إعادة توزيع الموارد تعيد صياغة دور القطاع الخاص
شهدت المؤسسات الخاصة في الصين توسعاً سريعاً خلال السنوات العشر الأخيرة من الفترة محل الدراسة، وأصبحت تؤدي دوراً متزايداً في النمو الاقتصادي والإيرادات الحكومية، إلا أن إسهامها الأبرز تمثل في قدرتها على خلق أعداد كبيرة من فرص العمل.
فبين عامي 1994 و2002، ارتفع عدد السكان العاملين في الصين من 672 مليوناً إلى 737 مليوناً، بزيادة صافية بلغت 65 مليون وظيفة، أي نحو 9.6 % خلال ثماني سنوات. وجاءت هذه الزيادة في وقت شهد فيه القطاع العام تحولاً كبيراً في هيكل العمالة؛ إذ تراجع عدد العاملين في مؤسسات الدولة من 112 مليوناً إلى 72 مليوناً، بانخفاض يقارب 40 مليون وظيفة، أي ما يعادل نحو ثلث العمالة الحكومية خلال الفترة نفسها.
كما انخفض عدد العاملين في الوحدات الجماعية الحضرية بصورة أكثر حدة، من 33 مليوناً إلى 11 مليوناً، بخسارة بلغت 22 مليون وظيفة، بينما تراجع عدد العاملين في القطاع الزراعي بنحو 21 مليوناً خلال الفترة ذاتها.
وبذلك فقدت هذه القطاعات مجتمعة أكثر من 80 مليون وظيفة، في حين لم تتجاوز الزيادة الصافية في إجمالي العمالة على مستوى البلاد 65 مليون وظيفة. ويعني ذلك أن الاقتصاد الصيني كان بحاجة إلى خلق ما يقارب 150 مليون فرصة عمل جديدة خلال ثماني سنوات، لتعويض الوظائف التي اختفت واستيعاب الزيادة في إجمالي العمالة.
وجاء الجزء الأكبر من هذه الوظائف من المؤسسات الخاصة والأسر الفردية وغيرها من الكيانات ذات الملكية الخاصة أو المختلطة. وتكشف هذه الأرقام عن تحول جوهري في هيكل سوق العمل، إذ تراجع دور القطاع العام كمصدر رئيسي لاستيعاب العمالة، في حين برز القطاع الخاص كقوة رئيسية في خلق فرص العمل.
وعند النظر إلى مصادر الوظائف الجديدة، يتضح حجم هذا التحول بصورة أكبر. فقد وفرت مؤسسات الاستثمار الأجنبي المرتبطة بهونغ كونغ وماكاو وتايوان نحو 4 ملايين وظيفة، بينما أسهمت المؤسسات البلدية بنحو 13 مليون وظيفة، ومؤسسات الملكية المختلطة بنحو 15 مليوناً. وقدرت المؤسسات الخاصة والأسر الفردية بنحو 37 مليون وظيفة، في حين أظهرت نتائج الإحصاء الرسمي للسكان وجود نحو 66 مليون وظيفة إضافية، يُرجح أن الجزء الأكبر منها نشأ في المؤسسات الخاصة والأسر الفردية، ضمن ما كان يُصنف آنذاك ضمن الاقتصاد غير الرسمي.
وانعكس ذلك على حصة القطاع الخاص من إجمالي العمالة، والتي كانت تشمل المؤسسات الخاصة في المناطق الريفية والحضرية والأسر الفردية، إضافة إلى جزء من الاقتصاد غير الرسمي الحضري. فقد ارتفعت نسبة العمالة في هذا القطاع من 8 % عـام 1994 إلى 22 % عام 2002، بزيادة صافية بلغت 14 نقطة مئوية.
وفي نهاية عام 1994، لم يتجاوز إجمالي العمالة في القطاع الخاص 54 مليون شخص، أي ما يقارب ثلث العمالة في الوحدات الجماعية الحضرية ومؤسسات الدولة. وبعد ثماني سنوات، ارتفع العدد إلى نحو 160 مليون عامل، بزيادة صافية تجاوزت 100 مليون شخص.
وبحلول نهاية عام 2002، أصبح حجم العمالة في القطاع الخاص يعادل نحو ضعف العمالة في الوحدات الجماعية الحضرية ومؤسسات الدولة مجتمعة. وبذلك شهد سوق العمل الصيني تحولاً تدريجياً في موازين العمالة بين القطاعين العام والخاص، بعدما انتقل القطاع الخاص من دور محدود في استيعاب العمالة إلى موقع رئيسي في خلق فرص العمل.
