آمال فتح هرمز تسقط برنت 3 % إلى 85 دولارا
تراجعت أسعار النفط بأكثر من 3 % خلال تعاملات الأربعاء، وهبط خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل مسجلاً أدنى مستوياته في أكثر من أسبوعين، بعدما أعادت المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان إلى الأسواق احتمال تخفيف القيود المفروضة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما دفع المتعاملين إلى تقليص جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تراكمت في الأسعار خلال الشهور الماضية.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 2.73 دولار، بما يعادل 3.08 %، إلى 85.85 دولار للبرميل بحلول الساعة 10:12 بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.21 دولار، أو 2.68 %، إلى 80.15 دولار للبرميل. وكان الخامان قد لامسا في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوياتهما منذ 10 أغسطس، في انعكاس سريع لتحول توقعات المستثمرين بشأن مستقبل الإمدادات.
تحول السوق
الهبوط الحاد لا يعكس زيادة فعلية وفورية في إمدادات النفط بقدر ما يكشف عن إعادة تسعير لاحتمالات المستقبل. فالسوق الذي تعامل خلال الفترة الماضية مع استمرار القيود في هرمز باعتباره خطراً ممتداً، بدأ يضع سيناريو جديداً يفترض إمكانية استعادة جزء من حركة الملاحة، ولو بصورة تدريجية ومؤقتة، بما يقلص احتمالات حدوث نقص طويل الأمد في الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
وقال بيارن شيلدروب، محلل السلع الأولية لدى «إس.إي.بي ريسيرش»، إن التركيز عاد إلى المناقشات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن اتفاق يسمح بعبور النفط والمنتجات البتروكيماوية الأخرى عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى أن هذه التطورات تخلق قدراً من التفاؤل في السوق.
وتكتسب تلك المحادثات أهميتها من حساسية هرمز الفائقة لتوازنات الطاقة العالمية. فقبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في فبراير، كان نحو خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر الممر المائي، ما يجعل أي تغير في مستوى المخاطر المحيطة به قادراً على تحريك الأسعار بصورة سريعة.
علاوة المخاطر
يرى أولي هانسن، مدير أبحاث السلع الأولية لدى «ساكسو بنك»، أن السوق انتقل من تسعير احتمال كبير لاضطراب طويل الأمد وتجدد التصعيد، إلى احتساب فرص إعادة فتح جزئية للمضيق وترتيبات شحن يتم التفاوض عليها، إلى جانب تراجع مخاطر اندلاع مواجهة عسكرية جديدة.
ويعني ذلك أن جزءاً من ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمة لم يكن مرتبطاً فقط بحجم البراميل المفقودة فعلياً، وإنما بعلاوة يدفعها المشترون مقابل عدم اليقين واحتمالات تفاقم الصراع. وكلما ارتفعت فرص التوصل إلى ترتيبات آمنة ومستقرة لعبور الناقلات، أصبح من الصعب الحفاظ على هذه العلاوة عند مستوياتها السابقة.
ويؤكد هانسن أن اتفاقاً موثوقاً يعيد حركة الملاحة عبر هرمز بسرعة يمكن أن يزيل طبقة إضافية من العلاوة الجيوسياسية، وهو ما يفسر حساسية الأسعار الشديدة لأي أخبار إيجابية قادمة من المحادثات، حتى قبل استعادة حركة السفن مستوياتها الطبيعية.
عبور محدود
وعلى الرغم من التفاؤل الذي انعكس على الأسعار، فإن الوضع الفعلي في المضيق لا يزال بعيداً عن العودة إلى طبيعته. فقد أظهرت بيانات أولية لشركة «كبلر» لتتبع السفن أن خمس سفن شحن فقط عبرت الممر المائي الثلاثاء، مقارنة بمتوسط بلغ 15 سفينة خلال عشرة أيام، وبمستويات تقل كثيراً عما كان مسجلاً قبل الحرب.
وتكشف هذه الأرقام الفجوة بين توقعات السوق والواقع التشغيلي. فالأسعار تتحرك حالياً على أساس احتمال التحسن، بينما تظل حركة السفن محدودة، ما يعني أن أي تعثر للمحادثات أو حادث أمني جديد قد يعيد علاوة المخاطر سريعاً إلى السوق.
