تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الهيكل‭ ‬الاقتصادي

QSZ…110

خلال‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الإصلاح،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الصين‭ ‬تواجه‭ ‬أعباءً‭ ‬تُذكر‭ ‬من‭ ‬الديون‭ ‬الداخلية‭ ‬أو‭ ‬الخارجية‭. ‬ورغم‭ ‬الارتفاع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الدين‭ ‬خلال‭ ‬المراحل‭ ‬اللاحقة،‭ ‬فإنه‭ ‬ظل‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬20‭% ‬و30‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬القومي،‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستويات‭ ‬الدين‭ ‬الداخلي‭ ‬والخارجي‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬50‭% ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬100‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬شكّل‭ ‬انخفاض‭ ‬عبء‭ ‬الدين‭ ‬نسبياً‭ ‬عاملاً‭ ‬مساعداً‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬دون‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬اقتصادات‭ ‬أخرى‭.‬
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬المزايا‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬الصين‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الإصلاح،‭ ‬اتساع‭ ‬إدراكها‭ ‬لمواطن‭ ‬الخلل‭ ‬والممارسات‭ ‬الفاسدة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭. ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬جرت‭ ‬محاولات‭ ‬متعددة‭ ‬لمعالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬النظام‭ ‬القائم،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬للمسؤولين‭ ‬والمواطنين‭ ‬فهماً‭ ‬أعمق‭ ‬للتحديات،‭ ‬ورسّخ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسي‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬ظل‭ ‬احتمال‭ ‬آخر‭ ‬قائماً،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬انخفاض‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬بعد‭ ‬عقدين‭ ‬إضافيين،‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬المؤسسات‭ ‬البلدية‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬كيانات‭ ‬أقرب‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬اضطلع‭ ‬مصرف‭ ‬احتكاري‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬بتمويل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬قروض‭ ‬كبيرة،‭ ‬فقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬الديون‭ ‬لديها،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬مخاطر‭ ‬التعثر‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السداد‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كانت‭ ‬الملكية‭ ‬الجماعية‭ ‬للمؤسسات،‭ ‬رغم‭ ‬ابتعادها‭ ‬عن‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬الشركات‭ ‬الحديثة،‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬التقليدي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭. ‬وقد‭ ‬ارتبط‭ ‬النمو‭ ‬السريع‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الصناعية‭ ‬البلدية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬عاملة‭ ‬ريفية‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توافر‭ ‬الأراضي،‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬منافسة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

عبء‭ ‬الدين

وتكشف‭ ‬تجربة‭ ‬الإصلاح‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قضية‭ ‬تتعلق‭ ‬بنمط‭ ‬الملكية‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬منظومة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتمويل‭ ‬والعمالة‭ ‬وكفاءة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭. ‬وقد‭ ‬شكّلت‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬مجتمعة‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬الانتقال‭ ‬التدريجي‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬السوق‭ ‬وأكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
وبوجه‭ ‬عام،‭ ‬ظلت‭ ‬إصلاحات‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬تركز‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬الأقل‭ ‬تعقيداً،‭ ‬دون‭ ‬إحراز‭ ‬تقدم‭ ‬كافٍ‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭. ‬كما‭ ‬اقتصرت‭ ‬بعض‭ ‬الجهود‭ ‬على‭ ‬خطوات‭ ‬محدودة‭ ‬لم‭ ‬تسهم‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح،‭ ‬ما‭ ‬أبقى‭ ‬القضايا‭ ‬الهيكلية‭ ‬الأساسية‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬شاملة‭.‬
ومع‭ ‬أهمية‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬التالية‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬واستراتيجية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإجراءات‭ ‬جزئية‭.‬

