اختلال السيولة وإعادة هيكلة العلاقة بين النقد والنمو الاقتصادي
مع تراجع جودة الديون داخل القطاعات الاقتصادية الحقيقية، بدأت الصورة المالية الكلية في الصين تتحول بشكل واضح من حالة وفرة نقدية إلى بيئة تتسم بشح السيولة. هذا التحول لم يعد مجرد انعكاس لضعف نمو المعروض النقدي بمفهومه الواسع، بل أصبح يشير إلى خلل هيكلي متزايد في مكونات السيولة ذاتها، وقد انعكس هذا التغير بصورة مباشرة على تكلفة الأموال، حيث سجلت أسعار الفائدة الاسمية ارتفاعاً متواصلاً، لتصل المعدلات الفعلية إلى مستويات لم تُسجل منذ نحو عقد.
وعند مراجعة المسار التاريخي منذ عام 2011، يتبين أن نمو المعروض النقدي الواسع (M2) كان يتحرك ضمـن نطـاق يتراوح بيـن 15 % و16 %، وهو النطاق الذي حافظ على حالة من التوازن في الاقتصاد الكلي دون ضغوط تضخمية أو انكماشية حادة. إلا أن تجاوز هذا النطاق كان يرتبط عادة بموجات من النشاط الاقتصادي المفرط، كما حدث خلال التوسع الائتماني في عامي 2009 و2010، وكذلك خلال مرحلة فائض السيولة في 2007، وفي المقابل، فإن انخفاض النمو دون مستوى 15 % كان يشير غالبًا إلى تباطؤ اقتصادي، وهو ما برز بوضوح بعد عام 2013، حين تراجع النمو إلى مستويات أدنى، مسجلاً نحو 12.1 % في مارس 2014.
إن هذا التراجع في وتيرة نمو السيولة لم يقتصر على البعد الكمي، بل امتد إلى البنية الداخلية للسيولة ذاتها. فقد بدأت السيولة الفعلية في الانكماش مع تباطؤ نمو المعروض النقدي الضيق (M1) مقارنة بالمعروض الواسع (M2)، ما أدى إلى تراجع كفاءة تدفق الأموال داخل الاقتصاد. وتشير التجربة الصينية منذ عام 2001 إلى أن أفضل حالات الاستقرار تتحقق عندما يتحرك كل من M1 وM2 ضمن نطاق نمو متقارب بين 15 % و16 %. أما عندما يتفوق نمو M1 على M2، خصوصاً في ظل مستويات مرتفعة من الأخير، فإن ذلك يعكس غالباً حالة من فائض السيولة غير المتوازن.
وفي موازاة ذلك، أدى ارتفاع أسعار الفائدة الاسمية إلى زيادة كبيرة في تكلفة الاقتراض على الشركات، لا سيما مع تحول مؤشرات أسعار المنتجين إلى مستويات سالبة، ما ضاعف من العبء الحقيقي للتمويل، وعند احتساب أسعار الفائدة الفعلية بعد خصم تغيرات أسعار الإنتاج، يتضح أنها ظلت فوق مستوى 5% منذ منتصف عام 2012، وهو مستوى مرتفع لم يُسجل بشكل مستمر إلا لفترة قصيرة خلال تداعيات أزمة 2009، ما يعكس حجم الضغوط التمويلية التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية.
أزمة السيولة واتساع الطلب النقدي
يرتبط النقص المتزايد في السيولة بعوامل هيكلية عميقة، في مقدمتها ارتفاع مستويات الرفع المالي وتدهور بنية الديون داخل الاقتصاد، ووفقاً للرؤية الكينزية، فإن الطلب على النقود لا ينشأ فقط من دوافع التبادل، بل يمتد ليشمل دوافع الحيطة والمضاربة، وهو ما يفسر تنامي الحاجة إلى السيولة في بيئة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين.
