تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المؤسسات‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬الإصلاح‭ ‬الإقتصادي

QSL…137

أدخلت‭ ‬سياسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬دنغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭ ‬سكان‭ ‬الصين،‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬آنذاك‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬نسمة،‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬النشاط‭ ‬السوقي،‭ ‬وأطلقت‭ ‬قوة‭ ‬إنتاجية‭ ‬هائلة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أفرزت‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬والتباينات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬شملت‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬والأرياف،‭ ‬وفجوات‭ ‬الدخل‭ ‬ومستويات‭ ‬التنمية‭ ‬بين‭ ‬الأقاليم،‭ ‬وحركة‭ ‬السكان،‭ ‬والتضخم،‭ ‬وتزايد‭ ‬الديون‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خسائر‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬وفقدان‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الحكومي،‭ ‬وعجز‭ ‬المصارف‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬عن‭ ‬تحصيل‭ ‬القروض‭.‬
وكان‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المشكلات‭ ‬الجديدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬فترة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المرتفع،‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬خطر‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخاطئة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1978‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الثقافية‮»‬‭ ‬بالغة‭ ‬السوء،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬جعلت‭ ‬نجاح‭ ‬سياسة‭ ‬دنغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭ ‬في‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬يبدو‭ ‬أمراً‭ ‬شبه‭ ‬حتمي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬استراتيجية‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسية‭ ‬مستقرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالمهمة‭ ‬السهلة‭.‬
وتزداد‭ ‬صعوبة‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬تعقيد‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬تسفر‭ ‬فيه‭ ‬تجارب‭ ‬الإصلاح‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬لنحو‭ ‬عقدين‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬حاسمة‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليها‭ ‬بصورة‭ ‬نهائية‭.‬

عقبات‭ ‬اقتصادية
ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬بدأت‭ ‬المشكلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬الصين‭ ‬تقترب‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬مثل‭ ‬البطالة‭ ‬والتضخم،‭ ‬فيما‭ ‬ظلت‭ ‬المصارف‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬تمثل‭ ‬استثناءً‭ ‬بارزاً‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬تعقيد‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القائمة،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تؤديه‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتمويل‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قدم‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬وبنك‭ ‬التنمية‭ ‬الآسيوي‭ ‬والمجموعة‭ ‬الأوروبية‭ ‬واليابان‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تقديرات‭ ‬بشأن‭ ‬المسار‭ ‬المحتمل‭ ‬للصين‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬احتمال‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬السيناريوهات‭ ‬المطروحة‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬التاليين،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدولة‭ ‬بحصص‭ ‬محدودة،‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬30‭ %‬،‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬تدريجياً‭ ‬ليصبح‭ ‬أكثر‭ ‬شبهاً‭ ‬باقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬المتقدمة‭.‬
وكان‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬يقوم‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬استمرار‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بصورة‭ ‬مستقرة،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬تطورات‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ويجعـل‭ ‬الصين‭ ‬أكثــر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬وحداثة‭. ‬وتشير‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬تجربة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬الصينية‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬السابقين،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬كان‭ ‬يحظى‭ ‬باحتمالات‭ ‬معتبرة‭ ‬للتحقق‭ ‬وفق‭ ‬التقديرات‭ ‬المطروحة‭ ‬آنذاك‭.‬
وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الدولي،‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬المتقدمة،‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬والأطر‭ ‬القانونية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬وألمانيا،‭ ‬نجاحاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬لتتحول‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬اقتصادات‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭.‬
دعم‭ ‬القطاعات

كما‭ ‬أتاح‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬المرتفع‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لحكومات‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬تخصيص‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬لدعم‭ ‬الفئات‭ ‬الأقل‭ ‬دخلاً‭ ‬وتطوير‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬النظام‭ ‬القانوني،‭ ‬والدفاع‭ ‬الوطني،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬ركائز‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬
وارتفعت‭ ‬حصة‭ ‬النفقات‭ ‬الحكومية‭ ‬المتنوعة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬إلى‭ ‬40‭ % ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬كُتب‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬نفقات‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬الصينية‭ ‬آنذاك‭ ‬تمثل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬15‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬ذهب‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الليبراليين‭ ‬الأميركيين‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ ‬أصبحت‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬اشتراكية‭.‬
ويكشف‭ ‬الاتجاه‭ ‬التاريخي‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬تقاربي‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أخذت‭ ‬فيه‭ ‬الدول‭ ‬تتعلم‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬بعضها‭ ‬بعضاً،‭ ‬سعياً‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬
ومع‭ ‬تجاوز‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬الدوليين،‭ ‬بفارق‭ ‬كبير،‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي،‭ ‬أصبحت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفعالة‭ ‬أكثر‭ ‬سرعة‭ ‬في‭ ‬الانتشار‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشركات‭ ‬الحديثة،‭ ‬وأسواق‭ ‬الأسهم،‭ ‬وأنظمة‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬العائمة،‭ ‬والمصارف‭ ‬المركزية،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الخاصة،‭ ‬والأنظمة‭ ‬القانونية‭ ‬المستقلة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬السوابق‭ ‬والمبادئ‭ ‬القانونية‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬أعراف‭ ‬وممارسات‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬دولي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬كان‭ ‬متوقعاً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬إلى‭ ‬العشرين‭ ‬التالية‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الصين‭ ‬عضواً‭ ‬مهماً‭ ‬وفاعلاً‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬وأن‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬لتبني‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعراف‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬الراسخة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬كان‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬تضاؤل‭ ‬المساحة‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصينية‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬المؤسسات‭ ‬والآليات‭ ‬المرتبطة‭ ‬باقتصاد‭ ‬السوق‭.‬

