مراكز البيانات تضغط أسهم عمالقة التكنولوجيا
شهدت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى خلال الأسابيع الأخيرة تحولاً لافتاً في نظرة المستثمرين إلى طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما انتقل التركيز من المكاسب المتوقعة للنمو إلى التكلفة الباهظة اللازمة لتحقيقها. فبعدما كانت الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات تُعد المحرك الرئيس لارتفاع تقييمات الشركات العملاقة، أصبحت اليوم مصدراً رئيسياً للقلق، مع تصاعد الإنفاق الرأسمالي واستنزاف التدفقات النقدية وارتفاع مستويات الاقتراض.
ولم يعد السؤال المطروح في الأسواق يدور حول قدرة شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً، بل حول مدى قدرتها على تمويل هذا السباق دون الإضرار بميزانياتها العمومية أو تقليص العوائد التي ينتظرها المستثمرون. وبينما تؤكد الشركات أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي لا يزال يتجاوز القدرات المتاحة، فإن الأسواق باتت تتساءل عن موعد تحول هذه الاستثمارات الضخمة إلى أرباح مستدامة.
تحول السوق
برز هذا التحول بوضوح عقب النتائج المالية الأخيرة لشركة «ألفابت»، المالكة لـ«جوجل»، إذ ركز المستثمرون على استنزاف الشركة للسيولة النقدية للمرة الأولى منذ إدراجها في البورصة، متجاهلين النمو القوي الذي سجلته أعمال الحوسبة السحابية، والتــي استفــادت أساســاً من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا التفاعل تغيراً واضحاً في أولويات المستثمرين، إذ لم تعد الإيرادات المرتفعة وحدها كافية لدعم الأسهم، بل أصبح الحفاظ على التدفقات النقدية الحرة عاملاً لا يقل أهمية عن معدلات النمو.
وتواجه شركات التكنولوجيا اليوم معادلة أكثر تعقيداً، فالتوسع في الذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والرقائق والخوادم وشبكات الكهرباء والتبريد، وهي استثمارات لا تحقق عوائدها فوراً، ما يزيد الضغوط على الميزانيات المالية.
ضغوط متزايدة
وفي الوقت نفسه، تعرضت «ميتا» لضغوط قوية بعدما أكدت استمرارها في تنفيذ خططها الاستثمارية الضخمة، لتقضي بذلك على توقعات بعض المستثمرين بإمكانية تخفيف الأعباء المالية من خلال بيع جزء من فائض الطاقة الاستيعابية لمراكز البيانات، كما فعلت شركات أخرى.
ويعني ذلك أن الشركة تفضل الاحتفاظ بالبنية التحتية استعداداً لموجـة طلب مستقبلية، حتى وإن انعكس ذلك سلباً على التدفقات النقدية في الأجل القصير.
أما «مايكـروسـوفت»، فقـد بدت أكثر تفاؤلاً، معلنة تسارع الإيرادات الناتجة عن خدمات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يشير إلى بدء جني ثمار الاستثمارات الضخمة التي ضختها خلال الأعوام الماضية.
ورغم ذلك، لم تسلم أسهم الشركة من الضغوط، إذ لا تزال تتداول دون أعلى مستوياتها السابقة، في إشارة إلى أن المستثمرين ينتظرون أدلة أقوى على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الإنفاق.
ذروة الإنفاق
وتتزايد التساؤلات في وول ستريت حول ما إذا كانت النفقات الرأسمالية لشركات التكنولوجيا تقترب من ذروتها، أم أن الإنفاق سيواصل الارتفاع خلال الأعوام المقبلة.
غير أن المؤشرات الحالية لا تدعم فرضية التراجع القريب، إذ تؤكد الشركات أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي ما يزال يفوق كثيراً الطاقة المتوافرة.