وفي الحالة الصينية، يعتمد نمو المعروض النقدي الواسع (M2) بدرجة كبيرة على سلوك الادخار والاستهلاك لدى مختلف الأطراف الاقتصادية، بينما تمثل الكتلة النقدية الضيقة (M1) جوهر السيولة الفعلية نظراً لارتباطها المباشر بالودائع الجارية لدى المؤسسات, ومع تقلص آجال الديون واشتداد الضغوط المتعلقة بخدمة الدين، ارتفع الطلب على السيولة بشكل ملحوظ لتأمين القدرة على السداد، ما أدى إلى تزايد الميل للاحتفاظ بالنقد بدلًا من توظيفه.
وفي موازاة ذلك، أدى تعقد سلاسل التمويل إلى إعادة تدوير جزء كبير من السيولة بين المؤسسات بدلاً من انتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي، ما أضعف كفاءتها الفعلية. كما ساهمت قيود نظام العرض النقدي شبه الثابت في الحد من مرونة السيولة المتاحة، وهو ما انعكس في تباطؤ نمو (M1) بشكل واضح، بالتزامن مع ارتفاع كل من أسعار الفائدة الاسمية والفعلية نتيجة تصاعد الطلب على النقد.
إن هذا التداخل بين ارتفاع الطلب على السيولة وتقييد جانب العرض النقدي خلق بيئة مالية أكثر تشدداً، جعلت النظام النقدي أقل قدرة على امتصاص الصدمات، وأكثر عرضة لتضخم تكلفة التمويل.
إصلاح شامل للنظام المالي والنقدي
أظهرت التجربة الصينية منذ عام 2003 أن اللامركزية المالية والنقدية يمكن أن تكون أداة فعالة لدعم النمو، لكنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها مخاطر نظامية متراكمة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إصلاح عميق لا يقتصر على إجراءات جزئية أو تدريجية، بل يستند إلى مقاربة شاملة تعيد هيكلة النظامين المالي والنقدي معاً ضمن إطار متكامل.
هذا النهج، المعروف بـ«التخطيط المنظومي الشامل»، ليس جديداً على التجربة الصينية، بل يمتد إلى مسار طويل من الإصلاحات التي شكلت فيها القرارات الاستراتيجية للحزب الشيوعي الصيني محطات مفصلية في إعادة صياغة بنية الاقتصاد وتحديد مساراته، سواء على المستوى السياسي أو التنموي.
ويعكس هذا المفهوم إدراكاً متزايداً بأن الاختلالات النقدية والمالية لا يمكن معالجتها بشكل منفصل، بل تتطلب إعادة بناء متزامنة لبنية النظام الاقتصادي بكامله، بما يضمن التوازن بين الاستقرار المالي وديناميكية النمو.
ضبط الأسواق
تبقى إعادة ضبط العلاقة بين الحكومة والسوق محوراً أساسياً في أي عملية إصلاح اقتصادي. فقد تطور هذا المفهوم في الفكر الاقتصادي الصيني من منح السوق دوراً «أساسياً» في تخصيص الموارد، إلى إقرار دوره «الحاسم» ضمن إطار تنظيمي تشرف عليه الدولة.
غير أن جوهر هذا التحول لا يكمن فقط في توسيع نطاق دور السوق، بل في إعادة صياغة دور الحكومة نفسها. فبدلًا من التدخل المباشر وتقديم الدعم التقليدي، يتجه الدور الحكومي نحو تعزيز الكفاءة التنظيمية وتهيئة البيئة المناسبة لعمل الأسواق، بما يشبه الانتقال من «اليد الظاهرة» إلى «اليد الخفية»، حيث يكون التأثير غير مباشر لكنه أكثر فاعلية واستدامة في توجيه النشاط الاقتصادي.
