تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختلال‭ ‬السيولة‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي

ِِEE.33

مع‭ ‬تراجع‭ ‬جودة‭ ‬الديون‭ ‬داخل‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بدأت‭ ‬الصورة‭ ‬المالية‭ ‬الكلية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬تتحول‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬وفرة‭ ‬نقدية‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بشح‭ ‬السيولة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬لضعف‭ ‬نمو‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬بمفهومه‭ ‬الواسع،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬خلل‭ ‬هيكلي‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬مكونات‭ ‬السيولة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬الأموال،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الاسمية‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬متواصلاً،‭ ‬لتصل‭ ‬المعدلات‭ ‬الفعلية‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬لم‭ ‬تُسجل‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬عقد‭.‬
وعند‭ ‬مراجعة‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬نمو‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬الواسع‭ ‬‭(‬M2‭) ‬كان‭ ‬يتحرك‭ ‬ضمـن‭ ‬نطـاق‭ ‬يتراوح‭ ‬بيـن‭ ‬15‭ % ‬و16‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬النطاق‭ ‬الذي‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭ ‬دون‭ ‬ضغوط‭ ‬تضخمية‭ ‬أو‭ ‬انكماشية‭ ‬حادة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬كان‭ ‬يرتبط‭ ‬عادة‭ ‬بموجات‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المفرط،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬التوسع‭ ‬الائتماني‭ ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2009‭ ‬و2010،‭ ‬وكذلك‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬فائض‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬2007،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬انخفاض‭ ‬النمو‭ ‬دون‭ ‬مستوى‭ ‬15‭ % ‬كان‭ ‬يشير‭ ‬غالبًا‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬برز‭ ‬بوضوح‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2013،‭ ‬حين‭ ‬تراجع‭ ‬النمو‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أدنى،‭ ‬مسجلاً‭ ‬نحو‭ ‬12‭.‬1‭ % ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2014‭.‬
إن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬نمو‭ ‬السيولة‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الكمي،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الداخلية‭ ‬للسيولة‭ ‬ذاتها‭. ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬السيولة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬الانكماش‭ ‬مع‭ ‬تباطؤ‭ ‬نمو‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬الضيق‭ (‬M1‭) ‬مقارنة‭ ‬بالمعروض‭ ‬الواسع‭ (‬M2‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬كفاءة‭ ‬تدفق‭ ‬الأموال‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وتشير‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أفضل‭ ‬حالات‭ ‬الاستقرار‭ ‬تتحقق‭ ‬عندما‭ ‬يتحرك‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬M1‭ ‬وM2‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬نمو‭ ‬متقارب‭ ‬بين‭ ‬15‭ % ‬و16‭ %. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬يتفوق‭ ‬نمو‭ ‬M1‭ ‬على‭ ‬M2،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الأخير،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يعكس‭ ‬غالباً‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬السيولة‭ ‬غير‭ ‬المتوازن‭.‬
وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬أدى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الاسمية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬على‭ ‬الشركات،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬مؤشرات‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجين‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬سالبة،‭ ‬ما‭ ‬ضاعف‭ ‬من‭ ‬العبء‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتمويل،‭ ‬وعند‭ ‬احتساب‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الفعلية‭ ‬بعد‭ ‬خصم‭ ‬تغيرات‭ ‬أسعار‭ ‬الإنتاج،‭ ‬يتضح‭ ‬أنها‭ ‬ظلت‭ ‬فوق‭ ‬مستوى‭ ‬5‭% ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬مرتفع‭ ‬لم‭ ‬يُسجل‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر‭ ‬إلا‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭ ‬خلال‭ ‬تداعيات‭ ‬أزمة‭ ‬2009،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الضغوط‭ ‬التمويلية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