استحواذ‭ ‬الأصول‭ ‬الثابتة
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬كانت‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬80‭ % ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬الثابتة،‭ ‬و70‭ % ‬من‭ ‬القروض‭ ‬والفوائد‭ ‬المصرفية،‭ ‬و60‭ % ‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬المالية‭ ‬الحكومية،‭ ‬ونحو‭ ‬40‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬الإجمالي‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬فإنها‭ ‬كانت‭ ‬توظف‭ ‬18‭ % ‬فقط‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العاملة،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬تشمل‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الجهاز‭ ‬الحكومي‭ ‬ولم‭ ‬تشهد‭ ‬تغيراً‭ ‬كبيراً‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1978‭.‬
وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬كان‭ ‬نحو‭ ‬82‭ % ‬من‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬يعملون‭ ‬خارج‭ ‬القطاع‭ ‬المملوك‭ ‬للدولة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬فارقاً‭ ‬كبيراً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسوفييت‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬قبل‭ ‬الإصلاح،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬القطاع‭ ‬المملوك‭ ‬للدولة‭ ‬يستوعب‭ ‬نحو‭ ‬95‭ % ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭. ‬ولذلك،‭ ‬اعتُبر‭ ‬توزيع‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬آنذاك‭ ‬عاملاً‭ ‬مساعداً‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬التدريجي‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬سوق‭ ‬حديث‭.‬
وكان‭ ‬المزارعون‭ ‬الصينيون،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬المؤقت‭ ‬فـي‭ ‬المؤسســات‭ ‬والمشروعـات‭ ‬المشتـركة،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬خلال‭ ‬الثورات‭ ‬الصناعية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬قرون‭. ‬فالدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬اليوم‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭ ‬اقتصادات‭ ‬زراعية،‭ ‬وانتقال‭ ‬العمالة‭ ‬من‭ ‬الزراعة‭ ‬إلى‭ ‬الصناعة‭ ‬كان‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬التصنيع‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬والسوفييت‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬أقل‭ ‬استعداداً‭ ‬للتخلي‭ ‬عن‭ ‬أمنهم‭ ‬الوظيفي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬داخل‭ ‬القوة‭ ‬العاملة؛‭ ‬ففي‭ ‬الصين‭ ‬كان‭ ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬والمملوك‭ ‬للدولة‭ ‬يمثلون‭ ‬نحو‭ ‬18‭%‬‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬القوة‭ ‬العاملة،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬95‭% ‬في‭ ‬السوفييت‭ ‬ودول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬قبل‭ ‬الإصلاح‭.‬
وتشير‭ ‬المقارنة‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وصلت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬18‭ %‬،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬صعوبة‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬جوانب‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تعقيداً‭. ‬فإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬العمالة‭ ‬تختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬ملكية‭ ‬الأراضي‭ ‬أو‭ ‬المصانع‭ ‬أو‭ ‬الآلات‭ ‬أو‭ ‬الأصول‭ ‬المالية،‭ ‬إذ‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬باستقرار‭ ‬الموظفين‭ ‬وبنية‭ ‬المؤسسات‭ ‬نفسها‭.‬

امتلاك‭ ‬اصول
وتكمن‭ ‬الصعوبة‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬الدولة‭ ‬للأصول‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬سهولة‭ ‬إعادة‭ ‬تخصيصها‭ ‬وفق‭ ‬اعتبارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬بحتة،‭ ‬فالأصول‭ ‬الحكومية‭ ‬تخضع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لتوجيهات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬هيكل‭ ‬المؤسسات‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬التغيير‭ ‬بالسرعة‭ ‬المطلوبة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كانت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬الصينية‭ ‬الأقل‭ ‬كفاءة‭ ‬نسبياً‭ ‬تتمتع،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الإصلاح،‭ ‬بهامش‭ ‬أكبر‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬وخروج‭ ‬الصناعات‭ ‬غير‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭. ‬وحتى‭ ‬إذا‭ ‬تطلب‭ ‬إصلاح‭ ‬القطاع‭ ‬المملوك‭ ‬للدولة‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬نصف‭ ‬العاملين‭ ‬فيه،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيعني‭ ‬فقدان‭ ‬وظائف‭ ‬تعادل‭ ‬نحو‭ ‬9%‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭.‬
وكان‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬الصين‭ ‬آنذاك،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬معدل‭ ‬بطالة‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬9‭ %‬،‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬إعادة‭ ‬دمج‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬غير‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬خسائر‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬ديون‭ ‬كبيرة،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬الخسائر‭ ‬ظل،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭. ‬فإذا‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬القروض‭ ‬المصرفية‭ ‬أصبح‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتحصيل،‭ ‬فإن‭ ‬الخسائر‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬ستعادل‭ ‬نحو‭ ‬40‭ % ‬إلى‭ ‬50‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭.‬
وقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬ديون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودول‭ ‬أخرى‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الحرب‭ ‬100%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬القومي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬تمكنت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬السلم،‭ ‬ومع‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬وغياب‭ ‬التضخم‭ ‬المرتفع،‭ ‬من‭ ‬خدمة‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬وسدادها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإيرادات‭ ‬المتولدة‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬والأفراد‭.‬
وبعد‭ ‬تنفيذ‭ ‬إصلاح‭ ‬شامل‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخصخصة‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الملكية‭ ‬أو‭ ‬إقامة‭ ‬المشروعات‭ ‬المشتركة‭ ‬الصينية‭ ‬ـ‭ ‬الأجنبية،‭ ‬فإن‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬تحميل‭ ‬المصارف‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الديون‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬لاستخدام‭ ‬تمويل‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة‭ ‬لمعالجة‭ ‬عجز‭ ‬المؤسسات‭ ‬والقروض‭ ‬المصرفية‭ ‬المتعثرة‭ ‬أو‭ ‬المعدومة‭.‬

رجوع لأعلى