كفاءة الأسواق تبدأ من آليات تخصيص رأس المال
تاريخياً، نشأت أسواق الأسهم باعتبارها ساحات تقوم على المنافسة وآليات السوق الحرة، قبل أن تتطور الأطر الرقابية المنظمة لها. وعندما تأسست لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) خلال عامي 1933 و1934، كان سوق الأسهم الأميركي قد أصبح بالفعل من أكثر الأسواق تقدماً في العالم. أما لجنة هونغ كونغ للأوراق المالية والعقود الآجلة (SFC)، فلم يبدأ تأسيسها بصورتها الحالية إلا قبل نحو عقد من الزمن. ولا تزال الولايات المتحدة تضم عدداً من البورصات التي تتنافس فيما بينها، إلى جانب منافستها للأسواق الأوروبية وغيرها في الخارج.
وتشكلت بورصة هونغ كونغ الحالية نتيجة اندماج أربع بورصات مستقلة، ما أوجد وفورات في الحجم، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تراجع مستوى المنافسة المحلية. ولهذا تعتمد البورصة حالياً بدرجة كبيرة على الضغوط التنافسية القادمة من الأسواق الخارجية لدفعها نحو الابتكار والإصلاح. ويمكن القول إن الأسواق المالية الناجحة حول العالم تطورت ونضجت عبر المنافسة، التي شكلت حافزاً مستمراً لتحسين كفاءتها وأدائها.
أما برّ الصين الرئيسي، فيضم بورصتين رئيسيتين فقط، هما بورصة شنغهاي وبورصة شنتشن. وقبل نحو ثمانية أو تسعة أعوام، كان بإمكان الشركات الاختيار بين الإدراج في هونغ كونغ أو شنتشن، وكانت المنافسة بين السوقين قوية، ما ساهم في التطور السريع للبنية التحتية والبرمجيات المستخدمة في سوق الأوراق المالية في شنتشن.
لكن الحكومة قررت لاحقاً إعطاء الأولوية لتطوير شنغهاي، مع التركيز أولاً على ترسيخها كسوق متقدمة لرأس المال. وكان لهذا القرار منطق اقتصادي يرتبط بأهمية الحجم في أسواق رأس المال، إلا أنه أدى في المقابل إلى إضعاف المنافسة بين أسواق الأسهم مقارنة بما كانت عليه في السابق.
وفي السنوات اللاحقة، تمكنت شركات التكنولوجيا والمؤسسات المتوسطة والصغيرة من العودة إلى سوق شنتشن، غير أن ذلك لم يخلق ضغطاً تنافسياً كبيراً على شنغهاي. وأصبح الجزء الأكبر من هذا الضغط يأتي من هونغ كونغ، حيث تستطيع أكبر وأفضل الشركات الصينية الإدراج في سوقها.
ولم يكن السماح للشركات الصينية الكبرى بدخول سوق هونغ كونغ يهدف في الأساس إلى إيجاد منافس لشنغهاي، وإنما ارتبط بإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة وتوفير مصادر للتمويل الخارجي. إلا أن دخول عدد كبير من الشركات الصينية الكبرى إلى هونغ كونغ وضع شنغهاي أمام ضغط تنافسي متزايد؛ إذ إن إتاحة الفرصة للمستثمرين في برّ الصين لبيع وشراء أسهم الشركات الصينية المدرجة في هونغ كونغ قد تثير تساؤلاً حول الحاجة إلى سوق الأسهم في شنغهاي.
ومن هنا برزت تساؤلات في شنغهاي حول أسباب عدم السماح لأفضل وأكبر الشركات الصينية بالإدراج فيها، وكذلك حول إمكانية إدراج مؤسسات كبرى، مثل بنك الصين، في هونغ كونغ وشنغهاي في الوقت نفسه. ومن حيث المبدأ، يعود قرار اختيار السوق إلى الشركات نفسها، لكن طبيعة الملكية الحكومية لعدد كبير من المؤسسات الصينية الكبرى تمنح الدولة، باعتبارها مساهماً، مساحة واسعة للتأثير في هذه القرارات. وإذا تدخلت الحكومة بصورة مباشرة، فقد تتراجع احتمالات توجه أكبر الشركات الصينية مجدداً إلى سوق هونغ كونغ.
المنافسة تحفز الابتكار المؤسسي
وتكمن أهمية المنافسة في أنها توفر حافزاً مستمراً للابتكار المؤسسي، بينما يؤدي غيابها إلى إضعاف قدرة السوق على التطور. وإذا تمكنت عدة مناطق رئيسية في الصين من إنشاء بورصات تعمل وفق قواعد تنافسية، مع السماح للشركات باختيار المنطقة والبورصة التي ترغب في الإدراج فيها، فإن هذا التنافس يمكن أن يفتح مجالاً واسعاً للابتكار المؤسسي، ويدفع كل بورصة إلى بذل أقصى جهودها لاستقطاب الشركات الجيدة وتحقيق العائدات.
