إصلاح ملكية المؤسسات يعيد تشكيل الهيكل الاقتصادي
خلال المراحل الأولى من الإصلاح، لم تكن الصين تواجه أعباءً تُذكر من الديون الداخلية أو الخارجية. ورغم الارتفاع السريع في حجم الدين خلال المراحل اللاحقة، فإنه ظل في حدود تتراوح بين 20% و30% من إجمالي الناتج القومي، مقارنة بمستويات الدين الداخلي والخارجي التي بلغت 50% أو حتى 100% من الناتج القومي في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. ومن هذا المنظور، شكّل انخفاض عبء الدين نسبياً عاملاً مساعداً على المضي في إصلاح مؤسسات الدولة دون الضغوط المالية التي واجهتها اقتصادات أخرى.
ومن أبرز المزايا التي اكتسبتها الصين بعد نحو عقدين من الإصلاح، اتساع إدراكها لمواطن الخلل والممارسات الفاسدة داخل المؤسسات المملوكة للدولة. وخلال تلك الفترة، جرت محاولات متعددة لمعالجة المشكلات التي واجهت هذه المؤسسات ضمن إطار النظام القائم، ما أتاح للمسؤولين والمواطنين فهماً أعمق للتحديات، ورسّخ الحاجة إلى إصلاح مؤسسي أكثر شمولاً.
في المقابل، ظل احتمال آخر قائماً، يتمثل في استمرار انخفاض كفاءة المؤسسات الحكومية بعد عقدين إضافيين، مع تحول المؤسسات البلدية تدريجياً إلى كيانات أقرب في طبيعتها إلى المؤسسات المملوكة للدولة. وفي حال اضطلع مصرف احتكاري على المستوى الوطني بتمويل هذه المؤسسات عبر تقديم قروض كبيرة، فقد يؤدي ذلك إلى تراكم الديون لديها، بما يرفع مخاطر التعثر وعدم القدرة على السداد.
ومع ذلك، كانت الملكية الجماعية للمؤسسات، رغم ابتعادها عن المعايير الدولية السائدة في نظم الشركات الحديثة، أكثر مرونة من النموذج التقليدي للمؤسسات المملوكة للدولة. وقد ارتبط النمو السريع للمؤسسات الصناعية البلدية في الصين خلال المراحل السابقة بدرجة كبيرة بقدرتها على الاستفادة من قوة عاملة ريفية منخفضة التكلفة، إلى جانب توافر الأراضي، ما منحها قدرة أكبر على منافسة المؤسسات المملوكة للدولة والوصول إلى الأسواق الدولية.
عبء الدين
وتكشف تجربة الإصلاح أن إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة لم تكن قضية تتعلق بنمط الملكية وحده، بل شملت منظومة أوسع من الملفات المرتبطة بالتمويل والعمالة وكفاءة الإنتاج والقدرة على المنافسة. وقد شكّلت هذه العناصر مجتمعة جزءاً أساسياً من مسار الانتقال التدريجي إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً على آليات السوق وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي.
وبوجه عام، ظلت إصلاحات المؤسسات المملوكة للدولة، حتى تلك المرحلة، تركز بدرجة كبيرة على معالجة المشكلات الأقل تعقيداً، دون إحراز تقدم كافٍ في القضايا الرئيسية التي تحد من كفاءة هذه المؤسسات. كما اقتصرت بعض الجهود على خطوات محدودة لم تسهم بالقدر الكافي في دفع عملية الإصلاح، ما أبقى القضايا الهيكلية الأساسية دون معالجة شاملة.
ومع أهمية إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة في تحديد ملامح المرحلة التالية من التنمية الاقتصادية، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في هذا الملف بصورة أكثر شمولاً واستراتيجية، بما يضمن معالجة الاختلالات الهيكلية بدلاً من الاكتفاء بإجراءات جزئية.
دور القطاع
ومع مرور نحو عقدين على بدء الإصلاحات، كان من المتوقع أن تصبح الصين واحدة من أقوى اقتصادات السوق في العالم، مع اضطلاع مؤسسات القطاع الخاص بدور أكثر أهمية في النشاط الاقتصادي. وفي تلك المرحلة، كانت البلاد بحاجة إلى إطار قانوني أكثر فاعلية لحماية حقوق الملكية الخاصة المتنامية، وتنظيم النظام المالي وعقود العمل، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على الأدوات المالية لإنقاذ المؤسسات المملوكة للدولة التي تعاني من العجز.
