وول ستريت تصعد بدعم الذكاء الاصطناعي
أنهت وول ستريت أسبوعاً مضطرباً على ارتفاع جماعي، بعدما أعادت أسهم التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الزخم إلى السوق في جلسة الجمعة، وقادت مايكروسوفت موجة شراء ساعدت المؤشرات الرئيسية على تجاوز الضغوط الناجمة عن أسعار النفط المرتفعة والقفزة الأخيرة في عوائد سندات الخزانة الأميركية. ووفق البيانات الأولية، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 37.96 نقطة، أو 0.49 %، ليصل إلى 7742.09 نقطة، بينما أضاف ناسداك المجمع 125.51 نقطة، بما يعادل 0.47 %، إلى 27064.88 نقطة، فيما تفوق داو جونز الصناعي على المؤشرين بصعود بلغ 469.07 نقطة، أو 0.91 %، ليغلق عند 51819.05 نقطة.
وجاء الصعود في ختام أسبوع تحركت فيه الأسهم بين التفاؤل بشأن فرص النمو التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والمخاوف من القطاعات التي قد تتعرض لضغوط نتيجة انتشاره السريع. وفي الوقت نفسه، ظلت الأسواق تحت تأثير الحرب الأميركية مع إيران وتحركات النفط والعوائد، وهي عوامل أبقت المستثمرين في حالة حذر رغم عودة عمليات الشراء إلى أسهم التكنولوجيا في نهاية الأسبوع. وأظهر الأداء أن شهية المخاطرة لم تختف، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في تحديد الشركات القادرة على تحويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات وأرباح فعلية.
زخم مايكروسوفت
وجاءت مايكروسوفت في مقدمة المستفيدين بعدما ارتفع سهمها بنحو 3.6% عند الإغلاق، إثر كشف عملاق البرمجيات عن مجموعة قدرات جديدة ستضاف إلى تطبيق «كوبيلوت»، تتضمن أدوات للبرمجة ووكيل ذكاء اصطناعي يستطيع العمل بصورة مستمرة. وأعادت هذه الخطوات التركيز إلى قدرة الشركات التكنولوجية الكبرى على تحويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى منتجات وخدمات يمكن تسويقها مباشرة للمستهلكين والشركات، بدلاً من اقتصار القصة الاستثمارية على الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات.
ويحمل صعود مايكروسوفت دلالة تتجاوز أداء سهم منفرد؛ فالشركة تعد إحدى أكبر مكونات المؤشرات الأميركية، وبالتالي تستطيع تحركاتها التأثير بصورة مباشرة في اتجاه ستاندرد آند بورز وناسداك. كما يعكس الإقبال عليها عودة المستثمرين إلى الرهان على الشركات التي تجمع بين قاعدة إيرادات ضخمة ومنتجات قائمة وقدرة مالية على تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول الشركات التي ستنجح فعلياً في تحقيق عائد اقتصادي من طفرة الإنفاق الحالية.
صفقة أكامي
وتعزز التفاؤل مع صعود سهم أكامي تكنولوجيز بعد إبرام الشركة اتفاقاً ضخماً مع أنثروبيك لتوفير خدمات سحابية بقيمة 11.6 مليار دولار على مدى سبع سنوات. وتستهدف الصفقة تلبية الطلب المتسارع من أنثروبيك على قدرات الحوسبة، باستخدام البنية التحتية السحابية الموزعة التابعة لأكامي، في إشارة جديدة إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي لا يزال يدفع الشركات إلى توقيع التزامات طويلة الأجل بمليارات الدولارات لتأمين الموارد الحاسوبية اللازمة لتشغيل النماذج والوكلاء.
ولا تتوقف أبعاد الاتفاق عند 11.6 مليار دولار، إذ يمكن توسيع العلاقة بما يصل إلى 9 مليارات دولار إضافية، ما يرفع الالتزام المحتمل إلى نحو 20 مليار دولار. كما منحت أكامي أنثروبيك حقاً يمكن أن يتيح لها امتلاك ما يصل إلى نحو 5% من أسهم الشركة، فيما تقدر النفقات الرأسمالية المرتبطة بالالتزام الأساسي بنحو 5.5 مليارات دولار. وتعكس هذه الأرقام الحجم المتزايد للأموال التي تتدفق إلى البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، وتفسر في الوقت نفسه حساسية المستثمرين لأي صفقة جديدة تثبت استمرار الطلب.