من «التدخل المباشر»
إلى «آليات السوق»
يرتبط التحول من نموذج «يد العون» إلى «اليد الخفية» بتراجع فعالية التدخل الحكومي المباشر مع تقدم الاقتصاد في مراحل التنمية. ففي المراحل الأولى، حيث تكون رؤوس الأموال شحيحة وفرص الاستثمار أكثر وضوحًا، لعبت الدولة دوراً حاسماً في توجيه الموارد وتجاوز اختناقات النمو، كما شهدته تجارب الاقتصادات الموجهة والناشئة قبل تسعينات القرن الماضي. وقد أسهمت السياسات الصناعية والتدخلات المنظمة آنذاك في دفع عجلة التنمية عبر دعم المشاريع ذات الجدوى الواضحة.
لكن مع نضوج الاقتصاد وتراكم الاستثمارات الأساسية، بدأت التحديات تتغير. فقد ظهرت فوائض في الطاقة الإنتاجية، وأصبح من الصعب تحديد المشاريع القادرة على قيادة النمو المستقبلي، وفي هذه المرحلة، لم يعد التدخل المباشر بنفس الكفاءة، بل قد يتحول في بعض الحالات إلى عبء يعيق ديناميكية السوق، خصوصاً في ظل أنظمة غير مكتملة أو آليات تعاني من اختلالات هيكلية.
تصاعد الحاجة إلى كفاءة السوق
بالتوازي مع هذا التحول، تزايدت الحاجة إلى دور أكثر فاعلية لآليات السوق. فمع ارتفاع مستويات الدخل، يزداد الطلب على الخدمات العامة، وهو ما تؤكده الأدبيات الاقتصادية التي تشير إلى أن الاقتصادات المتقدمة تصبح أكثر اعتماداً على أنظمة مالية ونقدية مرنة قادرة على تلبية هذا الطلب بكفاءة.
ومن الناحية المالية، ومع تراكم رؤوس الأموال، تتجه الاستثمارات نحو مجالات أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، ما يستدعي وجود أسواق مالية عميقة ومتطورة قادرة على اكتشاف الفرص، وتوفير المعلومات، وإدارة المخاطر بكفاءة، وهو ما لا يمكن تحقيقه ضمن أنظمة مقيدة، بل يتطلب بيئة مالية أكثر انفتاحاً ومرونة.
دور حكومي أكثر كفاءة
هذا التحول لا يعني انسحاب الدولة أو تقليص طموحاتها، بل إعادة تعريف دورها ليصبح أكثر كفاءة وتأثيراً. فالحكومة في هذه المرحلة مطالبة بتعزيز البيئة المؤسسية والتنظيمية، لا مزاحمة السوق في وظائفه الأساسية، خاصة في ظل استمرار وجود فجوات في بناء الأسواق ومخاطر تقلبات الاقتصاد الكلي.
ويترجم هذا الدور المتجدد في مجموعة من المحاور العملية:
أولاً: تبسيط الإجراءات الإدارية وتوسيع صلاحيات المؤسسات، مع تقليص التدخلات غير الضرورية.
ثانياً: تحسين أنظمة حماية حقوق الملكية، ودعم تطوير الاقتصاد بنظام الملكية المختلطة بما يحقق توازناً بين القطاعين العام والخاص.
ثالثاً: تطبيق نظام موحد لدخول الأسواق قائم على القوائم السلبية بما يعزز الشفافية ويحدد الأطر التنظيمية بوضوح.
رابعاً: تقليص التدخل في تسعير السلع والخدمات، ودفع إصلاحات تدريجية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والاتصالات.
خامساً: تطوير أنظمة الرقابة على الأسواق عبر إطار موحد يهدف إلى الحد من التقلبات الاقتصادية وتقليل المخاطر النظامية والإقليمية.
وبهذا المعنى، فإن التحول نحو «اليد الخفية» لا يمثل تخليًا عن دور الدولة، بل انتقالًا إلى مرحلة أكثر نضجاً، تُدار فيها العلاقة بين الحكومة والسوق بكفاءة أعلى، بما يحقق الاستقرار الاقتصادي ويعزز استدامة النمو.