وكانت إصلاحات المؤسسات المملوكة للدولة قد بدأت في الصين قبل نحو عقدين، فيما سبقتها تجارب مماثلة بفترة أطول في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية. ولذلك، لم يكن من الممكن إهدار عقدين إضافيين في تكرار تجربة الإصلاح نفسها، بل كان المطلوب الاستفادة من التجارب التاريخية لاقتصادات السوق المتقدمة، إلى جانب الدروس التي أفرزتها محاولات الإصلاح في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية.
ولم تكن الصعوبة الأساسية التي تواجه إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة ذات طبيعة تقنية بقدر ما كانت مرتبطة بتحديد المسار الذي ينبغي أن تسلكه عملية الإصلاح. فالمشكلات المرتبطة بالحوافز والإدارة داخل هذه المؤسسات لا تجد حلاً كاملاً من خلال استمرار الملكية الحكومية وحدها، وهو ما جعل تغيير طبيعة الملكية جزءاً محورياً من النقاش حول الإصلاح.
وفي هذا السياق، برزت الخصخصة باعتبارها إحدى الآليات المطروحة لمعالجة جوانب من هذه الاختلالات، مع الحد من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها. فإذا كان الهدف هو تحسين أداء المؤسسات المملوكة للدولة والإبقاء عليها في إطار الملكية الحكومية، فإن مسار الإصلاح يصبح أكثر تعقيداً مع مرور الوقت. أما إذا كان الهدف هو تقليص حجم هذه المؤسسات تدريجياً، بما يتيح نشوء مؤسسات حديثة ونظام اقتصادي يتوافق بصورة أكبر مع الأعراف الدولية، فإن المجال أمام الإصلاح يصبح أكثر اتساعاً.
ومن شأن وجود قاعدة واسعة من الشركات الحديثة، تقوم على حقوق واضحة للملكية الخاصة وتحمل مباشر لمسؤولية الأرباح والخسائر، أن يدعم تحسن القوة الاقتصادية للدولة ومستويات المعيشة وقدرتها على إدارة اقتصادها. فالتأثير الواسع للولايات المتحدة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي في الاقتصاد العالمي والسياسات الاقتصادية الدولية لم ينشأ من امتلاك الحكومة المباشر للمؤسسات الاقتصادية، وإنما ارتبط بقوة اقتصاد سوق حديث وحيوي.
ظروف مواتية
وإذا تمكنت الصين من تقليص حجم المؤسسات المملوكة للدولة بصورة تدريجية وصولاً إلى الخصخصة الكاملة، فإن ذلك كان سيشكل تحولاً بحجم القرار الذي اتخذه دنغ شياو بينغ بفتح المجال أمام المناطق الاقتصادية الخاصة، بما قد يترك أثراً واسعاً في هيكل الاقتصاد العالمي. ومن هذا المسار، يمكن أن يتشكل اقتصاد صيني حديث أقل ارتباطاً بالأعباء المؤسسية، وأكثر قدرة على فتح مجالات جديدة أمام رأس المال العالمي والعمالة الصينية.
وكانت الظروف التي وصلت إليها الصين في تلك المرحلة أفضل بكثير من الظروف التي واجهها الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية خلال المراحل الأولى من الإصلاح، ما جعل التوقيت مواتياً للمضي في إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة. فقد اتسمت السياسات الصينية بدرجة أكبر من الاستقرار مقارنة بالعقود السابقة، بينما اتجه معظم السكان إلى التركيز على تحسين أوضاعهم المعيشية وبناء حياة مستقرة، مع تراجع الاهتمام بالحراك السياسي.
كما توافرت للقيادة الصينية في عهد دنغ شياو بينغ والسنوات اللاحقة ظروف أكثر ملاءمة لتنفيذ الإصلاحات، بعدما أظهرت معالجة عدد من القضايا الاقتصادية الملموسة خلال السنوات السابقة قدرة السلطات على إدارة مسار الإصلاح. وفي الوقت نفسه، كانت آفاق النمو الاقتصادي خلال العقود التالية واسعة، مع توقع استمرار تحسن مستويات المعيشة، فيما أظهرت الإجراءات الحكومية السابقة في إدارة الاقتصاد والإصلاح قدرة متقدمة نسبياً على التعامل مع التحولات الاقتصادية.
وكان تحديد اتجاه واضح لإصلاح ملكية المؤسسات المملوكة للدولة يمكن أن يهيئ بيئة داخلية ودولية مواتية لاستكمال العملية. ولم يكن نقل الملكية إلى القطاع الخاص وإعادة توزيع الأصول عملية يمكن إنجازها خلال فترة قصيرة، لكن كان من الممكن بحث الآليات المناسبة لتنفيذها. ومن بين هذه الآليات المشروعات المشتركة بين الشركات الصينية والأجنبية وغيرها من صيغ الشراكة، بما يساعد على الحفاظ على قيمة الأصول وتحفيز انتقال المؤسسات تدريجياً من النموذج الحكومي إلى نموذج الشركات الحديثة.
