أمازون وميتا تتصارعان على بوابة المستهلك
تفتح المواجهة بين «أمازون» و«ميتا» حول وكيل الذكاء الاصطناعي «ميوز» جبهة جديدة في المنافسة التكنولوجية، تتجاوز سباق تطوير النماذج الذكية إلى معركة أكبر حول الجهة التي ستسيطر على العلاقة المباشرة مع المستهلك، خصوصاً بعدما أصبحت الوكلاء قادرة على تنفيذ عمليات البحث والمقارنة والشراء بدلاً من المستخدم.
وحظرت «أمازون» وكيل «ميوز» من تصفح موقعها وإتمام عمليات الشراء نيابة عن العملاء، في خطوة تكشف حجم التحدي الذي يمكن أن تمثله هذه التكنولوجيا لنموذج التجارة الإلكترونية التقليدي، إذ يمكن أن تتحول واجهة التسوق مستقبلاً من المتجر نفسه إلى مساعد ذكي يتولى اختيار المنتجات ومقارنتها وتنفيذ المعاملة كاملة.
بوابة المستهلك
وتكمن أهمية «ميوز» في أن «ميتا» تسعى إلى تقديمه باعتباره وكيلاً شخصياً يمكن استخدامه مباشرة لتنفيذ مجموعة واسعة من المهام، من إرسال البريد الإلكتروني وحجز السفر إلى فتح المواقع وتعبئة النماذج والتفاوض وتنفيذ عمليات التسوق.
وهذه القدرات تغير طبيعة العلاقة بين المستهلك والمنصات الرقمية. فبدلاً من دخول المستخدم إلى «أمازون» والبحث بين المنتجات ومشاهدة الإعلانات ومقارنة الخيارات بنفسه، يمكنه ببساطة إصدار أمر إلى الوكيل بالعثور على المنتج الأنسب وشرائه.
وهنا يظهر جوهر الخلاف؛ إذ قالت «أمازون» إن «ميتا» لم تحصل على إذن مسبق لتشغيل وكيلها على المنصة، وإن الروبوت لا يفصح بصورة مناسبة عن هويته أثناء التصفح ويستطيع الوصول إلى صفحات الحساب وسجل الطلبات.
في المقابل، تقول «ميتا» إن بيانات المستخدم تحفظ بطريقة آمنة، وإن الوكيل يستطيع استخدامها لتنفيذ المهام من دون الاطلاع المباشر على كلمات المرور أو بيانات وسائل الدفع.
لكن الخلاف الأمني ليس سوى جانب من مواجهة اقتصادية أوسع. فالطرف الذي يمتلك الواجهة التي يبدأ منها المستهلك عملية الشراء يمتلك فرصة أكبر للتحكم في البيانات والتوصيات والإعلانات والعلاقة التجارية، وهي عناصر تمثل قيمة هائلة بالنسبة إلى منصات التكنولوجيا.
اقتصاد الإعلانات
وتظهر حساسية «أمازون» تجاه وكلاء التسوق عند النظر إلى حجم نشاطها الإعلاني، الذي حقق نحو 68 مليار دولار من الإيرادات خلال العام السابق، بما يعادل قرابة 10 % من إجمالي إيرادات الشركة.
ويعتمد جانب مهم من هذا النشاط على دخول المستهلكين إلى صفحات «أمازون»، والبحث عن المنتجات ومشاهدة النتائج والإعلانات المدفوعة. لكن انتشار الوكلاء المستقلين يمكن أن يقلص هذه الرحلة إلى طلب واحد، مثل البحث عن أرخص منتج بمواصفات محددة وشرائه مباشرة.
وفي هذا السيناريو، قد لا يرى المستخدم عشرات المنتجات والإعلانات التي كانت تظهر أمامه، ما يهدد جزءاً من القيمة الاقتصادية الناتجة عن حركة المستهلك داخل المنصة.
ولهذا لا تبدو المعركة مجرد خلاف تقني حول السماح لروبوت بالدخول إلى موقع إلكتروني، وإنما صراعاً على من يتحكم في «بوابة المستهلك». فإذا أصبح المساعد الذكي هو نقطة البداية للتسوق، يمكن أن تتحول المتاجر الإلكترونية تدريجياً إلى مزودي منتجات خلفيين تتعامل معهم الوكلاء نيابة عن العملاء.
لكن قطاع التجارة الإلكترونية لا يتبنى موقفاً موحداً. فقد اختارت «شوبيفاي» مساراً مختلفاً وسمحت لمساعد «ميتا» بالتسوق وإتمام المعاملات، في رهان على أن تسهيل وصول الوكلاء قد يزيد المبيعات حتى لو قلل الاتصال المباشر بين المتجر والمستهلك.
ويكشف التباين عن معادلة جديدة أمام شركات التجزئة: إما فتح منصاتها للوكلاء للاستفادة من الطلب الذي يجلبونه، أو حماية العلاقة المباشرة مع العملاء والبيانات والإعلانات التي تعتمد عليها نماذج أعمالها.
وسطاء مهددون
ولا تتوقف تداعيات الوكلاء عند التجارة الإلكترونية. فكلما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة، اتسعت قائمة القطاعات التي قد تواجه ضغوطاً على دور الوسيط التقليدي.
وقد انعكست هذه المخاوف على أسهم شركات في الخدمات المالية والسفر، إذ تعرضت شركات مثل «تشارلز شواب» و«إل بي إل فاينانشال» لضغوط مرتبطة بمخاوف من قدرات الأتمتة، كما تراجعت أسهم منصات للحجز والسياحة مثل «بوكينج هولدينجز» و«إكسبيديا» وسط تساؤلات بشأن الدور الذي ستلعبه منصات الوساطة إذا أصبح الوكيل قادراً على مقارنة الرحلات والفنادق والحجز مباشرة.
وتتحرك «ميتا» في الوقت نفسه لتوسيع البنية اللازمة لجعل «ميوز» أداة قادرة على تنفيذ المعاملة من بدايتها إلى نهايتها، مع دعم عمليات الدفع عبر نظام «لينك» التابع لـ«سترايب»، وخطط لإضافة «شوب باي» ودعم «وان باسورد» لإدارة بيانات الدخول.
كما يضيف الصراع بعداً قانونياً، خصوصاً مع محاولات منصات كبرى تحديد الطريقة التي تستطيع بها الوكلاء الوصول إلى مواقعها وبياناتها، وهو نقاش مرشح للاتساع مع انتشار هذه التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع القوة
وتكشف مواجهة «أمازون» و«ميتا» أن المعركة المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تدور حول من يمتلك النموذج الأكثر ذكاءً فقط، وإنما حول من يصبح الوسيط الرئيسي بين المستهلك والاقتصاد الرقمي. فإذا اعتاد المستخدم تفويض مساعده الشخصي للبحث والشراء والحجز والتفاوض، فإن الشركات التي بنت أعمالها على جذب المستهلك إلى مواقعها قد تجد نفسها أمام تغيير جذري في قواعد المنافسة. ومن هنا يصبح حظر «ميوز» مؤشراً مبكراً إلى صراع أوسع على البيانات والإعلانات وعمولات التجارة ونقطة الاتصال الأولى مع العميل، وهي معركة قد تعيد توزيع مليارات الدولارات بين منصات التكنولوجيا والتجارة والوسطاء الرقميين.