تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬والتحولات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

TFC31 1

في‭ ‬إطار‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬تتجه‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬نحو‭ ‬توسيع‭ ‬دور‭ ‬السوق‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬التنظيمي‭ ‬للدولة،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬قطاعات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والثقافة‭ ‬والصحة‭ ‬والتنمية‭ ‬الريفية،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والتنمية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

الإصلاحات‭ ‬الداخلية‭ ‬

فـي‭ ‬مجال‭ ‬البنــية‭ ‬التحتيـة‭ ‬والتحضر،‭ ‬جرى‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬المدن‭ ‬عبر‭ ‬نماذج‭ ‬الامتياز‭ ‬والاستثمار‭ ‬المشترك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬ويرفع‭ ‬من‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الحضرية‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬تعمل‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬قطاع‭ ‬ثقافي‭ ‬حديث‭ ‬متعدد‭ ‬المستويات‭ ‬يدمج‭ ‬الموارد‭ ‬الثقافية‭ ‬ضمن‭ ‬آليات‭ ‬السوق،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع‭ ‬ويدعم‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية‭.‬
وفي‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬يتجه‭ ‬الإصلاح‭ ‬نحو‭ ‬زيادة‭ ‬مشاركة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المستشفيات‭ ‬العامة‭ ‬بما‭ ‬يحسن‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬ويوسّع‭ ‬نطاق‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭. ‬كما‭ ‬يُعد‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬الريفي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محاور‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬قابلية‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬للرهن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العوائق‭ ‬أمام‭ ‬تدفق‭ ‬التمويل‭ ‬إلى‭ ‬الريف،‭ ‬ومع‭ ‬تطوير‭ ‬حقوق‭ ‬استخدام‭ ‬الأراضي‭ ‬وتحسين‭ ‬آليات‭ ‬استغلالها‭ ‬يمكن‭ ‬تأسيس‭ ‬قاعدة‭ ‬مالية‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬لدعم‭ ‬التنمية‭ ‬الريفية‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تمثل‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬تحولًا‭ ‬بنيوياً‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التقنية‭ ‬والإدارية،‭ ‬ليعيد‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

التحولات‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي

على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬شهد‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات،‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬وتوازنات‭ ‬القوة‭ ‬النقدية‭.‬
ففي‭ ‬عام‭ ‬1998،‭ ‬دعا‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ (‬IMF‭)‬،‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬المتأزمة‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬تقشف‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬الداخلية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬تغيّر‭ ‬لاحقاً،‭ ‬إذ‭ ‬تبنّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬سياسات‭ ‬توسعية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬التيسير‭ ‬الكمي‭ ‬والتوسع‭ ‬المالي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاحتواء‭ ‬أزمة‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري‭.‬
وباعتبار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مركز‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬إلى‭ ‬ضخ‭ ‬سيولة‭ ‬ضخمة‭ ‬بالدولار‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الصين‭ ‬قد‭ ‬اندمجت‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ (‬WTO‭) ‬وقدّمت‭ ‬تنازلات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭.‬
وخلال‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬تحولت‭ ‬الصين‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬دائن‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإحدى‭ ‬أكبر‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الفائض‭ ‬التجاري‭ ‬معها،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأميركية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قضايا‭ ‬مثل‭ ‬اختلال‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬وسعر‭ ‬صرف‭ ‬اليوان‭ (‬الرنمنبي‭) ‬وحقوق‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬وحماية‭ ‬البيئة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

الاختلالات‭ ‬العالمية‭ ‬وهيمنة‭ ‬الدولار

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الاختلالات‭ ‬العالمية‮»‬‭ (‬Global‭ ‬Imbalances‭) ‬بوصفه‭ ‬تفسيراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬والذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬دول‭ ‬تحقق‭ ‬فوائض‭ ‬مزمنة‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬مقابل‭ ‬دول‭ ‬تعاني‭ ‬عجزاً‭ ‬مستمراً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬انعكاساً‭ ‬لاختلالات‭ ‬داخلية‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭.‬
وقد‭ ‬طرح‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬للاحتياطي‭ ‬الفدرالي‭ ‬الأميركي،‭ ‬بن‭ ‬برنانكي،‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬فرضية‭ ‬‮«‬تخمة‭ ‬الادخار‭ ‬العالمية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الفوائض‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الادخار‭ ‬لدى‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وألمانيا‭ ‬واليابان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬فائض‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬السيولة‭ ‬الادخارية‭ ‬واختلال‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬
وانعكس‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬هذه‭ ‬الفوائض‭ ‬نحو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬مزمن‭ ‬في‭ ‬حسابها‭ ‬الجاري،‭ ‬وتراجع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول،‭ ‬وتوسع‭ ‬الائتمان،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬2008‭.‬
وتعود‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬الفائض‭ ‬الادخاري‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬متعددة،‭ ‬أبرزها‭ ‬شيخوخة‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتراجع‭ ‬العائد‭ ‬على‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الفرص‭ ‬الاستثمارية‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬تراكم‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬النقدية،‭ ‬والنمو‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التصدير،‭ ‬وارتفاع‭ ‬عائدات‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬يرى‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬فرضية‭ ‬‮«‬نقص‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬منطقياً،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬انخفاض‭ ‬الادخار‭ ‬يفترض‭ ‬تراجع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬لا‭ ‬زيادته‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬توسع‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬الأميركية‭ ‬يعكس‭ ‬فائضاً‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬الأصول‭ ‬وليس‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬عليها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بالسياسات‭ ‬النقدية‭ ‬التوسعية‭ ‬والتحرير‭ ‬المالي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬
وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬اختلال‭ ‬التنمية‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالطلب،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بالتفاوت‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬تطور‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬حيث‭ ‬تتدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ذات‭ ‬الادخار‭ ‬المرتفع‭ ‬والبنية‭ ‬المالية‭ ‬الأبطأ‭ ‬نحو‭ ‬اقتصادات‭ ‬ذات‭ ‬توسع‭ ‬مالي‭ ‬سريع‭ ‬وعرض‭ ‬متزايد‭ ‬للأصول‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬باعتبارها‭ ‬خللًا‭ ‬أحادي‭ ‬الجانب،‭ ‬بل‭ ‬كنتاج‭ ‬لتفاعل‭ ‬معقد‭ ‬بين‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية‭ ‬وهيكل‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬واختلافات‭ ‬تطور‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬مهمة‭ ‬طويلة‭ ‬ومعقدة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

رجوع لأعلى