ويمكن أن يتحول هذا الدافع المرتبط بالأرباح إلى قوة محركة لتطوير المؤسسات في أسواق رأس المال. وقد تفشل بعض البورصات، فيما تحقق أخرى نجاحاً كبيراً، لكن النتيجة الإجمالية قد تكون أكثر كفاءة من أي تصور يمكن أن تضعه الجهات التنظيمية أو إدارات وخبراء البورصات بصورة مركزية لتطوير سوق الأسهم. فعندما يتعلق الأمر بالتحسين المؤسسي، يصعب على الرؤية الفردية أن تضاهي الحوافز التي توفرها المنافسة داخل السوق.
وتحتاج الصين، بحكم اتساع أراضيها وعدد سكانها الذي يزيد بنحو خمسة أضعاف على سكان الولايات المتحدة، إلى أكثر من بورصة رئيسية واحدة. ومن منظور المنافسة والتنظيم، يمكن أن يكون وجود بورصتين على الأقل في شنغهاي نفسها عاملاً مهماً لتعزيز التنافس. كما أن المنافسة بين أكبر أربعة بنوك مملوكة للدولة في الصين شكلت قاعدة مؤسسية مهمة أسهمت في النمو السريع للصناعة المصرفية الصينية، وهو نموذج يمكن الاستفادة منه في صناعة الأوراق المالية.
وقد يرى البعض أن المنافسة قد تقود إلى الفوضى، إلا أن تاريخ تطور السوق المالي الأميركي يظهر أن سوق الأسهم في الولايات المتحدة مرّ بمراحل اتسمت بدرجة أكبر من الاضطراب. وحتى أكثر أسواق الأسهم تقدماً في العالم واجهت أزمات ومشكلات، من بينها فقاعة أسهم شركات التكنولوجيا عام 2000 وفضيحة شركة إنرون.
لكن السوق الأميركي استغل مرحلة ما بعد انحسار الفقاعة لإجراء إصلاحات مؤسسية، مع استمرار المنافسة مع الأسواق الأوروبية وغيرها في الخارج. وتوضح هذه التجربة أن الفوضى يمكن التعامل معها من خلال تطوير القواعد والمؤسسات والإصلاح المستمر، في حين يبقى غياب المنافسة عائقاً يصعب علاجه.
كانت عملية الإصلاح والانفتاح في الصين، في جوهرها، مساراً طويلاً من التحسين المؤسسي القائم على المنافسة. ويطرح هذا المسار سؤالاً حول الأسباب التي دفعت الصين في الماضي إلى إغلاق أبوابها وتبني الاقتصاد المخطط. كان الهدف آنذاك هو محاكاة النموذج البريطاني، لكن التجربة أظهرت لاحقاً محدودية قابلية الاقتصاد المخطط للتطبيق، في الوقت الذي حققت فيه اقتصادات السوق في هونغ كونغ وتايوان وسنغافورة وكوريا نجاحات لافتة.
ودفعت هذه التجارب الصين إلى دراسة تلك الاقتصادات، واستقطاب رأس المال الأجنبي، وفتح الأسواق، وتشجيع نمو المؤسسات الخاصة. وسرعان ما أظهرت التجربة أن المنافسة بين المؤسسات يمكن أن تؤدي إلى مستويات أعلى من الإنتاجية، وإلى أنظمة أكثر فاعلية للإدارة المؤسسية، فضلاً عن تطوير آليات أكثر انضباطاً للتنظيم الذاتي.
وفي هذا السياق، فإن السماح للمستثمرين الصينيين بالاستثمار في أكبر وأفضل الشركات الصينية المدرجة في الأسواق الخارجية لا يقتصر معناه على توسيع خيارات الاستثمار، بل يتيح أيضاً تطوير سوق رأس المال الصيني من خلال الاستفادة من المنافسة العالمية. ويمكن التوسع في تحليل هذه الفكرة في القسم التالي.
سبق أن أشرت إلى أن المسار الأسرع لتطوير سوق الأوراق المالية الصينية يتمثل في إدخال المنافسة العالمية والاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد العالمي. لكن ما المقصود بالمنافسة العالمية؟ هل تقتصر على إنشاء المزيد من البورصات؟ أم السماح لبورصة شنغهاي بالمنافسة بصورة مباشرة مع بورصة هونغ كونغ؟ وهل تشمل السماح للشركات في برّ الصين الرئيسي بدخول سـوق هونغ كونغ، وإتاحة المجال للمستثمرين الصينيين للاستثمار في الشركات الصينية المدرجة في الأسواق الخارجية؟
هذه الإجراءات تمثل بالفعل جوانب مهمة من المنافسة العالمية، لكنها لا تكفي وحدها. فالمنافسة في سوق رأس المال لا تقتصر على المستثمرين وشركات الأوراق المالية والشركات المدرجة والمصارف الاستثمارية والبورصات، وإنما تمتد أيضاً إلى الجهة التي تتولى تنظيم السوق. ومن هنا، ينبغي أن تخضع الجهة التنظيمية نفسها لمنطق المنافسة.
