عوائد السندات تهدد مكاسب الذهب القياسية
تراجعت أسعار الذهب بشكل طفيف في تعاملات الخميس، مع تحول أنظار المستثمرين مجدداً إلى مسار السياسة النقدية الأميركية، بعدما عززت قوة الاقتصاد وضغوط التضخم التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يرفع أسعار الفائدة للمرة الثانية على التوالي في اجتماعه المقبل، وهو ما فرض ضغوطاً على المعدن النفيس رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.3 % إلى 4274.79 دولار للأوقية بحلول الساعة 07:02 بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر 0.2 % إلى 4309.80 دولار، لتبقى الأسعار رغم الانخفاض عند مستويات مرتفعة تاريخياً، وسط حالة من الترقب بشأن الاتجاه القادم للدولار وعوائد سندات الخزانة.
معادلة الفائدة
ويواجه الذهب معادلة أكثر تعقيداً بعد رفع الفيدرالي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، إذ انتقل اهتمام المستثمرين من قرار الزيادة نفسه إلى احتمال استمرار دورة التشديد النقدي لفترة أطول مما كان متوقعاً، خصوصاً إذا ظلت مؤشرات النشاط الاقتصادي والتضخم قوية.
وقال كبير محللي الاستراتيجيات لدى «في.تي ماركتس» روس ماكسويل إن المستثمرين يركزون حالياً على توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، إلى جانب تقلبات الدولار وعوائد سندات الخزانة وتطورات الشرق الأوسط المرتبطة بمخاطر إمدادات النفط والطاقة.
وتزداد حساسية الذهب لأي تغيير في توقعات الفائدة لأنه أصل لا يدر عائداً، وبالتالي ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به عندما تقدم السندات والأدوات المالية الأخرى عوائد أعلى. ويرى ماكسويل أن ظهور إشارات أكثر وضوحاً إلى زيادة جديدة في أسعار الفائدة سيشكل ضغطاً إضافياً على المعدن ويدفعه نحو الانخفاض.
وتزايدت رهانات المتعاملين على تشديد السياسة النقدية للمرة الثانية على التوالي في أواخر أكتوبر، مع ظهور مؤشرات على تحسن الاقتصاد الأميركي واستمرار الضغوط السعرية، ما يعيد تشكيل البيئة التي دفعت الذهب سابقاً إلى مستويات قياسية.
تضخم مزدوج
لكن الصورة ليست سلبية بالكامل بالنسبة إلى المعدن النفيس، إذ تأتي توقعات ارتفاع الفائدة بالتزامن مع زيادة أسعار النفط والمخاطر الجيوسياسية، وهما عاملان يمكن أن يعززا الطلب على الذهب باعتباره أداة للتحوط من التضخم وعدم اليقين.
وواصل النفط مكاسبه بعد ارتفاعه نحو 4 % في الجلسة السابقة، في ظل غياب مؤشرات ملموسة على تحقيق تقدم في المحادثات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. ويعني استمرار أسعار الطاقة المرتفعة احتمال انتقال المزيد من الضغوط إلى تكاليف النقل والإنتاج والأسعار، بما قد يبقي التضخم الأميركي مرتفعاً لفترة أطول.
وهنا تظهر المفارقة التي تحكم حركة الذهب حالياً؛ فارتفاع التضخم يدعم عادة الطلب عليه باعتباره مخزناً للقيمة، لكن إذا دفع التضخم الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة وعوائد السندات، فإن النتيجة قد تتحول إلى عامل معاكس يضغط على المعدن.
وعززت بيانات صدرت الأربعاء هذه المعادلة، بعدما تسارع النشاط التجاري في الولايات المتحدة خلال سبتمبر إلى أعلى مستوى له في أكثر من خمس سنوات، في وقت أدى فيه الطلب القوي إلى زيادة الضغوط على سلاسل التوريد ورفع الأسعار. وتعني قوة النشاط أن الاقتصاد يمتلك قدرة أكبر على تحمل تشديد نقدي إضافي، وهو ما يزيد صعوبة الرهان على عودة سريعة إلى أسعار فائدة منخفضة.
اتجاه ضبابي
وتشير توقعات المحللين إلى أن الذهب قد يدخل مرحلة من التحركات المتقلبة بدلاً من استمرار الصعود القوي في اتجاه واحد، مع توازن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة أمام المخاطر التضخمية والجيوسياسية.
وقالت المحللة الاقتصادية لدى «إنتيزا سان باولو» دانييلا كورسيني إن السيناريو الأساسي للمؤسسة يشير إلى افتقار المعادن النفيسة إلى اتجاه واضح، مع بقاء التقلبات عند مستويات مرتفعة، متوقعة أن يستمر تداول الذهب لعدة أرباع بالقرب من متوسط 4200 دولار للأوقية.
ويعكس هذا التوقع تحولاً في طبيعة المحركات التي تتحكم في المعدن، إذ لم تعد المخاطر الجيوسياسية وحدها كافية لتحديد اتجاهه، في ظل منافسة قوية من عوائد السندات وتأثير الدولار والتوقعات المتعلقة بقرارات الفيدرالي.
وامتدت الضغوط إلى معظم المعادن النفيسة، إذ انخفضت الفضة في المعاملات الفورية 0.8 % إلى 63.94 دولار للأوقية، وتراجـع البلاتيـن 0.2 % إلى 1746.02 دولار، بينما خالف البلاديوم الاتجاه وارتفع 0.4 % إلى 1265.51 دولار.
الذهب بين التضخم والعوائد
وتضع التطورات الحالية الذهب بين قوتين متعاكستين؛ فمن جهة تدعمه أسعار النفط المرتفعة ومخاطر الشرق الأوسط واستمرار التضخم، ومن جهة أخرى تضغط عليه احتمالات رفع الفائدة وصعود عوائد سندات الخزانة. ومع تداول المعدن بالقرب من 4200 دولار أو أعلى، قد يصبح اتجاه السياسة النقدية الأميركية العامل الأكثر حسماً خلال الفترة المقبلة، خصوصاً أن أي زيادة جديدة للفائدة ستعزز جاذبية الأصول المدرة للعائد. وفي المقابل، فإن استمرار اضطرابات الطاقة أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية يمكن أن يحافظ على الطلب الدفاعي على الذهب، ما يرجح بقاء التقلبات مرتفعة مع صعوبة تكوين اتجاه واضح ومستدام للأسعار.t