كانتونات سويسرا تتنافس على ضرائب الأثرياء
في الوقت الذي تتسابق فيه دول أوروبية على استقطاب أثرياء العالم ورؤوس الأموال المتنقلة، تقدم سويسرا نموذجاً مختلفاً للمنافسة، بعدما حول نظامها الفيدرالي شديد اللامركزية الكانتونات إلى متنافسين على الشركات والأفراد ذوي الدخول والثروات المرتفعة. وعلى مدى عقود، اختبرت البلاد عملياً معضلة تواجه حكومات كثيرة اليوم: إلى أي مدى يمكن خفض الضرائب أو تقديم الحوافز لجذب الاستثمار، ومتى تتحول التخفيضات إلى تكلفة تفوق المكاسب المتوقعة؟
وتمنح سويسرا كانتوناتها الـ26 صلاحيات واسعة في تحديد الضرائب، فيما تملك البلديات بدورها مساحة لتحديد معدلاتها، لتنشأ داخل دولة يبلغ عدد سكانها نحو 9 ملايين نسمة منافسة تشبه ما يجري بين الدول لاستقطاب رؤوس الأموال. ولا تتوقف المنافسة عند الشركات، بل تشمل الأثرياء الذين يمكن أن يغير انتقالهم من كانتون إلى آخر حصيلة الإيرادات المحلية، حتى إن النزاع حول مقر الإقامة الضريبي قد يصل إلى المحاكم لتحديد الجهة التي يحق لها تحصيل الضريبة.
سباق الضرائب
وتكشف الأرقام مدى اتساع المنافسة، إذ انتزع كانتون «لوسيرن» هذا العام بفارق ضئيل موقع الكانتون الأقل عبئاً ضريبياً على الشركات من «تسوج»، بعدما بلغ المعدل 11.66 % مقابل 11.71 % في تسوج. ويبرز الفارق بصورة أوضح عند المقارنة بزيوريخ، حيث يدور المعدل حول 19 %، فيما يبلغ نحو 14 % في جنيف، ما يمنح الشركات سبباً مالياً واضحاً لدراسة موقع مقراتها وأنشطتها داخل البلاد.
وتنعكس هذه الفروق على قرارات الشركات الكبرى، خصوصاً عندما تترافق الضرائب المنخفضة مع بنية تحتية متطورة وقرب جغرافي من المراكز المالية الرئيسية. ولذلك لا تحتاج الشركات التي تنتقل من زيوريخ إلى تسوج إلى التضحية بالوصول إلى أكبر مركز اقتصادي سويسري، إذ تبعد منطقة «بار» في تسوج أكثر بقليل من 20 دقيقة بالقطار عن زيوريخ.
جذب الأثرياء
وتزداد الفوارق اتساعاً عندما يتعلق الأمر بالأفراد ذوي الدخول المرتفعة، إذ يبلغ الحد الأقصى لمعدل ضريبة الدخل الشخصي نحو 22 % في تسوج، مقابل أكثر من 40 % في جنيف. وفي المقابل، برز كانتون «شفيتس» المجاور لزيوريخ بوصفه وجهة مفضلة للأثرياء، مستفيداً من تقديم بعض أدنى معدلات الضرائب الشخصية في سويسرا.
ولا تمثل هذه المعدلات مجرد أرقام بالنسبة إلى الكانتونات، لأن انتقال أصحاب الثروات الكبيرة يمكن أن يحمل معه إيرادات ضريبية مهمة وإنفاقاً محلياً واستثمارات جديدة. ومن هنا تشتد المنافسة إلى درجة دخولها الخطاب السياسي، إذ سخر هاينز تأنلر، مدير المالية في تسوج، من السياسات المتبعة في مدن تديرها قوى يسارية مثل زيوريخ، معتبراً أنها تدفع بعض الأثرياء بعيداً عنها، وبالتالي تصب بصورة غير مباشرة في مصلحة تسوج.
انتقال فونتوبر
وأعاد بنك «فونتوبر» الخاص المنافسة الضريبية إلى الواجهة، بعدما أعلن البنك، الذي يمتد تاريخه إلى 102 عام، عزمه نقل مقره الرئيسي وأكثر من 1500 موظف من زيوريخ إلى مجمع جديد في منطقة «بار» بكانتون تسوج بحلول عام 2030. وتشكل الخطوة ضربة رمزية واقتصادية لزيوريخ، التي ستفقد مقراً رئيسياً بارزاً وجزءاً من الوظائف والإيرادات الضريبية لمصلحة كانتون مجاور.
غير أن البنك يشدد على أن الضرائب لم تكن المحرك الرئيسي للقرار، موضحاً أن حاجته إلى تجميع موظفيه الموزعين حالياً على سبعة مبانٍ في زيوريخ كانت عاملاً أساسياً. وقدمت «بار» مجمعاً حديثاً ومساحات مناسبة للتوسع مستقبلاً إلى جانب شبكة نقل جيدة، ما يظهر أن قرار الموقع لا يعتمد على الضرائب وحدها، وإن كانت الفروق الضريبية تزيد جاذبية الانتقال.
