تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسواق‭ ‬التأمين‭ ‬الخليجية‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬قواعدها

أسواق‭ ‬التأمين‭ ‬الخليجية‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬قواعدها

تشهد‭ ‬أسواق‭ ‬التأمين‭ ‬وإعادة‭ ‬التأمين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬تعكس‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬المخاطر‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التحمل،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وتداخلها‭ ‬مع‭ ‬العوامل‭ ‬التشغيلية‭ ‬والمالية‭. ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬المعقدة‭ ‬دفعت‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬نماذج‭ ‬أعمالها،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعديل‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬عبر‭ ‬تشديد‭ ‬شروط‭ ‬التغطية‭ ‬وتقليص‭ ‬نطاقها،‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭. ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬اتجاه‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ ‬التحوط،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الشركات‭ ‬مستعدة‭ ‬لتحمل‭ ‬نفس‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬السابقة‭ ‬دون‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬دقيقة‭ ‬تعكس‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭.‬

تحول‭ ‬السوق
المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬بمرحلة‭ ‬“إعادة‭ ‬ضبط”‭ ‬شاملة‭ ‬للسوق،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬فجوة‭ ‬تأمينية‭ ‬نسبية‭ ‬في‭ ‬الظهور،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬ذات‭ ‬الحساسية‭ ‬العالية‭ ‬للمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭. ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬غياب‭ ‬التغطية‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬لكنها‭ ‬تعكس‭ ‬تراجعًا‭ ‬في‭ ‬مرونتها‭ ‬وارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬تكلفتها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زيادة‭ ‬الاستثناءات‭ ‬والقيود‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬المؤمنة‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭: ‬إما‭ ‬القبول‭ ‬بشروط‭ ‬أكثر‭ ‬تشددًا،‭ ‬أو‭ ‬تحمل‭ ‬جزء‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬ضمن‭ ‬ميزانياتها،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬مفهوم‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ضغط‭ ‬قطاعي
القطاعات‭ ‬الحيوية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الطاقة‭ ‬والشحن‭ ‬البحري‭ ‬والطيران،‭ ‬باتت‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضًا‭ ‬لتداعيات‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭. ‬ففي‭ ‬قطاع‭ ‬الشحن‭ ‬البحري،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أدى‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬الحيوية‭ ‬إلى‭ ‬تسابق‭ ‬الشركات‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تغطيات‭ ‬لعبور‭ ‬هذه‭ ‬المناطق،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬التي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬التهدئة‭. ‬أما‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬فيواجه‭ ‬تحديات‭ ‬مزدوجة‭ ‬ترتبط‭ ‬بحجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الضخم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وحساسيته‭ ‬العالية‭ ‬لأي‭ ‬اضطرابات‭ ‬إقليمية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يبقى‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬رهينًا‭ ‬للتقلبات‭ ‬التشغيلية‭ ‬والقيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬الجوي‭.‬

سعات‭ ‬محدودة
المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬تمثل‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لقدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬سعات‭ ‬تأمينية‭ ‬كافية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬القيم‭ ‬الرأسمالية‭ ‬لهذه‭ ‬المشاريع‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬السعات‭ ‬المطلوبة‭ ‬متاحة‭ ‬بسهولة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تأخير‭ ‬إغلاق‭ ‬التغطيات‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬تأمينية‭ ‬معقدة‭ ‬تشمل‭ ‬عدة‭ ‬أطراف‭ ‬لتوزيع‭ ‬المخاطر‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يعكس‭ ‬محدودية‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬للسوق‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المشاريع‭ ‬العملاقة،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬والتأمين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

ضغط‭ ‬عالمي
على‭ ‬مستوى‭ ‬أوسع،‭ ‬تلعب‭ ‬أسواق‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭ ‬العالمية‭ ‬دورًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬إذ‭ ‬تشهد‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬تشددًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬شروطها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفتها‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكم‭ ‬الخسائر‭ ‬العالمية‭ ‬وزيادة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭. ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬تاريخيًا‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬مخاطرها‭ ‬إلى‭ ‬المعيدين‭ ‬العالميين‭. ‬ومع‭ ‬تراجع‭ ‬شهية‭ ‬هؤلاء‭ ‬لتحمل‭ ‬المخاطر،‭ ‬تجد‭ ‬الشركات‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بجزء‭ ‬أكبر‭ ‬منها‭ ‬محليًا‭.‬

إعادة‭ ‬هيكلة
هذا‭ ‬التحول‭ ‬دفع‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬أعمالها‭ ‬بشكل‭ ‬أعمق،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬تحليل‭ ‬المخاطر،‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬المحافظ‭ ‬التأمينية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬حلول‭ ‬بديلة‭ ‬مثل‭ ‬التأمين‭ ‬المشترك‭ ‬والتكتلات‭ ‬التأمينية،‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بتقاسم‭ ‬المخاطر‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬جهات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تركيزها‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬واحدة‭.‬

تسعير‭ ‬متشدد
في‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬يشهد‭ ‬السوق‭ ‬موجة‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الشحن‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والأخطار‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمناطق‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭. ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬تعديل‭ ‬شروط‭ ‬الوثائق،‭ ‬ورفع‭ ‬حدود‭ ‬الاستقطاع،‭ ‬وتقليص‭ ‬نطاق‭ ‬التغطيات،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬نحو‭ ‬نهج‭ ‬أكثر‭ ‬تحفظًا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬العملاء‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬استراتيجياتهم‭ ‬التأمينية‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭.‬