أزمة‭ ‬السيولة‭ ‬واتساع‭ ‬الطلب‭ ‬النقدي

يرتبط‭ ‬النقص‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬السيولة‭ ‬بعوامل‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الرفع‭ ‬المالي‭ ‬وتدهور‭ ‬بنية‭ ‬الديون‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬ووفقاً‭ ‬للرؤية‭ ‬الكينزية،‭ ‬فإن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النقود‭ ‬لا‭ ‬ينشأ‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬دوافع‭ ‬التبادل،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬دوافع‭ ‬الحيطة‭ ‬والمضاربة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تنامي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬
وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الصينية،‭ ‬يعتمد‭ ‬نمو‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬الواسع‭ (‬M2‭) ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬الادخار‭ ‬والاستهلاك‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بينما‭ ‬تمثل‭ ‬الكتلة‭ ‬النقدية‭ ‬الضيقة‭ (‬M1‭) ‬جوهر‭ ‬السيولة‭ ‬الفعلية‭ ‬نظراً‭ ‬لارتباطها‭ ‬المباشر‭ ‬بالودائع‭ ‬الجارية‭ ‬لدى‭ ‬المؤسسات‭, ‬ومع‭ ‬تقلص‭ ‬آجال‭ ‬الديون‭ ‬واشتداد‭ ‬الضغوط‭ ‬المتعلقة‭ ‬بخدمة‭ ‬الدين،‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السيولة‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬لتأمين‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السداد،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تزايد‭ ‬الميل‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بالنقد‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬توظيفه‭.‬
وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬أدى‭ ‬تعقد‭ ‬سلاسل‭ ‬التمويل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬انتقالها‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ما‭ ‬أضعف‭ ‬كفاءتها‭ ‬الفعلية‭. ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬قيود‭ ‬نظام‭ ‬العرض‭ ‬النقدي‭ ‬شبه‭ ‬الثابت‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬السيولة‭ ‬المتاحة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬تباطؤ‭ ‬نمو‭ (‬M1‭) ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الاسمية‭ ‬والفعلية‭ ‬نتيجة‭ ‬تصاعد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النقد‭.‬
إن‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السيولة‭ ‬وتقييد‭ ‬جانب‭ ‬العرض‭ ‬النقدي‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬مالية‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً،‭ ‬جعلت‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات،‭ ‬وأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لتضخم‭ ‬تكلفة‭ ‬التمويل‭.‬

إصلاح‭ ‬شامل‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي

أظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬أن‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬فعالة‭ ‬لدعم‭ ‬النمو،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬مخاطر‭ ‬نظامية‭ ‬متراكمة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬عميق‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬جزئية‭ ‬أو‭ ‬تدريجية،‭ ‬بل‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬شاملة‭ ‬تعيد‭ ‬هيكلة‭ ‬النظامين‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي‭ ‬معاً‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬متكامل‭.‬
هذا‭ ‬النهج،‭ ‬المعروف‭ ‬بـ«التخطيط‭ ‬المنظومي‭ ‬الشامل‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬جديداً‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬فيها‭ ‬القرارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭ ‬محطات‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتحديد‭ ‬مساراته،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬التنموي‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬إدراكاً‭ ‬متزايداً‭ ‬بأن‭ ‬الاختلالات‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬معالجتها‭ ‬بشكل‭ ‬منفصل،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬متزامنة‭ ‬لبنية‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بكامله،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬وديناميكية‭ ‬النمو‭.‬

ضبط‭ ‬الأسواق

تبقى‭ ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والسوق‭ ‬محوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬إصلاح‭ ‬اقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الصيني‭ ‬من‭ ‬منح‭ ‬السوق‭ ‬دوراً‭ ‬‮«‬أساسياً‮»‬‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد،‭ ‬إلى‭ ‬إقرار‭ ‬دوره‭ ‬‮«‬الحاسم‮»‬‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬تشرف‭ ‬عليه‭ ‬الدولة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬دور‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬دور‭ ‬الحكومة‭ ‬نفسها‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬التقليدي،‭ ‬يتجه‭ ‬الدور‭ ‬الحكومي‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬التنظيمية‭ ‬وتهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬لعمل‭ ‬الأسواق،‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬‮«‬اليد‭ ‬الظاهرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬اليد‭ ‬الخفية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬التأثير‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬لكنه‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬واستدامة‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