وفي المقابل، فإن نجاح الترتيبات المقترحة في رفع عدد السفن العابرة تدريجياً سيقدم دليلاً عملياً على أن الانفراجة السياسية بدأت تتحول إلى تحسن حقيقي في تدفقات الطاقة، وهو العامل الذي ستراقبه الأسواق بصورة أكثر دقة من التصريحات السياسية وحدها.
مسارات بديلة
وتوضح تحركات الناقلات حجم التعقيدات التي فرضتها القيود على المصدرين. فقد أظهرت بيانات الشحن أن ناقلتين عملاقتين تحملان إجمالاً أربعة ملايين برميل من الخام السعودي تتجهان إلى الصين، بعدما جرى تحميل الشحنات عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة سلطنة عُمان.
وتبرز هذه العمليات الكلفة التشغيلية واللوجستية التي فرضها تعطل المسار الطبيعي للتجارة، خصوصاً بالنسبة إلى الدول الخليجية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على هرمز للوصول إلى الأسواق الآسيوية. كما تفسر لماذا يمكن لإعادة فتح الممر، حتى بصورة جزئية، أن تخفف الضغوط على الشحن والتأمين وتقلل الحاجة إلى ترتيبات استثنائية لنقل الخام.
وبالنسبة إلى الصين وغيرها من كبار المستوردين الآسيويين، فإن استقرار حركة الناقلات يعني خفض مخاطر تأخر الشحنات وتحسين القدرة على التخطيط للمشتريات، وهو ما قد يعيد تشكيل أنماط الطلب بعد شهور من الاضطرابات.
مسار سياسي
ولا تتحرك قضية هرمز بمعزل عن المساعي الأوسع لإنهاء الصراع. فقد قال وزير الداخلية الباكستاني، في ختام زيارة إلى طهران، إن باكستان وإيران أحرزتا «تقدماً كبيراً» في المحادثات التي تناولت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وسبل إحلال السلام.
ويضيف هذا المسار بعداً آخر إلى تحركات الأسعار، لأن إعادة فتح المضيق بصورة مستدامة ستظل مرتبطة بمدى قدرة الأطراف على منع عودة التصعيد العسكري. ومن ثم فإن المستثمرين لا يراقبون فقط تفاصيل الترتيبات البحرية، بل أيضاً الاتصالات الدبلوماسية التي يمكن أن تحدد ما إذا كانت الانفراجة الحالية مؤقتة أم بداية لتحول أوسع.
وفي حال نجحت الوساطات في تثبيت تهدئة طويلة الأمد، فقد تتعرض أسعار النفط لمزيد من الضغوط نتيجة تراجع المخاطر المرتبطة بالإمدادات. أما فشل المسار السياسي فقد يعيد سريعاً المخاوف بشأن أمن الشحن إلى الواجهة.
الأسعار تختبر متانة
الانفراجة السياسية
سيبقى اتجاه النفط خلال الفترة المقبلة رهناً بالفارق بين الوعود والتنفيذ. فهبوط برنت بأكثر من 3% إلى 85.85 دولار يعكس اقتناعاً متزايداً بأن مخاطر الإمدادات ربما بلغت ذروتها، لكنه لا يعني أن أزمة هرمز انتهت. فعبور خمس سفن فقط في يوم واحد يؤكد استمرار القيود، بينما تكشف ترتيبات نقل أربعة ملايين برميل سعودي قبالة عُمان أن تجارة الخام لم تستعد بعد مسارها الطبيعي.
لذلك ستتركز أنظار السوق على ثلاثة اختبارات رئيسية: الإعلان الفعلي عن الممر المؤقت، ارتفاع أعداد السفن العابرة، واستمرار التقدم السياسي من دون تصعيد جديد. فإذا تحققت هذه العوامل، قد تتراجع علاوة المخاطر أكثر وتتعرض الأسعار لضغوط إضافية. أما إذا تعطلت المفاوضات أو عادت المواجهة العسكرية، فإن هبوط الأربعاء قد يتحول سريعاً إلى حركة معاكسة، لأن مضيقاً كان يعبره خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يظل قادراً على إعادة رسم خريطة الأسعار في وقت قصير.