وقد وصفت المديرة المالية لشركة «مايكروسوفت»، إيمي هود، الوضع الحالي بأنه «فترة صعبة نسبياً»، في إشارة إلى الفجوة الكبيرة بين الطلب المتسارع على قدرات الحوسبة والقدرات التشغيلية المتاحة حالياً.
ويؤكد ذلك أن النقص في مراكز البيانات لا يزال يمثل عائقاً أمام تلبية احتياجات العملاء، الأمر الذي يدفع الشركات إلى مواصلة الاستثمار بوتيرة مرتفعة.
كما تشير تقارير شركات تصنيع الرقائق إلى استمرار نقص بعض المكونات الأساسية، ولا سيما شرائح الذاكرة، حتى عام 2027 على الأقل، مــا يعني أن توسع الطاقة الإنتاجية سيستمر خلال السنوات المقبلة.
طلب متراكم
ورغم المخاوف المتعلقة بالإنفاق، فإن مؤشرات الطلب لا تزال قوية بصورة استثنائية.
فقد ارتفع حجم الطلبات المؤجلة لدى «مايكروسوفت» و«جوجل» إلى نحو 1.2 تريليون دولار، مقارنة بأقل من 500 مليار دولار قبل عام واحد فقط، وهو ما يعكس استمرار الطلب القوي على خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الشركات لا تستثمر في طاقات غير مطلوبة، بل تحاول مواكبة نمو يفوق قدراتها الحالية.
إلا أن هذا التفاؤل لا يخلو من المخاطر، إذ تعتمد نسبة كبيرة من هذا الطلب على عدد محدود من الشركات، وفي مقدمتها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، اللتان لم تثبتا بعد حاجتهما الدائمة إلى كل هذه السعات التشغيلية.
ويثير هذا التركّز مخاوف من أن يؤدي أي تباطؤ في نمو الطلب لدى هاتين الشركتين إلى انعكاسات واسعة على استثمارات القطاع بأكمله.
ربحية مؤجلة
ولا يزال تحقيق الربحية المستدامة يمثل التحدي الأكبر أمام شركات الذكاء الاصطناعي.
ففــي حين سجلت «أنثروبيك» نمواً قوياً دفعها إلى توقع تحقيق أول ربع مالي مربح، ظهرت لاحقاً تقارير عن فرض بعض العملاء قيوداً علـى استخــدام الموظفين للنماذج الذكية للحد من الاستهلاك المفرط، وهي ظاهرة تعكس محاولات للسيطرة على تكاليف التشغيل.
كما زادت المنافسة القادمة من النماذج الصينية المتطورة الضغوط على السوق، مع تزايد المخاوف من دخول منافسين يقدمون خدمات أقل تكلفة، بما قد يضغط على الأسعار وهوامش الأرباح مستقبلاً.
ويؤكد ذلك أن السباق لم يعد يقتصر على تطوير نماذج أكثر ذكاءً، بل أصبح يشمل أيضاً القدرة على تحقيق نموذج اقتصادي قادر على تحقيق أرباح مستدامة.
تحول هيكلي
وترى وكالة «موديز» أن ما يحدث يتجاوز مجرد دورة إنفاق مؤقتة، إذ إن شركات التكنولوجيا الكبرى تتحول تدريجياً إلى شركات كثيفة الأصول، تعتمد بصورة متزايدة على البنية التحتية المادية، بعد أن كانت ترتكز أساساً على البرمجيات والخدمات الرقمية.
ويعني ذلك أن علاقتها برأس المال والمخاطر والائتمان تشهد إعادة تشكيل شاملة، مع ارتفاع الحاجة إلى التمويل طويل الأجل وزيادة الاعتماد على الاستثمارات الرأسمالية.
كما أن هذا التحول قد يؤدي إلى تغـيـر معايير تقييم هــذه الشركات في الأسواق، بحيث تصبح قدرتها على إدارة الأصول والاستثمارات عاملاً لا يقل أهمية عن الابتكار التقني أو معـدلات نمـو الإيرادات.