهماً في شركات برمجيات ورقائق وحوسبة سحابية قد يقلل مخاطر انهيار شركة واحدة، لكنه لا يلغي المخاطر المشتركة المتعلقة بالتكنولوجيا أو أسعار الفائدة أو شهية المستثمرين لأسهم النمو. وإذا كان راتب المستثمر مرتبطاً بالقطاع نفسه، فإن تركيز المخاطر يصبح أكبر مما توحي به شاشة حسابه الاستثماري.
أدلة واقعية
ولا تقتصر الفكرة على النظريات المالية. فقد استخدمت دراسة نشرت في «Journal of Financial Economics» عام 2024 فروق القبول الجامعي في الدنمارك لدراسة أفراد متشابهين انتهوا إلى تخصصات تختلف في درجة مخاطر الدخل المستقبلية. ووجد الباحثان أن ارتفاع مخاطر الدخل دفع الأفراد إلى الابتعاد عن الأسهم، وانخفض احتمال المشاركة في سوق الأسهم في الحالة التي درساها من نحو 28% إلى 21.5%.
وأظهرت أبحاث في السويد نتيجة متقاربة، إذ مال العاملون الذين تصبح دخولهم أكثر عرضة للنتائج السلبية عندما تهبط الأسواق إلى الاحتفاظ بنسبة أقل من ثرواتهم في الأسهم، وكان التأثير أكثر وضوحاً عندما يمثل رأس المال البشري حصة كبيرة من إجمالي ثروتهم. ولا تثبت هذه النتائج وجود توزيع مثالي واحد، لكنها تؤكد أن مخاطر الوظيفة ومخاطر المحفظة المالية لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما عالمين منفصلين.
جيل زد يعيد تعريف التنويع
تزداد أهمية هذه الفكرة بالنسبة إلى «جيل زد» الذي دخل أسواق المال في سن أبكر من أجيال عديدة سبقته. ففي مسح أجرته هيئة تنظيم القطاع المالي الأميركية «FINRA» بالتعاون مع معهد «CFA»، أفاد ربع المستثمرين الأميركيين من الجيل بأنهم بدأوا الاستثمار قبل بلوغ الثامنة عشرة، ما يعني امتلاكهم سنوات طويلة من رأس المال البشري المستقبلي بالتزامن مع بداية تكوين محافظهم المالية.
وتكمن المفارقة في أن تطبيق التداول يستطيع عرض كل سهم وصندوق وربح وخسارة وتوزيع قطاعي بدقة، لكنه لا يضع بجوارها سنوات العمل المقبلة التي قد تكون أكبر أصول المستثمر الشاب. ولا يعني ذلك أن موظف التكنولوجيا ينبغي أن يتجنب أسهم التكنولوجيا، أو أن المهنة تفرض تلقائياً نسبة محددة للاستثمار في الأسهم، وإنما يعني أن قياس التنويع بعدد الشركات وحده قد يعطي صورة مضللة. فالسؤال الأكثر أهمية ليس فقط: كم شركة أمتلك؟ بل كم مصدراً مختلفاً للمخاطر أمتلك؟ وقبل البحث عن الأصل الذي يمكن أن يصنع الثروة، قد يكون من المفيد تذكر أن أكبر أصل اقتصادي لدى المستثمر الشاب لا يظهر في تطبيق التداول أصلاً: قدرته المستقبلية على العمل وتحقيق الدخل.