ويعكس هذا التحول تغيراً أساسياً في هيكل الاقتصاد الصيني، إذ أصبح القطاع الخاص أحد المحركات الرئيسية لسوق العمل، في مرحلة كانت فيها البلاد تعيد صياغة توزيع الموارد والعمالة بين مؤسسات الدولة والأنشطة الخاصة.
تحديات خلق الوظائف
مع ذلك، ظل خلق الوظائف يمثل تحدياً كبيراً أمام المؤسسات الخاصة، في ظل استمرار ارتفاع حصة العمالة الزراعية من إجمالي التوظيف. فقد انخفضت العمالة الزراعية بنحو 7 % خلال السنوات الثماني الأخيرة، ولا تزال تمثل 43 % من إجمالي العمالة. ووفق هذا المعدل، قد يستغرق خفض هذه النسبة إلى 23 % ما لا يقل عن 20 عاماً.
وفي المقابل، تمثل مؤسسات الدولة والوحدات الحضريـة، إلـى جانب المؤسسـات البلدية، نحـو 29 % من إجمالي العمالة. أما مؤسسات الاستثمار الأجنبي ومؤسسات الملكية المختلطة، فتظل مساهمتها في سوق العمل محدودة نسبياً، إذ لا تتجاوز حصتها مجتمعة 4 % من إجمالي التوظيف.
وبذلك يحتاج القطاع الخاص إلى التوسع بدرجة كبيرة انطلاقاً من حصته الحالية البالغة 22 % من إجمالي العمالة، حتى يتمكن من استيعاب الوظائف التي ستتراجع مع انكماش بعض الصناعات والقطاعات الأخرى. ويجعل ذلك نمو المؤسسات الخاصة مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرتها على استيعاب العمالة الناتجة عن التحولات الهيكلية في الاقتصاد.
وفي هذا السياق، جرى تشكيل فريق «أبحاث المؤسسات الخاصة الصينية» بمشاركة مؤتمر أبحاث المؤسسات الخاصة في الصين، وإدارة جبهة العمل المتحدة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، واتحاد الصناعة والتجارة لعموم الصين (ACFIC)، بهدف دراسة واقع المؤسسات الخاصة ومساهمتها في الاقتصاد.
وأجرى الفريق مسحاً شمل 20.3 مليون مقاول خاص، أظهرت نتائجه مجموعة من المؤشرات حول طبيعة القطاع الخاص وتطوره. فقد تبين أن 25.8% من المؤسسات الخاصة كانت قد تحولت من مؤسسات مملوكة للدولة أو وحدات جماعية، مع انتقال حقوق رأس المال والإدارة فيها بصورة رئيسية إلى المقاولين الخاصين.
كما بلغ معدل النمو السنوي للمدفوعات الضريبية للمؤسسات الخاصة 25%، متجاوزاً معدل نمو أرباح المقاولين الخاصين البالغ 17%.
وأظهرت البيانات كذلك حضوراً للمقاولين الخاصين في المؤسسات السياسية والاستشارية، إذ شاركوا في مستويات مختلفة من المؤتمر الشعبي الوطني والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، إلى جانب انخراط نسبة منهم في الحزب الشيوعي الصيني، حيث كان 30% من المقاولين الخاصين أعضاء فيه، بينما كان 11% آخرون يسعون إلى الانضمام إليه.
كما امتلك 30% من كبار المديرين والفنيين في المؤسسات الخاصة أسهماً تمثل نحو 9% من رأس المال، وفق نتائج الدراسة.
وتكشف هذه المؤشرات عن اتساع الدور الاقتصادي للمؤسسات الخاصة وتزايد حضورها في هيكل الاقتصاد الصيني، بالتزامن مع توسعها في سوق العمل وارتفاع مساهمتها في النشاط الاقتصادي.
وبناءً على نتائج البحث والدراسات المختلفة، حدد الباحثون مشكلتين رئيسيتين يواجههما المقاولون الخاصون؛ تتمثل الأولى في ما أطلق عليه «الخطيئة الأصلية»، وهي، بصورة أدق، نزاعات الملكية المتوارثة من مراحل سابقة، وما ارتبط بها في بعض الحالات من مخالفات أو جرائم اقتصادية. أما الثانية فتتعلق بصعوبة الحصول على التمويل، وهي مشكلة ترتبط بصورة أوسع بالتحديات القائمة في الأنظمة المالية والمصرفية.
