إعادة هيكلة المؤسسات أمام اختبار الإصلاح الإقتصادي
أدخلت سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها دنغ شياو بينغ سكان الصين، البالغ عددهم آنذاك نحو 1.2 مليار نسمة، إلى دائرة النشاط السوقي، وأطلقت قوة إنتاجية هائلة، لكنها في الوقت نفسه أفرزت مجموعة واسعة من التحديات والتباينات الاقتصادية، شملت البطالة في المدن والأرياف، وفجوات الدخل ومستويات التنمية بين الأقاليم، وحركة السكان، والتضخم، وتزايد الديون الداخلية والخارجية، إلى جانب خسائر المؤسسات المملوكة للدولة، وفقدان جزء من رأس المال الحكومي، وعجز المصارف المملوكة للدولة عن تحصيل القروض.
وكان التعامل مع هذه المشكلات الجديدة، في ظل فترة غير مسبوقة من النمو الاقتصادي المرتفع، أكثر تعقيداً بكثير من مواجهة خطر الانهيار الاقتصادي الذي نتج عن السياسات الاقتصادية الخاطئة في عام 1978. فقد كانت السياسات التي سادت خلال «الثورة الثقافية» بالغة السوء، إلى درجة جعلت نجاح سياسة دنغ شياو بينغ في الإصلاح والانفتاح يبدو أمراً شبه حتمي، إلا أن بناء استراتيجية إصلاح مؤسسية مستقرة لم يكن بالمهمة السهلة.
وتزداد صعوبة هذه المهمة بالنظر إلى تعقيد إصلاح مؤسسات الدولة، في وقت لم تسفر فيه تجارب الإصلاح التي امتدت لنحو عقدين عن نتائج حاسمة يمكن البناء عليها بصورة نهائية.
عقبات اقتصادية
ومن زاوية أخرى، بدأت المشكلات الاقتصادية التي واجهتها الصين تقترب بصورة متزايدة من تلك التي عرفتها الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة في الغرب، مثل البطالة والتضخم، فيما ظلت المصارف والمؤسسات المملوكة للدولة تمثل استثناءً بارزاً. وقد أسهم استمرار هذه المؤسسات في زيادة تعقيد معالجة الاختلالات الاقتصادية القائمة، نظراً إلى الدور الذي تؤديه في النشاط الاقتصادي والتمويل.
وفي هذا السياق، قدم البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي والمجموعة الأوروبية واليابان والولايات المتحدة تقديرات بشأن المسار المحتمل للصين حتى عام 2020، استندت إلى أكثر من احتمال. وكان من بين السيناريوهات المطروحة أن تتراجع المؤسسات المملوكة للدولة بصورة كبيرة خلال العقدين التاليين، مع احتفاظ الدولة بحصص محدودة، تقل عن 30 %، في مجموعة متنوعة من المؤسسات، بالتوازي مع تحول الاقتصاد الصيني تدريجياً ليصبح أكثر شبهاً باقتصادات السوق المتقدمة.
وكان هذا التصور يقوم كذلك على افتراض استمرار النمو الاقتصادي بصورة مستقرة، بما قد يقود إلى تطورات أوسع في بنية الدولة والمجتمع، ويجعـل الصين أكثــر انفتاحاً وحداثة. وتشير مسيرة التنمية الاقتصادية العالمية، إلى جانب ما حققته تجربة الإصلاح والانفتاح الصينية خلال العقدين السابقين، إلى أن هذا السيناريو كان يحظى باحتمالات معتبرة للتحقق وفق التقديرات المطروحة آنذاك.
وعلى الصعيد الدولي، أظهرت تجارب اقتصادات السوق المتقدمة، القائمة على المؤسسات الخاصة والأطر القانونية، كما في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، نجاحاً كبيراً في تحقيق التنمية الاقتصادية والتكنولوجية، لتتحول هذه النماذج إلى مرجع تستفيد منه اقتصادات دول أخرى.