من‭ ‬‮«‬التدخل‭ ‬المباشر‮»‬‭ ‬
إلى‭ ‬‮«‬آليات‭ ‬السوق‮»‬

يرتبط‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬يد‭ ‬العون‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬اليد‭ ‬الخفية‮»‬‭ ‬بتراجع‭ ‬فعالية‭ ‬التدخل‭ ‬الحكومي‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬تقدم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التنمية‭. ‬ففي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى،‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬شحيحة‭ ‬وفرص‭ ‬الاستثمار‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬لعبت‭ ‬الدولة‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬وتجاوز‭ ‬اختناقات‭ ‬النمو،‭ ‬كما‭ ‬شهدته‭ ‬تجارب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الموجهة‭ ‬والناشئة‭ ‬قبل‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتدخلات‭ ‬المنظمة‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬التنمية‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬المشاريع‭ ‬ذات‭ ‬الجدوى‭ ‬الواضحة‭.‬
لكن‭ ‬مع‭ ‬نضوج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتراكم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأساسية،‭ ‬بدأت‭ ‬التحديات‭ ‬تتغير‭. ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬فوائض‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وأصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تحديد‭ ‬المشاريع‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬النمو‭ ‬المستقبلي،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭ ‬بنفس‭ ‬الكفاءة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يعيق‭ ‬ديناميكية‭ ‬السوق،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أنظمة‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬أو‭ ‬آليات‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬هيكلية‭.‬

تصاعد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كفاءة‭ ‬السوق

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬تزايدت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬لآليات‭ ‬السوق‭. ‬فمع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬يزداد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬الأدبيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬مالية‭ ‬ونقدية‭ ‬مرنة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬هذا‭ ‬الطلب‭ ‬بكفاءة‭.‬
ومن‭ ‬الناحية‭ ‬المالية،‭ ‬ومع‭ ‬تراكم‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬تتجه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬نحو‭ ‬مجالات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأقل‭ ‬وضوحاً،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬وجود‭ ‬أسواق‭ ‬مالية‭ ‬عميقة‭ ‬ومتطورة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬الفرص،‭ ‬وتوفير‭ ‬المعلومات،‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بكفاءة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬ضمن‭ ‬أنظمة‭ ‬مقيدة،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬بيئة‭ ‬مالية‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬ومرونة‭.‬

دور‭ ‬حكومي‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انسحاب‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬طموحاتها،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دورها‭ ‬ليصبح‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وتأثيراً‭. ‬فالحكومة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬مطالبة‭ ‬بتعزيز‭ ‬البيئة‭ ‬المؤسسية‭ ‬والتنظيمية،‭ ‬لا‭ ‬مزاحمة‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬وظائفه‭ ‬الأساسية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬وجود‭ ‬فجوات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الأسواق‭ ‬ومخاطر‭ ‬تقلبات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭.‬
ويترجم‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬المتجدد‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬العملية‭:‬
أولاً‭: ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬وتوسيع‭ ‬صلاحيات‭ ‬المؤسسات،‭ ‬مع‭ ‬تقليص‭ ‬التدخلات‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭.‬
ثانياً‭: ‬تحسين‭ ‬أنظمة‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية،‭ ‬ودعم‭ ‬تطوير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بنظام‭ ‬الملكية‭ ‬المختلطة‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬توازناً‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭.‬
ثالثاً‭: ‬تطبيق‭ ‬نظام‭ ‬موحد‭ ‬لدخول‭ ‬الأسواق‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬القوائم‭ ‬السلبية‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الشفافية‭ ‬ويحدد‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬بوضوح‭.‬
رابعاً‭: ‬تقليص‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬ودفع‭ ‬إصلاحات‭ ‬تدريجية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬الطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬والاتصالات‭.‬
خامساً‭: ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬عبر‭ ‬إطار‭ ‬موحد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬النظامية‭ ‬والإقليمية‭.‬
وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فإن‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬اليد‭ ‬الخفية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬تخليًا‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬انتقالًا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً،‭ ‬تُدار‭ ‬فيها‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والسوق‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ويعزز‭ ‬استدامة‭ ‬النمو‭.‬

رجوع لأعلى