دور‭ ‬القطاع

ومع‭ ‬مرور‭ ‬نحو‭ ‬عقدين‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الصين‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬مع‭ ‬اضطلاع‭ ‬مؤسسات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بدور‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬كانت‭ ‬البلاد‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬لحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬المتنامية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬وعقود‭ ‬العمل،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬العجز‭.‬
وكانت‭ ‬إصلاحات‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬عقدين،‭ ‬فيما‭ ‬سبقتها‭ ‬تجارب‭ ‬مماثلة‭ ‬بفترة‭ ‬أطول‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭. ‬ولذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إهدار‭ ‬عقدين‭ ‬إضافيين‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬تجربة‭ ‬الإصلاح‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬المطلوب‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬لاقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬المتقدمة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬محاولات‭ ‬الإصلاح‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭.‬
ولم‭ ‬تكن‭ ‬الصعوبة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬تقنية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتحديد‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تسلكه‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح‭. ‬فالمشكلات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحوافز‭ ‬والإدارة‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬حلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استمرار‭ ‬الملكية‭ ‬الحكومية‭ ‬وحدها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬تغيير‭ ‬طبيعة‭ ‬الملكية‭ ‬جزءاً‭ ‬محورياً‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الإصلاح‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬الخصخصة‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬الآليات‭ ‬المطروحة‭ ‬لمعالجة‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات،‭ ‬مع‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الأعباء‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الناجمة‭ ‬عنها‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬تحسين‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬والإبقاء‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الملكية‭ ‬الحكومية،‭ ‬فإن‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬تقليص‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تدريجياً،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬نشوء‭ ‬مؤسسات‭ ‬حديثة‭ ‬ونظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬يتوافق‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬مع‭ ‬الأعراف‭ ‬الدولية،‭ ‬فإن‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الإصلاح‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭.‬
ومن‭ ‬شأن‭ ‬وجود‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الحديثة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬واضحة‭ ‬للملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬وتحمل‭ ‬مباشر‭ ‬لمسؤولية‭ ‬الأرباح‭ ‬والخسائر،‭ ‬أن‭ ‬يدعم‭ ‬تحسن‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدولة‭ ‬ومستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬اقتصادها‭. ‬فالتأثير‭ ‬الواسع‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ومجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬والسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬لم‭ ‬ينشأ‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬الحكومة‭ ‬المباشر‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وإنما‭ ‬ارتبط‭ ‬بقوة‭ ‬اقتصاد‭ ‬سوق‭ ‬حديث‭ ‬وحيوي‭.‬

ظروف‭ ‬مواتية

وإذا‭ ‬تمكنت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬تقليص‭ ‬حجم‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الخصخصة‭ ‬الكاملة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬سيشكل‭ ‬تحولاً‭ ‬بحجم‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه‭ ‬دنغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭ ‬بفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬المناطق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخاصة،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتشكل‭ ‬اقتصاد‭ ‬صيني‭ ‬حديث‭ ‬أقل‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالأعباء‭ ‬المؤسسية،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العالمي‭ ‬والعمالة‭ ‬الصينية‭.‬
وكانت‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬أفضل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬خلال‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الإصلاح،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬التوقيت‭ ‬مواتياً‭ ‬للمضي‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭. ‬فقد‭ ‬اتسمت‭ ‬السياسات‭ ‬الصينية‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعقود‭ ‬السابقة،‭ ‬بينما‭ ‬اتجه‭ ‬معظم‭ ‬السكان‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المعيشية‭ ‬وبناء‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة،‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالحراك‭ ‬السياسي‭.‬
كما‭ ‬توافرت‭ ‬للقيادة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬دنغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭ ‬والسنوات‭ ‬اللاحقة‭ ‬ظروف‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬بعدما‭ ‬أظهرت‭ ‬معالجة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الملموسة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬قدرة‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬كانت‭ ‬آفاق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬التالية‭ ‬واسعة،‭ ‬مع‭ ‬توقع‭ ‬استمرار‭ ‬تحسن‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة،‭ ‬فيما‭ ‬أظهرت‭ ‬الإجراءات‭ ‬الحكومية‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإصلاح‭ ‬قدرة‭ ‬متقدمة‭ ‬نسبياً‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وكان‭ ‬تحديد‭ ‬اتجاه‭ ‬واضح‭ ‬لإصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يهيئ‭ ‬بيئة‭ ‬داخلية‭ ‬ودولية‭ ‬مواتية‭ ‬لاستكمال‭ ‬العملية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬نقل‭ ‬الملكية‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأصول‭ ‬عملية‭ ‬يمكن‭ ‬إنجازها‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬لكن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬بحث‭ ‬الآليات‭ ‬المناسبة‭ ‬لتنفيذها‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬المشروعات‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬والأجنبية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬صيغ‭ ‬الشراكة،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الأصول‭ ‬وتحفيز‭ ‬انتقال‭ ‬المؤسسات‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬الحكومي‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬الشركات‭ ‬الحديثة‭.‬
وبمجرد‭ ‬تحديد‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬لإصلاح‭ ‬الملكية،‭ ‬يصبح‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الأخرى‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬عالمياً،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬دنغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭. ‬ومن‭ ‬المنظور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬البحت،‭ ‬تبدو‭ ‬الخصخصة‭ ‬حلاً‭ ‬مباشراً‭ ‬لمشكلات‭ ‬الحوافز‭ ‬وكفاءة‭ ‬الإدارة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحده،‭ ‬نظراً‭ ‬لارتباطه‭ ‬بقضايا‭ ‬مؤسسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬تتجاوز‭ ‬نطاق‭ ‬الاقتصاد‭.‬

إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬ملكية‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة

كان‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدولة‭ ‬بالملكية‭ ‬الحصرية‭ ‬أو‭ ‬الرئيسية‭ ‬للأسهم‭ ‬والأصول‭ ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬العقبات‭ ‬الأساسية‭ ‬أمام‭ ‬بناء‭ ‬حقوق‭ ‬ملكية‭ ‬واضحة‭ ‬وفعالة‭. ‬وأدى‭ ‬هذا‭ ‬الهيكل‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬المؤسسات‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬كامل‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأصول‭ ‬والخسائر،‭ ‬بحيث‭ ‬يستفيد‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬المرتبطون‭ ‬بالمؤسسة،‭ ‬بينما‭ ‬تتحمل‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الخسائر‭.‬
ولتحويل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬حديثة‭ ‬ذات‭ ‬مسؤولية‭ ‬محدودة،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إسناد‭ ‬إدارتها‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬اعتماد‭ ‬هياكل‭ ‬ملكية‭ ‬مختلطة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬يمكن‭ ‬للدولة‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بحصة‭ ‬أقلية‭ ‬من‭ ‬الأسهم،‭ ‬مع‭ ‬انتقال‭ ‬جانب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الإدارة‭ ‬والرقابة‭ ‬إلى‭ ‬المستثمرين‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬أكد‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭ ‬أهمية‭ ‬إصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬ووضع‭ ‬إطاراً‭ ‬مؤسسياً‭ ‬يستهدف‭ ‬تطوير‭ ‬شركات‭ ‬حديثة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬
ومنذ‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬انتقلت‭ ‬الصين‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المخطط‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬السوق،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تبني‭ ‬برنامج‭ ‬شامل‭ ‬للخصخصة‭. ‬وحتى‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬افترض‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬والمراقبين‭ ‬الصينيين‭ ‬أن‭ ‬إصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬مسألة‭ ‬شديدة‭ ‬الصعوبة،‭ ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬تحظَ‭ ‬القضية‭ ‬بنقاش‭ ‬جاد‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭. ‬كما‭ ‬اتخذ‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬موقفاً‭ ‬حذراً‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬إصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭.‬

خيارات‭ ‬الإصلاح

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬بدأ‭ ‬يتغير‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني،‭ ‬الذي‭ ‬طرح‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬لإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات،‭ ‬شملت‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬والائتلاف‭ ‬والاندماج‭ ‬والتأجير‭ ‬والتعاقد‭ ‬وتحويل‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬مساهمة‭ ‬والبيع،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬تسريع‭ ‬إصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتوسطة‭ ‬والصغيرة‭.‬
كما‭ ‬جرى‭ ‬إقرار‭ ‬استخدام‭ ‬السوق‭ ‬العامة‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأجانب‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬لفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬بيع‭ ‬حصص‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬الكبيرة‭ ‬لمستثمرين‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬رأت‭ ‬الحكومة‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬مسيطر‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الحيوية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بحصص‭ ‬مسيطرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭.‬
وبذلك،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مسألة‭ ‬إصلاح‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بنقل‭ ‬الأصول‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬الهيكل‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة،‭ ‬ووضوح‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬الأرباح‭ ‬والخسائر،‭ ‬ودور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برز‭ ‬نموذج‭ ‬الملكية‭ ‬المختلطة،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬للدولة‭ ‬بالاحتفاظ‭ ‬بحصة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬مع‭ ‬منح‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬دوراً‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬والقرار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬الأطر‭ ‬المطروحة‭ ‬لإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬التالية‭ ‬من‭ ‬الإصلاح‭.‬

رجوع لأعلى