رهان مستمر
وينظر المستثمرون إلى استمرار إبرام مثل هذه الاتفاقات باعتباره دليلاً على أن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم تفقد زخمها بعد. وقال توماس مارتن، كبير مديري المحافظ في «جلوبالت إنفستمنتس»، إن استمرار ضخ الأموال وإبرام الصفقات يمثل إشارة إيجابية، حتى مع وجود تساؤلات حول طبيعة بعض العلاقات الاستثمارية والتمويلية داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.
وتبدو هذه النقطة شديدة الأهمية بعد أشهر من الجدل بشأن قدرة الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تبرر قيم الشركات المرتفعة. فالاتفاق بين أكامي وأنثروبيك يقدم للمستثمرين عقداً يمتد سبع سنوات بدلاً من مجرد توقعات بشأن الطلب المستقبلي، كما يأتي بعد أكثر من 2.8 مليار دولار من الالتزامات متعددة السنوات لخدمات البنية التحتية السحابية التي أعلنتها أكامي عبر قاعدة عملائها خلال العام الحالي.
تقلب التكنولوجيا
لكن التفاؤل لا يعني أن السوق حسمت هوية الرابحين من التحول التكنولوجي. فقد اتسم الأسبوع بتقلبات قوية مع إعادة المستثمرين تقييم الشركات والقطاعات التي يمكن أن تستفيد من وكلاء الذكاء الاصطناعي، مقابل تلك التي قد تواجه ضغطاً على نماذج أعمالها. وهذه المفاضلة بدأت تتجاوز شركات التكنولوجيا نفسها لتشمل البنوك والتجارة الإلكترونية والخدمات الاستهلاكية وغيرها من القطاعات التي يمكن للوكلاء المستقلين تغيير طريقة تفاعل المستهلكين معها.
وكانت ميتا مثالاً واضحاً على سرعة تغير المزاج؛ إذ حقق سهمها مكاسب قوية خلال الأسبوع بدعم الاستقبال الإيجابي لوكيلها «Muse»، قبل أن يتراجع 3.6 % في جلسة الجمعة. وفي المقابل، صعدت أسهم شركات أخرى مرتبطة بالبنية التحتية، ومن بينها كوالكوم وديل، مع استمرار البحث عن الشركات التي يمكن أن تستفيد من ارتفاع الطلب على الحوسبة والأجهزة والخدمات اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ضغط العوائد
وفي الجهة المقابلة من المعادلة، ظلت عوائد سندات الخزانة أحد أكبر مصادر القلق للأسهم الأميركية. فالارتفاع الحاد في العوائد يرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية، وهو ما يضغط بصورة خاصة على أسهم النمو والتكنولوجيا التي تعتمد نسبة كبيرة من قيمتها السوقية على توقعات أرباح تمتد سنوات إلى الأمام. لذلك أصبحت قدرة أسهم الذكاء الاصطناعي على الارتفاع رغم بيئة العوائد المرتفعة اختباراً لقوة الطلب عليها.
وتكتسب تحركات السندات أهمية إضافية مع استمرار المخاوف التضخمية، لأن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعيد الضغوط على الأسعار ويجعل مسار السياسة النقدية أكثر تعقيداً. وكانت الأسواق قد شهدت خلال الأسبوع تحركات واسعة في عوائد الخزانة بالتزامن مع متابعة المستثمرين لتداعيات الحرب مع إيران ومستقبل أسعار النفط، وهو ما أبقى كلفة رأس المال عاملاً أساسياً في تقييم الأسهم حتى خلال الجلسات التي قاد فيها قطاع التكنولوجيا المكاسب.
عامل النفط
أما النفط، فظل يمثل قناة أخرى لنقل التوتر الجيوسياسي إلى وول ستريت. فالأسعار المرتفعة تحمل مكاسب محتملة لشركات الطاقة، لكنها في المقابل تزيد تكاليف الشركات والمستهلكين وتهدد بإبطاء تراجع التضخم، وهو ما قد ينعكس على توقعات أسعار الفائدة وعوائد السندات. ولذلك لم تكن تحركات الخام بالنسبة إلى المستثمرين مجرد قصة قطاعية، بل عاملاً يمكن أن يعيد رسم توقعات الاقتصاد والسياسة النقدية.
وفي الوقت نفسه، تمنح التراجعات السابقة بعض المستثمرين مساحة أكبر للشراء مقارنة بمستويات التقييم التي شهدتها السوق خلال مراحل سابقة من طفرة الذكاء الاصطناعي. وأشارت بيانات السوق في ختام الجمعة إلى انخفاض مضاعف السعر إلى الأرباح المتوقع لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى أدنى مستوى منذ 2023، ما يعكس تغيراً مهماً في العلاقة بين أسعار الأسهم وتوقعات الأرباح بعد فترة من التقلب.