أسهم الرقائق تهبط وتضغط وول ستريت
شهدت الأسهم الأميركية جلسة متقلبة في ختام تعاملات الأسبوع، إذ أنهت مؤشرات «وول ستريت» تعاملات الجمعة على أداء سلبي، مع تعرض أسهم شركات الرقائق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لموجة بيع جديدة، في وقت نجحت فيه أسهم شركات الرعاية الصحية، وعلى رأسها «موديرنا»، في تحقيق مكاسب قوية حدّت جزئياً من خسائر السوق.
وجاء الأداء المتباين في ظل استمرار قلق المستثمرين بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا، والتكاليف الضخمة التي تتحملها لبناء البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالتضخم الأميركي واحتمالات استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
تراجع المؤشرات
أنهى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تعاملاته منخفضـاً بنحو 19.81 نقطـة، أو مـا يعـادل 0.27 %، ليغلق عند 7337.68 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ناسداك المركب» بمقدار 121.72 نقطة، أو 0.48 %، ليستقر عند 25236.88 نقطة.
كما هبط مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 125.78 نقطة، أو 0.23 %، ليغلق عند 51794.84 نقطة، في جلسة سيطر عليها الحذر، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة.
ويرى محللون أن خسائر المؤشرات جاءت نتيجة مزيج من الضغوط الاقتصادية وعمليات جني الأرباح، بعدما سجلت السوق مكاسب قوية خلال الأشهر الماضية بدعم الطفرة الكبيرة في أسهم الذكاء الاصطناعي.
ضغوط الرقائق
كان قطاع أشباه الموصلات الأكثر تعرضاً للضغوط، بعدما سجل مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات تراجعاً حاداً، مواصلاً موجة التقلبات التي تضرب أسهم شركات الرقائق المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وخلال العامين الماضيين، قادت هذه الشركات الارتفاعات القياسية في «وول ستريت»، مدفوعة بالطلب المتزايد على الرقائق المستخدمة في تشغيل مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلا أن المستثمرين بدأوا أخيراً في إعادة تقييم توقعاتهم بشأن سرعة تحقيق العوائد من هذه الاستثمارات الضخمة.
ويخشى المستثمرون من أن الإنفاق الرأسمالي الضخم الذي تضخه الشركات في بناء مراكز البيانات قد يحتاج إلى سنوات قبل أن ينعكس بصورة واضحة على الأرباح، وهو ما دفع بعض المحافظ الاستثمارية إلى تقليص مراكزها في القطاع.
قلق الأرباح
وقال ديفيد ستوبس، كبير استراتيجيي الاستثمار لدى «ألفاكور ويلث أدفايزوري»، إن الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن دخول قطاع التكنولوجيا في تصحيح واسع، لكنه أشار إلى أن الأسئلة المتعلقة بالربحية والإنفاق الرأسمالي ستبقى حاضرة بقوة خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن الضغوط قد تتزايد إذا أخفقت الشركات الأميركية في تحقيق توقعات الأرباح المرتفعة التي يضعها المستثمرون في الحسبان، خاصة أن تقييمات كثير من شركات التكنولوجيا أصبحت تعتمد على توقعات نمو كبيرة خلال السنوات المقبلة.
ويرى محللون أن موسم إعلان النتائج المالية المقبل سيكون من أكثر المواسم أهمية خلال السنوات الأخيرة، لأنه سيحدد ما إذا كانت شركات الذكاء الاصطناعي قادرة فعلاً على تحويل الإنفاق الضخم إلى أرباح تشغيلية مرتفعة.
أبل تتعافى
شهد سهم «أبل» تعافياً جزئياً خلال تعاملات الجمعة بعد موجة البيع التي تعرض لها في الجلسة السابقة، وذلك عقب إعلان الشركة رفع أسعار عدد من منتجاتها، وفي مقدمتها أجهزة «آيباد» و«ماك بوك»، مبررة القرار بالارتفاع الكبير في تكاليف رقائق الذاكرة ووحدات التخزين.
ويعد قرار رفع الأسعار مؤشراً جديداً على استمرار الضغوط التي تواجه شركات التكنولوجيا من جانب سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج، رغم تراجع أسعار النفط وانحسار حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ويرى محللون أن قدرة «أبل» على تمرير جزء من ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين تعكس قوة علامتها التجارية، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات بشأن قدرة الطلب على الصمود إذا استمرت الأسعار في الارتفاع خلال الفترة المقبلة.