ولا يعد «فونتوبر» الحالة الوحيدة، إذ أتمت مجموعة «إس جي إس» المتخصصة في الاختبارات والتفتيش هذا العام نقل مقرها من جنيف إلى «بار» في تسوج. وكانت الشركة قد أوضحت أن «القيمة المضافة» أو المزايا المالية المرتبطة بالانتقال إلى تسوج، بما يشمل الحوافز المقدمة، تصل إلى ضعف الفوائد التي كان يمكن تحقيقها من الانتقال إلى مكتب آخر داخل جنيف.
وتدرك جنيف بدورها مخاطر فقدان الشركات والأثرياء لمصلحة الكانتونات المنافسة، ولذلك شرعت في تعديل سياساتها الضريبية. ففي عام 2019 وافق الناخبون على إصلاح شامل لضرائب الشركات أدى إلى خفض كبير في المعدلات، كما أيدوا في عام 2024 خفض ضريبة الدخل الشخصي، في خطوات تستهدف تحسين القدرة التنافسية ومنع اتساع الفجوة مع المناطق الأقل ضريبة.
وتسعى جنيف حالياً إلى تحقيق مكسب جديد باستقطاب أنشطة مالية دولية، إذ تجري شركة «ميلينيوم مانيجمنت»، إحدى أكبر شركات صناديق التحوط عالمياً، محادثات مع الكانتون بشأن اتفاق ضريبي في إطار دراستها توسيع حضورها هناك. وتوضح هذه المحادثات كيف أصبحت الضرائب والحوافز جزءاً أساسياً من المنافسة بين المناطق السويسرية على المؤسسات المالية العالمية.
وفي المقابل، لا ترى زيوريخ أن انتقال بعض الشركات يعني وجود نزوح جماعي. ويشير دانييل ليوبي، مسؤول المالية في المدينة، إلى أن شركة واحدة فقط من بين أكبر 50 شركة دافعة للضرائب في زيوريخ انتقلت إلى كانتون ذي ضرائب أقل خلال العقد الماضي، في محاولة لوضع التحركات الأخيرة في إطارها وعدم اعتبارها تحولاً واسعاً يهدد المركز الاقتصادي للمدينة.
وتكشف حسابات زيوريخ حدود استخدام الضرائب سلاحاً لمواجهة المنافسين. ويقدر ليوبي أن خفض معدل ضريبة أرباح الشركات في المدينة من 7 % إلى 6 % سيؤدي إلى خسارة إيرادات تبلغ نحو 150 مليون فرنك سويسري، أي قرابة 183 مليون دولار. وتعويض هذا المبلغ يتطلب، وفق حساباته، جذب شركات توظف نحو 75 ألف شخص، وهو عدد يصعب على المدينة استيعابه في ظل محدودية المساحات المتاحة.
وهذه المعادلة توضح أن خفض الضرائب ليس بالضرورة قراراً مربحاً حتى عندما يؤدي إلى استقطاب شركات جديدة، لأن السلطات المحلية مطالبة بموازنة الإيرادات المفقودة مع النشاط الاقتصادي الإضافي المتوقع. كما أن وصول مزيد من الشركات والموظفين يرفع الحاجة إلى المساكن والنقل والخدمات والبنية التحتية، وهي تكاليف تدخل بدورها في حساب الجدوى الاقتصادية.
منافسة داخلية
وتبرز هنا خصوصية النموذج السويسري، فخسارة زيوريخ شركة تنتقل إلى تسوج تمثل تراجعاً في الإيرادات والوظائف المسجلة داخل الكانتون، لكنها لا تعني بالضرورة خسارة مماثلة للاقتصاد السويسري ككل. فالشركة تبقى داخل البلاد، وموظفوها واستثماراتها وإنفاقها يستمرون ضمن الاقتصاد الوطني، فيما تنتقل المكاسب من منطقة إلى أخرى بدلاً من خروجها إلى دولة منافسة.
كما أن المسافات القصيرة وشبكة المواصلات تجعل الحدود بين الكانتونات أقل تأثيراً في حركة العمال. فانتقال مقر شركة من زيوريخ إلى «بار» لا يفرض بالضرورة انتقال جميع موظفيها إلى مساكن جديدة، ما يسمح للشركات بالاستفادة من البيئة الضريبية في كانتون مع الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى سوق العمل والخدمات الموجودة في كانتون آخر.
وتؤدي المنافسة الداخلية أيضاً وظيفة ضغط مستمرة على الحكومات المحلية لتحسين مزيج الضرائب والخدمات والبنية التحتية. فالكانتون الذي يرفع العبء بصورة كبيرة يخاطر بخسارة جزء من قاعدته الضريبية، بينما لا يستطيع الكانتون منخفض الضرائب الاعتماد على المعدلات وحدها إذا لم يقدم للشركات بيئة عمل ومواصلات ومساحات ومهارات بشرية مناسبة.
ولهذا تتحول المنافسة السويسرية إلى تجربة اقتصادية مصغرة لما تواجهه الدول على نطاق عالمي. فالشركات والأثرياء يقارنون بين الضرائب والخدمات والاستقرار وسهولة ممارسة الأعمال، بينما تحاول الحكومات الوصول إلى نقطة توازن تحافظ فيها على إيرادات كافية لتمويل الخدمات من دون جعل نفسها أقل جاذبية لرؤوس الأموال المتنقلة.