تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كانتونات‭ ‬سويسرا‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬ضرائب‭ ‬الأثرياء

كانتونات‭ ‬سويسرا‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬ضرائب‭ ‬الأثرياء

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتسابق‭ ‬فيه‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬أثرياء‭ ‬العالم‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬المتنقلة،‭ ‬تقدم‭ ‬سويسرا‭ ‬نموذجاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬للمنافسة،‭ ‬بعدما‭ ‬حول‭ ‬نظامها‭ ‬الفيدرالي‭ ‬شديد‭ ‬اللامركزية‭ ‬الكانتونات‭ ‬إلى‭ ‬متنافسين‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬والأفراد‭ ‬ذوي‭ ‬الدخول‭ ‬والثروات‭ ‬المرتفعة‭. ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬اختبرت‭ ‬البلاد‭ ‬عملياً‭ ‬معضلة‭ ‬تواجه‭ ‬حكومات‭ ‬كثيرة‭ ‬اليوم‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬خفض‭ ‬الضرائب‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬الحوافز‭ ‬لجذب‭ ‬الاستثمار،‭ ‬ومتى‭ ‬تتحول‭ ‬التخفيضات‭ ‬إلى‭ ‬تكلفة‭ ‬تفوق‭ ‬المكاسب‭ ‬المتوقعة؟
وتمنح‭ ‬سويسرا‭ ‬كانتوناتها‭ ‬الـ26‭ ‬صلاحيات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الضرائب،‭ ‬فيما‭ ‬تملك‭ ‬البلديات‭ ‬بدورها‭ ‬مساحة‭ ‬لتحديد‭ ‬معدلاتها،‭ ‬لتنشأ‭ ‬داخل‭ ‬دولة‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬نحو‭ ‬9‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬منافسة‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬لاستقطاب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭. ‬ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬المنافسة‭ ‬عند‭ ‬الشركات،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬الأثرياء‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬انتقالهم‭ ‬من‭ ‬كانتون‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬حصيلة‭ ‬الإيرادات‭ ‬المحلية،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬النزاع‭ ‬حول‭ ‬مقر‭ ‬الإقامة‭ ‬الضريبي‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المحاكم‭ ‬لتحديد‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬يحق‭ ‬لها‭ ‬تحصيل‭ ‬الضريبة‭.‬

سباق‭ ‬الضرائب
وتكشف‭ ‬الأرقام‭ ‬مدى‭ ‬اتساع‭ ‬المنافسة،‭ ‬إذ‭ ‬انتزع‭ ‬كانتون‭ ‬‮«‬لوسيرن‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بفارق‭ ‬ضئيل‭ ‬موقع‭ ‬الكانتون‭ ‬الأقل‭ ‬عبئاً‭ ‬ضريبياً‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬‮«‬تسوج‮»‬،‭ ‬بعدما‭ ‬بلغ‭ ‬المعدل‭ ‬11‭.‬66‭ % ‬مقابل‭ ‬11‭.‬71‭ % ‬في‭ ‬تسوج‭. ‬ويبرز‭ ‬الفارق‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬عند‭ ‬المقارنة‭ ‬بزيوريخ،‭ ‬حيث‭ ‬يدور‭ ‬المعدل‭ ‬حول‭ ‬19‭ %‬،‭ ‬فيما‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬14‭ % ‬في‭ ‬جنيف،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الشركات‭ ‬سبباً‭ ‬مالياً‭ ‬واضحاً‭ ‬لدراسة‭ ‬موقع‭ ‬مقراتها‭ ‬وأنشطتها‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭.‬
وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الفروق‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تترافق‭ ‬الضرائب‭ ‬المنخفضة‭ ‬مع‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬متطورة‭ ‬وقرب‭ ‬جغرافي‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬المالية‭ ‬الرئيسية‭. ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬زيوريخ‭ ‬إلى‭ ‬تسوج‭ ‬إلى‭ ‬التضحية‭ ‬بالوصول‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬مركز‭ ‬اقتصادي‭ ‬سويسري،‭ ‬إذ‭ ‬تبعد‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬بار‮»‬‭ ‬في‭ ‬تسوج‭ ‬أكثر‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬دقيقة‭ ‬بالقطار‭ ‬عن‭ ‬زيوريخ‭.‬
جذب‭ ‬الأثرياء