دعم القطاعات
كما أتاح هذا المستوى المرتفع من التطور الاقتصادي لحكومات تلك الدول تخصيص جزء من الناتج القومي لدعم الفئات الأقل دخلاً وتطوير الخدمات العامة، بما يشمل النظام القانوني، والدفاع الوطني، والتعليم، والبحث العلمي، وغيرها من المجالات التي تشكل ركائز أساسية في أداء الدولة والمجتمع.
وارتفعت حصة النفقات الحكومية المتنوعة من إجمالي الناتج القومي في الولايات المتحدة الفيدرالية من نحو 10 % في بداية القرن إلى 40 % في الفترة التي كُتب فيها هذا المقال، في حين كانت نفقات الحكومة المركزية الصينية آنذاك تمثل أقل من 15 % من إجمالي الناتج القومي. وفي ضوء ذلك، ذهب بعض الاقتصاديين الليبراليين الأميركيين إلى القول إن الولايات المتحدة نفسها أصبحت تقترب من نموذج أكثر اشتراكية.
ويكشف الاتجاه التاريخي خلال القرن العشرين عن مسار تقاربي بين عدد من النظم الاقتصادية، في الوقت الذي أخذت فيه الدول تتعلم من تجارب بعضها بعضاً، سعياً إلى رفع قدرتها على المنافسة.
ومع تجاوز معدلات نمو التجارة والاستثمار الدوليين، بفارق كبير، معدلات نمو الناتج القومي الإجمالي العالمي، أصبحت المؤسسات الاقتصادية الفعالة أكثر سرعة في الانتشار عبر الحدود، بما في ذلك الشركات الحديثة، وأسواق الأسهم، وأنظمة أسعار الصرف العائمة، والمصارف المركزية، والمؤسسات الخاصة، والأنظمة القانونية المستقلة، ولا سيما القانون العام القائم على السوابق والمبادئ القانونية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المؤسسات إلى أعراف وممارسات ذات طابع دولي.
وفي هذا الإطار، كان متوقعاً خلال السنوات الخمس إلى العشرين التالية أن تصبح الصين عضواً مهماً وفاعلاً في منظمة التجارة العالمية، وأن تواجه ضغوطاً متزايدة لتبني مجموعة من الأعراف والمؤسسات الاقتصادية الدولية الراسخة. ومن ثم، فإن الاتجاه العام للاقتصاد العالمي كان يشير إلى تضاؤل المساحة المتاحة أمام المؤسسات الصينية المملوكة للدولة، مع اتساع نطاق المؤسسات والآليات المرتبطة باقتصاد السوق.
استحواذ الأصول الثابتة
وعلى الرغم من أن المؤسسات المملوكة للدولة كانت تستحوذ على نحو 80 % من الأصول الثابتة، و70 % من القروض والفوائد المصرفية، و60 % من الإيرادات المالية الحكومية، ونحو 40 % من الناتج القومي الإجمالي في الصين، فإنها كانت توظف 18 % فقط من القوة العاملة، وهي نسبة تشمل العاملين في الجهاز الحكومي ولم تشهد تغيراً كبيراً منذ عام 1978.
وبعبارة أخرى، كان نحو 82 % من العمال في الصين يعملون خارج القطاع المملوك للدولة، وهو ما يمثل فارقاً كبيراً مقارنة بالسوفييت ودول أوروبا الشرقية قبل الإصلاح، حيث كان القطاع المملوك للدولة يستوعب نحو 95 % من القوة العاملة. ولذلك، اعتُبر توزيع القوة العاملة في الصين آنذاك عاملاً مساعداً إلى حد كبير في الانتقال التدريجي إلى اقتصاد سوق حديث.
وكان المزارعون الصينيون، وفق هذا التصور، أكثر استعداداً للانتقال إلى العمل المؤقت فـي المؤسســات والمشروعـات المشتـركة، في تجربة تشبه إلى حد كبير التحولات التي شهدتها الاقتصادات خلال الثورات الصناعية الرأسمالية قبل عدة قرون. فالدول الصناعية الكبرى اليوم كانت في مراحل سابقة اقتصادات زراعية، وانتقال العمالة من الزراعة إلى الصناعة كان جزءاً أساسياً من عملية التحول الاقتصادي التي رافقت التصنيع.