قفزة موديرنا
في المقابل، كان قطاع الرعاية الصحية أحد أبرز الرابحين في جلسة الجمعة، بعدما قفز سهم «موديرنا» إلى أعلى مستوياته منذ عام 2024، عقب استعراض الشركة خط إنتاجها الجديد خلال اجتماع مع المستثمرين.
وأثار العرض الذي قدمته الشركة تفاؤل الأسواق بشأن مستقبل منتجاتها، خاصة في مجالات اللقاحات والعلاجات المعتمدة على تقنيات الحمض النووي الريبي، وهو ما دفع المستثمرين إلى زيادة مراكزهم في السهم.
وساهم الأداء القوي لـ«موديرنا» وعدد من شركات الرعاية الصحية في الحد من خسائر المؤشرات الأميركية، بعدما عوض القطاع جزءاً من الضغوط التي تعرضت لها أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
ضغوط التضخم
ولا تزال بيانات التضخم الأميركية تمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للمستثمرين، بعدما أظهرت الأرقام الأخيرة ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 4 % خلال مايو، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة نتيجة الحرب مع إيران.
ورغم الانخفاض الحاد الذي شهدته أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة، فإن الأسواق ترى أن الضغوط التضخمية لم تختف بعد، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار تشديد السياسة النقدية.
وقال آرت هوجان، كبير استراتيجيي الأسواق لدى «بي رايلي ويلث»، إن قرار «أبل» رفع أسعار أجهزتها يعكس استمرار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأميركي، حتى مع تراجع أسعار النفط.
وأضاف أن الأسواق شهدت وضعاً مشابهاً خلال جائحة كورونا، عندما أدى نقص أشباه الموصلات إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، أما الآن فإن نقص رقائق الذاكرة يعيد الضغوط نفسها إلى الواجهة، وإن كان لأسباب مختلفة.
أوبن إيه آي
ومن العوامل التي أثرت سلباً في معنويات المستثمرين، التقارير التي تحدثت عن احتمال تأجيل الطرح العام الأولي لشركة «أوبن إيه آي» إلى العام المقبل.
ويعد قطاع الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لأسواق التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة، لذلك فإن أي أخبار تتعلق بالشركات الكبرى العاملة فيه تنعكس بسرعة على أسهم القطاع.
ويرى محللون أن تأجيل الطرح المحتمل قد يؤثر مؤقتاً في شهية المستثمرين، لكنه لا يغير النظرة الإيجابية بعيدة المدى تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي لا يزال يحظى بتوقعات نمو قوية.
تحركات الشركات
وشهدت الجلسة أيضاً تبايناً في أداء سهم «سبيس إكس»، بالتزامن مع استعداد الصناديق الاستثمارية التي تتبع المؤشرات لشراء أسهم بمليارات الدولارات قبل انضمام السهم إلى مؤشرات «راسل».
كما تراجع سهم «أون سيميكوندكتور» بعد إعلان موافقته على الاستحواذ على شركة «سينابتيكس» في صفقة تبادل أسهم تبلغ قيمتها نحو سبعة مليارات دولار.
ويرى محللون أن مثل هذه الصفقات تعكس استمرار عمليات إعادة الهيكلة داخل قطاع أشباه الموصلات، مع سعي الشركات إلى توسيع قدراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة.
الفائدة المرتفعة
وفي الوقت نفسه، بقيت توقعات أسعار الفائدة في صدارة اهتمام المستثمرين، إذ تشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال تنفيذ رفع جديد للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، مع وجود احتمال يقارب 27% لتنفيذ زيادة إضافية قبل نهاية العام.
ويؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة إلى تقليص جاذبية الأسهم مرتفعة التقييم، خصوصاً شركات التكنولوجيا، لأن ارتفاع تكلفة التمويل يقلل من القيمة الحالية للأرباح المستقبلية.
كما يرفع التشديد النقدي من المنافسة بين الأسهم والسندات، إذ يفضل بعض المستثمرين توجيه جزء من أموالهم إلى أدوات الدخل الثابت التي أصبحت تقدم عوائد أعلى.