وتزداد‭ ‬الفوارق‭ ‬اتساعاً‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالأفراد‭ ‬ذوي‭ ‬الدخول‭ ‬المرتفعة،‭ ‬إذ‭ ‬يبلغ‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬لمعدل‭ ‬ضريبة‭ ‬الدخل‭ ‬الشخصي‭ ‬نحو‭ ‬22‭ % ‬في‭ ‬تسوج،‭ ‬مقابل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ %‬‭ ‬في‭ ‬جنيف‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬برز‭ ‬كانتون‭ ‬‮«‬شفيتس‮»‬‭ ‬المجاور‭ ‬لزيوريخ‭ ‬بوصفه‭ ‬وجهة‭ ‬مفضلة‭ ‬للأثرياء،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬بعض‭ ‬أدنى‭ ‬معدلات‭ ‬الضرائب‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭.‬
ولا‭ ‬تمثل‭ ‬هذه‭ ‬المعدلات‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكانتونات،‭ ‬لأن‭ ‬انتقال‭ ‬أصحاب‭ ‬الثروات‭ ‬الكبيرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬إيرادات‭ ‬ضريبية‭ ‬مهمة‭ ‬وإنفاقاً‭ ‬محلياً‭ ‬واستثمارات‭ ‬جديدة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تشتد‭ ‬المنافسة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬دخولها‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬إذ‭ ‬سخر‭ ‬هاينز‭ ‬تأنلر،‭ ‬مدير‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تسوج،‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬المتبعة‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬تديرها‭ ‬قوى‭ ‬يسارية‭ ‬مثل‭ ‬زيوريخ،‭ ‬معتبراً‭ ‬أنها‭ ‬تدفع‭ ‬بعض‭ ‬الأثرياء‭ ‬بعيداً‭ ‬عنها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تصب‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬تسوج‭.‬

انتقال‭ ‬فونتوبر
وأعاد‭ ‬بنك‭ ‬‮«‬فونتوبر‮»‬‭ ‬الخاص‭ ‬المنافسة‭ ‬الضريبية‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬بعدما‭ ‬أعلن‭ ‬البنك،‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬تاريخه‭ ‬إلى‭ ‬102‭ ‬عام،‭ ‬عزمه‭ ‬نقل‭ ‬مقره‭ ‬الرئيسي‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬1500‭ ‬موظف‭ ‬من‭ ‬زيوريخ‭ ‬إلى‭ ‬مجمع‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬بار‮»‬‭ ‬بكانتون‭ ‬تسوج‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030‭. ‬وتشكل‭ ‬الخطوة‭ ‬ضربة‭ ‬رمزية‭ ‬واقتصادية‭ ‬لزيوريخ،‭ ‬التي‭ ‬ستفقد‭ ‬مقراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬بارزاً‭ ‬وجزءاً‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬والإيرادات‭ ‬الضريبية‭ ‬لمصلحة‭ ‬كانتون‭ ‬مجاور‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬البنك‭ ‬يشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الضرائب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬للقرار،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬تجميع‭ ‬موظفيه‭ ‬الموزعين‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬سبعة‭ ‬مبانٍ‭ ‬في‭ ‬زيوريخ‭ ‬كانت‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭. ‬وقدمت‭ ‬‮«‬بار‮»‬‭ ‬مجمعاً‭ ‬حديثاً‭ ‬ومساحات‭ ‬مناسبة‭ ‬للتوسع‭ ‬مستقبلاً‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شبكة‭ ‬نقل‭ ‬جيدة،‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬الموقع‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬وحدها،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الفروق‭ ‬الضريبية‭ ‬تزيد‭ ‬جاذبية‭ ‬الانتقال‭.‬
ولا‭ ‬يعد‭ ‬‮«‬فونتوبر‮»‬‭ ‬الحالة‭ ‬الوحيدة،‭ ‬إذ‭ ‬أتمت‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬إس‭ ‬جي‭ ‬إس‮»‬‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬الاختبارات‭ ‬والتفتيش‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬نقل‭ ‬مقرها‭ ‬من‭ ‬جنيف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بار‮»‬‭ ‬في‭ ‬تسوج‭. ‬وكانت‭ ‬الشركة‭ ‬قد‭ ‬أوضحت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬القيمة‭ ‬المضافة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬المزايا‭ ‬المالية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬تسوج،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الحوافز‭ ‬المقدمة،‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الفوائد‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقها‭ ‬من‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مكتب‭ ‬آخر‭ ‬داخل‭ ‬جنيف‭.‬
وتدرك‭ ‬جنيف‭ ‬بدورها‭ ‬مخاطر‭ ‬فقدان‭ ‬الشركات‭ ‬والأثرياء‭ ‬لمصلحة‭ ‬الكانتونات‭ ‬المنافسة،‭ ‬ولذلك‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬سياساتها‭ ‬الضريبية‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬وافق‭ ‬الناخبون‭ ‬على‭ ‬إصلاح‭ ‬شامل‭ ‬لضرائب‭ ‬الشركات‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المعدلات،‭ ‬كما‭ ‬أيدوا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬خفض‭ ‬ضريبة‭ ‬الدخل‭ ‬الشخصي،‭ ‬في‭ ‬خطوات‭ ‬تستهدف‭ ‬تحسين‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬ومنع‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬المناطق‭ ‬الأقل‭ ‬ضريبة‭.‬
وتسعى‭ ‬جنيف‭ ‬حالياً‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكسب‭ ‬جديد‭ ‬باستقطاب‭ ‬أنشطة‭ ‬مالية‭ ‬دولية،‭ ‬إذ‭ ‬تجري‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬ميلينيوم‭ ‬مانيجمنت‮»‬،‭ ‬إحدى‭ ‬أكبر‭ ‬شركات‭ ‬صناديق‭ ‬التحوط‭ ‬عالمياً،‭ ‬محادثات‭ ‬مع‭ ‬الكانتون‭ ‬بشأن‭ ‬اتفاق‭ ‬ضريبي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬دراستها‭ ‬توسيع‭ ‬حضورها‭ ‬هناك‭. ‬وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬المحادثات‭ ‬كيف‭ ‬أصبحت‭ ‬الضرائب‭ ‬والحوافز‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬السويسرية‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬زيوريخ‭ ‬أن‭ ‬انتقال‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬نزوح‭ ‬جماعي‭. ‬ويشير‭ ‬دانييل‭ ‬ليوبي،‭ ‬مسؤول‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شركة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬50‭ ‬شركة‭ ‬دافعة‭ ‬للضرائب‭ ‬في‭ ‬زيوريخ‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬كانتون‭ ‬ذي‭ ‬ضرائب‭ ‬أقل‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لوضع‭ ‬التحركات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬وعدم‭ ‬اعتبارها‭ ‬تحولاً‭ ‬واسعاً‭ ‬يهدد‭ ‬المركز‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للمدينة‭.‬
وتكشف‭ ‬حسابات‭ ‬زيوريخ‭ ‬حدود‭ ‬استخدام‭ ‬الضرائب‭ ‬سلاحاً‭ ‬لمواجهة‭ ‬المنافسين‭. ‬ويقدر‭ ‬ليوبي‭ ‬أن‭ ‬خفض‭ ‬معدل‭ ‬ضريبة‭ ‬أرباح‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬7‭ % ‬إلى‭ ‬6‭ % ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خسارة‭ ‬إيرادات‭ ‬تبلغ‭ ‬نحو‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬فرنك‭ ‬سويسري،‭ ‬أي‭ ‬قرابة‭ ‬183‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭. ‬وتعويض‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬يتطلب،‭ ‬وفق‭ ‬حساباته،‭ ‬جذب‭ ‬شركات‭ ‬توظف‭ ‬نحو‭ ‬75‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬وهو‭ ‬عدد‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬استيعابه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬المساحات‭ ‬المتاحة‭.‬
وهذه‭ ‬المعادلة‭ ‬توضح‭ ‬أن‭ ‬خفض‭ ‬الضرائب‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬قراراً‭ ‬مربحاً‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استقطاب‭ ‬شركات‭ ‬جديدة،‭ ‬لأن‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬مطالبة‭ ‬بموازنة‭ ‬الإيرادات‭ ‬المفقودة‭ ‬مع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الإضافي‭ ‬المتوقع‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وصول‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬والموظفين‭ ‬يرفع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المساكن‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وهي‭ ‬تكاليف‭ ‬تدخل‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭.‬