خطيئة المؤسسات الخاصة
أثارت قضية «الخطيئة الأصلية» للمؤسسات الخاصة نقاشاً واسعاً، خصوصاً بعد نشر مقالة للجنة الحزب الإقليمية في خبي بعنوان «قرار المكاتب السياسية والقانونية لخلق بيئة أفضل وتحسين اقتصاد السوق الاشتراكي». وأدت المقالة إلى ظهور مواقف متباينة حول كيفية معالجة هذه القضية.
ورأى بعض المعلقين أن قرار لجنة خبي الإقليمية لا يعالج بصورة مباشرة جذور ما يوصف بـ«الخطيئة الأصلية»، معتبرين أن معالجة هذه الإشكالية يمكن أن تهيئ ظروفاً أفضل لتطور المؤسسات الخاصة. في المقابل، رأى آخرون أن العفو العام الذي طرحته اللجنة يتعارض مع القانون الوطني، وقد يؤدي إلى اتساع نطاق المخالفات المرتبطة بهذه القضية بدلاً من معالجتها.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في سياق المرحلة التالية من الإصلاح والتنمية الاقتصادية، إلا أن تناوله يحتاج إلى إطار نظري واضح يجمع بين التجارب التاريخية والدولية، بما يسمح بفهم القضية بصورة أعمق وأكثر موضوعية وعقلانية.
وترتبط جذور المشكلة بمرحلة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي، عندما لم تكن حقوق الملكية لكثير من الأصول محددة بصورة واضحة أو مستقرة، ولا سيما الأراضي وأصول الدولة. وأدى غموض حقوق الملكية وعدم وضوحها في بعض الحالات إلى نشوء قواعد قانونية غير مكتملة، وهو ما أوجد بيئة دفعت بعض الأفراد إلى تجاوز القوانين القائمة.
ومن هذا المنظور، ارتبطت «الخطيئة الأصلية» بالظروف التاريخية التي رافقت المراحل المبكرة من التنمية الاقتصادية. ففي العديد من الاقتصادات الناشئة، جرى تراكم رأس المال في ظل أنظمة لم تكن فيها حقوق الملكية محددة بصورة واضحة، الأمر الذي جعل الفصل بين النشاط الاقتصادي المشروع والممارسات المخالفة أكثر تعقيداً خلال مراحل التحول الاقتصادي.
مقارنة أنماط الملكية
لفهم الظروف التشغيلية للمؤسسات الخاصة بصورة أكثر عمقاً وموضوعية، تبرز أهمية مقارنتها بالمؤسسات التي تنتمي إلى أنماط ملكية أخرى. غير أن هذه المقارنة تحتاج إلى مراعاة اختلاف أحجام وطبيعة الشركات؛ فمعظم المؤسسات الخاصة في الصين كانت مؤسسات صغيرة أو أعمالاً فردية وأسرية، وبالتالي لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بينها وبين المؤسسات الحكومية الكبيرة والمتوسطة.
وبالاستناد إلى قاعدة بيانات المكتب الوطني للإحصاءات (NBS) الخاصة بالمؤسسات الصناعية الكبيرة والمتوسطة، يمكن تحليل الأداء التشغيلي للشركات ذات نماذج الملكية المختلفة، بما يساعد على تكوين صورة أوضح عن مستويات الكفاءة التي حققتها المؤسسات الخاصة، إلى جانب التحديات التي واجهتها في مجال التمويل.
وقد استمرت المؤسسات الخاصة الصغيرة والأعمال الفردية في الصين لأكثر من 20 عاماً، بينما لم يبدأ ظهور المؤسسات الخاصة الكبيرة والمتوسطة الحجم إلا خلال السنوات القليلة السابقة. ويعكس هذا الفارق الزمني طبيعة المرحلة التي وصل إليها القطاع الخاص، كما يفسر جانباً من النجاحات التي حققتها هذه المؤسسات والمشكلات التي بدأت تظهر مع توسعها.
ومن هنا تكتسب المقارنات الخاصة بالمؤسسات الخاصة الكبيرة والمتوسطة الحجم أهمية خاصة، لأنها لا تتيح فقط قياس كفاءة هذه الشركات في مواجهة أنماط الملكية الأخرى، وإنما تساعد أيضاً على تحديد العقبات التي تواجه انتقال القطاع الخاص من النشاط الصغير والأسري إلى مؤسسات أكبر حجماً وأكثر تعقيداً من حيث الإدارة والتمويل والملكية.