وتتحكم المؤسسة التنظيمية للأوراق المالية بدرجة كبيرة في اتجاهات تطوير سوق رأس المال وتفاصيلها، وهو أمر قائم بدرجات متفاوتة في الأسواق حول العالم. وفي الصين، تمارس لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية نفوذاً مباشراً أو غير مباشر على بورصتي شنغهاي وشنتشن، كما تمتد سيطرتها إلى غالبية المصارف الاستثمارية وشركات الوساطة في برّ الصين الرئيسي.
وإذا اعتُبرت لجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية بمثابة «حاكم محلي»، فإن البورصتين وشركات الوساطة والمستثمرين والشركات المدرجة تمثل «رعايا» يخضعون لإطارها التنظيمي. وقد أدت العلاقات الإدارية والمصلحية الوثيقة بين هذه الأطراف خلال السنوات السابقة إلى العمل ضمن منظومة واحدة، وأسهم ذلك في تحقيق نمو سريع في سوق رأس المال وعوائد اقتصادية مهمة.
لكن قوة هذه الروابط كانت، في الوقت نفسه، سبباً في تردد الأطراف المعنية في إفساح المجال أمام منافسة سوقية حقيقية، لأن المنافسة بطبيعتها تفرض تفاوتاً في النتائج، بحيث يتعرض بعض المشاركين للخسارة بينما يحقق آخرون النجاح. ومع الوقت، نشأت قناعة ضمنية بأن النجاح يجب أن يكون نتيجة مشتركة، وأن الفشل غير مقبول.
غير أن المنافسة التي لا تسمح بالفشل لا يمكن أن تكون منافسة مكتملة. فالمنافسة تفترض وجود فائز وخاسر، وتسمح للسوق بإعادة توزيع الموارد وفقاً للكفاءة والقدرة على التكيف. ومع استمرار الدور المركزي للجنة تنظيم الأوراق المالية الصينية في إدارة السوق، تظل المخاطر النظامية في سوق الأوراق المالية الصينية عرضة للتزايد.
ما نوع السوق الذي يجذب المستثمرين؟
ما نوع سوق الأوراق المالية الذي يستحق الاستثمار فيه؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء الانتعاش الذي شهده سوق الأسهم الصيني آنذاك. ففي مارس 2003، ارتفع مؤشر شنغهاي المركب من نحو 1,000 نقطة إلى 1,600 نقطة، ما دفع عدداً كبيراً من المستثمرين إلى الاعتقاد بأن الوقت أصبح مناسباً لدخول السوق، فيما أعرب البعض عن أسفه لعدم الاستثمار فيه في وقت سابق. واعتقد كثيرون أن سوقاً جيدة للأوراق المالية أصبحت في متناولهم، ولا سيما مع اقتراب إصلاحات تقسيم أسهم رأس المال من نهايتها.
توجيه الموارد نحو الكفاءة
ينبغي أن يكون سوق الأوراق المالية الجدير بالاستثمار قادراً على توفير مبالغ كبيرة من التمويل منخفض التكلفة بسرعة للمؤسسات الكفؤة ذات الربحية المرتفعة، وفي المقابل الحد من تدفق الأموال إلى المؤسسات الضعيفة وغير الفعالة. وبعبارة أخرى، تتمثل إحدى أهم وظائف سوق رأس المال في توجيه مدخرات الأفراد إلى المؤسسات والمشروعات ذات العوائد المرتفعة، بما يسهم في خلق الوظائف والأرباح والإيرادات والثروة.
وتُعد هذه الوظيفة من أكثر وظائف سوق رأس المال أساسية وأهمية وتعقيداً. فمن الذي يحدد نوع المؤسسات التي تستحق الإدراج؟ وما المؤسسات التي ينبغي شطبها؟ وأي المؤسسات التي سبق لها جمع التمويل يمكنها العودة إلى السوق للحصول على رأس مال جديد؟ تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكن الإجابات عنها تؤثر بصورة مباشرة في كفاءة توزيع رأس المال وفي العوائد التي يحصل عليها المستثمرون.
وقد تحتاج الصين إلى تعزيز المنافسة من خلال إنشاء المزيد من البورصات، بما يتيح تطوير المعايير والممارسات المتعلقة بالإدراج والشطب والصفقات. أما أسواق الأوراق المالية الناضجة، فتستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية من خلال الممارسة العملية، مستفيدة من المنافسة القائمة بين البورصات.