خيار‭ ‬تقني
التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والأتمتة‭ ‬برزا‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الشركات‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬حيث‭ ‬تسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬العمليات،‭ ‬وتسريع‭ ‬إجراءات‭ ‬الاكتتاب،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دقة‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الضغوط‭ ‬المتزايدة‭ ‬على‭ ‬الهوامش،‭ ‬يصبح‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الحلول‭ ‬الرقمية‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬التنافسية‭.‬

توازن‭ ‬إقليمي
ورغم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬القطاع‭ ‬يتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬من‭ ‬المتانة،‭ ‬مدعومة‭ ‬بعوامل‭ ‬هيكلية‭ ‬مثل‭ ‬قوة‭ ‬الحوكمة،‭ ‬والانضباط‭ ‬التسعيري،‭ ‬وجودة‭ ‬برامج‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تنوع‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬أثر‭ ‬التقلبات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تعمل‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭ ‬المحلية‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬بما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الخارج‭.‬

مرونة‭ ‬تشغيلية

في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬باتت‭ ‬المرونة‭ ‬التشغيلية‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬الجديدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتجه‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬هياكلها‭ ‬الداخلية‭ ‬لتكون‭ ‬أكثر‭ ‬سرعة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للتغيرات‭ ‬المفاجئة‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬تقليص‭ ‬سلاسل‭ ‬الموافقات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬فرق‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وربط‭ ‬التسعير‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بالبيانات‭ ‬اللحظية،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الشركات‭ ‬قدرة‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التقلبات‭ ‬دون‭ ‬التعرض‭ ‬لصدمات‭ ‬مالية‭ ‬حادة‭.‬

تنوع‭ ‬استثماري
يلعب‭ ‬تنوع‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬امتصاص‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬القطاع،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬عوائد‭ ‬استثماراتها‭ ‬كعنصر‭ ‬موازن‭ ‬للأداء‭ ‬التشغيلي‭. ‬ومع‭ ‬تقلب‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬تتجه‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬توزيع‭ ‬استثماراتها‭ ‬بين‭ ‬أدوات‭ ‬منخفضة‭ ‬المخاطر‭ ‬وأخرى‭ ‬ذات‭ ‬عوائد‭ ‬أعلى،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬السيولة‭ ‬والمرونة،‭ ‬ما‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬رغم‭ ‬الضغوط‭ ‬التأمينية‭ ‬المتزايدة‭.‬

تشدد‭ ‬تعاقدي

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التشدد‭ ‬التعاقدي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬وثائق‭ ‬التأمين‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشروط‭ ‬والاستثناءات،‭ ‬مع‭ ‬إدخال‭ ‬بنود‭ ‬جديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والأمنية‭. ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬التعرض‭ ‬لخسائر‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬فهم‭ ‬الوثائق‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعملاء،‭ ‬ويفرض‭ ‬عليهم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعات‭ ‬قانونية‭ ‬وفنية‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬قبل‭ ‬إبرام‭ ‬العقود‭.‬

إدارة‭ ‬المخاطر
تشهد‭ ‬استراتيجيات‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬تطورًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المخاطر‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تشمل‭ ‬أدوات‭ ‬متعددة‭ ‬مثل‭ ‬النماذج‭ ‬التنبؤية،‭ ‬وتحليل‭ ‬السيناريوهات،‭ ‬واستخدام‭ ‬البيانات‭ ‬الضخمة‭ ‬لتقييم‭ ‬الاحتمالات‭ ‬المستقبلية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بأن‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬أصبحت‭ ‬عنصرًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬أساسيًا،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬وظيفة‭ ‬تشغيلية‭ ‬ضمن‭ ‬أعمال‭ ‬التأمين‭ ‬التقليدية‭.‬
دور‭ ‬تنظيمي

تلعب‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬دورًا‭ ‬متزايد‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬السوق،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فرض‭ ‬معايير‭ ‬أعلى‭ ‬للملاءة‭ ‬المالية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬متطلبات‭ ‬الإفصاح‭ ‬والشفافية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭ ‬المحلية‭. ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قطاع‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات،‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

آفاق‭ ‬مستقبلية
في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬تتجه‭ ‬أسواق‭ ‬التأمين‭ ‬الخليجية‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬نضجًا،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭. ‬ورغم‭ ‬التحديات،‭ ‬تبرز‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬للشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬وتطوير‭ ‬منتجات‭ ‬تأمينية‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المخاطر‭ ‬الحديثة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬الأخطار‭ ‬السيبرانية‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭. ‬ويشير‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬مرحلة‭ ‬ضغوط،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬مرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬نماذج‭ ‬أعمال‭ ‬أكثـر‭ ‬تطورًا‭ ‬واستدامة‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تقف‭ ‬أسواق‭ ‬التأمين‭ ‬الخليجية‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬طرق،‭ ‬حيث‭ ‬تفرض‭ ‬البيئة‭ ‬الراهنة‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬شاملة‭ ‬لقواعد‭ ‬اللعبة‭. ‬وبين‭ ‬تشدد‭ ‬الشروط‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬التغطية‭ ‬للقطاعات‭ ‬الحيوية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يتشكل‭ ‬نموذج‭ ‬جديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬للمخاطر،‭ ‬وتوازن‭ ‬محسوب‭ ‬بين‭ ‬الاستدامة‭ ‬المالية‭ ‬واستمرارية‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

رجوع لأعلى