وبمجرد تحديد الاتجاه العام لإصلاح الملكية، يصبح التعامل مع العديد من القضايا الأخرى أكثر قابلية للتنفيذ، خصوصاً مع قدرة الصين على الاستفادة من الخبرات والتقنيات المتقدمة عالمياً، على نحو يشبه ما حدث خلال مرحلة الإصلاح والانفتاح في عهد دنغ شياو بينغ. ومن المنظور الاقتصادي البحت، تبدو الخصخصة حلاً مباشراً لمشكلات الحوافز وكفاءة الإدارة، إلا أن إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة لا يمكن اختزاله في الجانب الاقتصادي وحده، نظراً لارتباطه بقضايا مؤسسية واجتماعية وسياسية تتجاوز نطاق الاقتصاد.
إعادة هيكلة ملكية مؤسسات الدولة
كان احتفاظ الدولة بالملكية الحصرية أو الرئيسية للأسهم والأصول يمثل إحدى العقبات الأساسية أمام بناء حقوق ملكية واضحة وفعالة. وأدى هذا الهيكل إلى فصل الاستفادة من عوائد المؤسسات عن تحمل كامل مسؤولية الأصول والخسائر، بحيث يستفيد أصحاب المصالح المرتبطون بالمؤسسة، بينما تتحمل الدولة والمجتمع جانباً من تبعات الخسائر.
ولتحويل المؤسسات المملوكة للدولة إلى شركات حديثة ذات مسؤولية محدودة، برزت الحاجة إلى إسناد إدارتها إلى القطاع الخاص أو اعتماد هياكل ملكية مختلطة تجمع بين الملكية العامة والخاصة. وفي هذا النموذج، يمكن للدولة الاحتفاظ بحصة أقلية من الأسهم، مع انتقال جانب أكبر من مسؤوليات الإدارة والرقابة إلى المستثمرين من القطاع الخاص.
وفي هذا الإطار، أكد المؤتمر الوطني الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني أهمية إصلاح ملكية المؤسسات المملوكة للدولة على نطاق واسع، ووضع إطاراً مؤسسياً يستهدف تطوير شركات حديثة قادرة على المنافسة خلال القرن الحادي والعشرين.
ومنذ عام 1978، انتقلت الصين تدريجياً من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على آليات السوق، من دون تبني برنامج شامل للخصخصة. وحتى تلك المرحلة، افترض عدد من الاقتصاديين والمراقبين الصينيين أن إصلاح ملكية المؤسسات المملوكة للدولة مسألة شديدة الصعوبة، ولذلك لم تحظَ القضية بنقاش جاد على نطاق واسع. كما اتخذ البنك الدولي لفترة طويلة موقفاً حذراً من مسألة إصلاح ملكية هذه المؤسسات.
خيارات الإصلاح
غير أن هذا الموقف بدأ يتغير خلال المؤتمر الوطني الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني، الذي طرح مجموعة من الأشكال لإعادة تنظيم ملكية المؤسسات، شملت إعادة الهيكلة والائتلاف والاندماج والتأجير والتعاقد وتحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة والبيع، وغيرها من الآليات التي تستهدف تسريع إصلاح ملكية المؤسسات المتوسطة والصغيرة.
كما جرى إقرار استخدام السوق العامة والاستثمارات المشتركة مع المستثمرين الأجانب وغيرها من الوسائل لفتح المجال أمام بيع حصص في المؤسسات المملوكة للدولة الكبيرة لمستثمرين من القطاع الخاص. وفي المقابل، رأت الحكومة ضرورة الحفاظ على دور مسيطر للدولة في الصناعات الحيوية للاقتصاد الوطني، من خلال الاحتفاظ بحصص مسيطرة في هذه القطاعات.
وبذلك، لم تعد مسألة إصلاح ملكية المؤسسات المملوكة للدولة مرتبطة فقط بنقل الأصول من طرف إلى آخر، بل أصبحت تتعلق بتحديد الهيكل الذي يمكن من خلاله الجمع بين كفاءة الإدارة، ووضوح المسؤولية عن الأرباح والخسائر، ودور الدولة في القطاعات الحيوية. وفي هذا السياق، برز نموذج الملكية المختلطة، الذي يسمح للدولة بالاحتفاظ بحصة في المؤسسة مع منح القطاع الخاص دوراً أكبر في الإدارة والقرار الاقتصادي، باعتباره أحد الأطر المطروحة لإعادة صياغة ملكية المؤسسات خلال المرحلة التالية من الإصلاح.