منافسة‭ ‬داخلية
وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬خصوصية‭ ‬النموذج‭ ‬السويسري،‭ ‬فخسارة‭ ‬زيوريخ‭ ‬شركة‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬تسوج‭ ‬تمثل‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬الإيرادات‭ ‬والوظائف‭ ‬المسجلة‭ ‬داخل‭ ‬الكانتون،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬خسارة‭ ‬مماثلة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬السويسري‭ ‬ككل‭. ‬فالشركة‭ ‬تبقى‭ ‬داخل‭ ‬البلاد،‭ ‬وموظفوها‭ ‬واستثماراتها‭ ‬وإنفاقها‭ ‬يستمرون‭ ‬ضمن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬فيما‭ ‬تنتقل‭ ‬المكاسب‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬خروجها‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬منافسة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المسافات‭ ‬القصيرة‭ ‬وشبكة‭ ‬المواصلات‭ ‬تجعل‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الكانتونات‭ ‬أقل‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬العمال‭. ‬فانتقال‭ ‬مقر‭ ‬شركة‭ ‬من‭ ‬زيوريخ‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بار‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يفرض‭ ‬بالضرورة‭ ‬انتقال‭ ‬جميع‭ ‬موظفيها‭ ‬إلى‭ ‬مساكن‭ ‬جديدة،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬للشركات‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬الضريبية‭ ‬في‭ ‬كانتون‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بإمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬والخدمات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬كانتون‭ ‬آخر‭.‬
وتؤدي‭ ‬المنافسة‭ ‬الداخلية‭ ‬أيضاً‭ ‬وظيفة‭ ‬ضغط‭ ‬مستمرة‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬لتحسين‭ ‬مزيج‭ ‬الضرائب‭ ‬والخدمات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭. ‬فالكانتون‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬العبء‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬يخاطر‭ ‬بخسارة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬قاعدته‭ ‬الضريبية،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الكانتون‭ ‬منخفض‭ ‬الضرائب‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المعدلات‭ ‬وحدها‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يقدم‭ ‬للشركات‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬ومواصلات‭ ‬ومساحات‭ ‬ومهارات‭ ‬بشرية‭ ‬مناسبة‭.‬
ولهذا‭ ‬تتحول‭ ‬المنافسة‭ ‬السويسرية‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مصغرة‭ ‬لما‭ ‬تواجهه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬عالمي‭. ‬فالشركات‭ ‬والأثرياء‭ ‬يقارنون‭ ‬بين‭ ‬الضرائب‭ ‬والخدمات‭ ‬والاستقرار‭ ‬وسهولة‭ ‬ممارسة‭ ‬الأعمال،‭ ‬بينما‭ ‬تحاول‭ ‬الحكومات‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬توازن‭ ‬تحافظ‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬كافية‭ ‬لتمويل‭ ‬الخدمات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جعل‭ ‬نفسها‭ ‬أقل‭ ‬جاذبية‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬المتنقلة‭.‬

رجوع لأعلى