وفي المقابل، كان العاملون في مؤسسات الدولة في الصين والسوفييت ودول أوروبا الشرقية أقل استعداداً للتخلي عن أمنهم الوظيفي. غير أن الفارق الجوهري تمثل في حجم هذه الفئة داخل القوة العاملة؛ ففي الصين كان العاملون في القطاع الحكومي والمملوك للدولة يمثلون نحو 18% فقط من إجمالي القوة العاملة، مقابل نحو 95% في السوفييت ودول أوروبا الشرقية قبل الإصلاح.
وتشير المقارنة أيضاً إلى أن معدلات البطالة في بعض اقتصادات السوق المتقدمة في أوروبا وصلت في فترات معينة إلى 18 %، بما يعكس صعوبة إعادة هيكلة سوق العمل باعتبارها أحد أكثر جوانب التحول الاقتصادي تعقيداً. فإعادة توزيع العمالة تختلف جذرياً عن نقل ملكية الأراضي أو المصانع أو الآلات أو الأصول المالية، إذ ترتبط مباشرة باستقرار الموظفين وبنية المؤسسات نفسها.
امتلاك اصول
وتكمن الصعوبة كذلك في أن امتلاك الدولة للأصول لا يعني بالضرورة سهولة إعادة تخصيصها وفق اعتبارات اقتصادية بحتة، فالأصول الحكومية تخضع في الوقت نفسه لتوجيهات سياسية واقتصادية، كما أن الرغبة في تعديل هيكل المؤسسات لا تعني بالضرورة القدرة على تنفيذ التغيير بالسرعة المطلوبة.
ومع ذلك، كانت المؤسسات الحكومية الصينية الأقل كفاءة نسبياً تتمتع، من وجهة نظر الإصلاح، بهامش أكبر لإعادة الهيكلة وخروج الصناعات غير القادرة على المنافسة. وحتى إذا تطلب إصلاح القطاع المملوك للدولة الاستغناء عن نصف العاملين فيه، فإن ذلك سيعني فقدان وظائف تعادل نحو 9% فقط من إجمالي القوة العاملة.
وكان معدل النمو الاقتصادي الذي حققته الصين آنذاك، وفق هذا الطرح، قادراً على استيعاب معدل بطالة يصل إلى 9 %، مع إمكانية إعادة دمج هذه النسبة من القوة العاملة تدريجياً في القطاعات والمؤسسات غير المملوكة للدولة.
ورغم أن خسائر بعض المؤسسات المملوكة للدولة أدت إلى تراكم ديون كبيرة، فإن حجم هذه الخسائر ظل، وفق هذا الطرح، في حدود يمكن التعامل معها. فإذا افترضنا أن نصف القروض المصرفية أصبح غير قابل للتحصيل، فإن الخسائر الناتجة عن ذلك ستعادل نحو 40 % إلى 50 % من إجمالي الناتج القومي.
وقد تجاوزت ديون الولايات المتحدة ودول أخرى خلال فترات الحرب 100% من إجمالي الناتج القومي، إلا أن تلك الدول تمكنت في فترات السلم، ومع استقرار الأسعار وغياب التضخم المرتفع، من خدمة هذه الديون وسدادها من خلال الإيرادات المتولدة عن المؤسسات الخاصة والأفراد.
وبعد تنفيذ إصلاح شامل للمؤسسات المملوكة للدولة، سواء من خلال الخصخصة أو إعادة توزيع الملكية أو إقامة المشروعات المشتركة الصينية ـ الأجنبية، فإن قدرة المؤسسات على التوقف عن تحميل المصارف مزيداً من الديون يمكن أن تفتح المجال أمام الحكومة الصينية لاستخدام تمويل لمرة واحدة لمعالجة عجز المؤسسات والقروض المصرفية المتعثرة أو المعدومة.