عودة خط شرق-غرب تهبط بالنفط عالميا
انقلب اتجاه أسواق النفط بصورة حادة، الثلاثاء، بعدما تبددت سريعاً المكاسب التي سجلتها الأسعار في التعاملات المبكرة، وتحولت الأنظار من مخاطر نقص الإمدادات إلى احتمالات استعادة جزء مهم من تدفقات الخام في الشرق الأوسط. وجاء التحول الأكبر بعد أن نقلت «رويترز» عن مصادر تجارية أن السعودية أعادت تشغيل خط أنابيب «شرق-غرب»، بالتزامن مع توقع استئناف صادرات الخام عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، في تطور أعاد إلى السوق واحداً من أهم مسارات تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم نوفمبر بأكثر من 2 % خلال تعاملات الثلاثاء، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط خسائر أكبر نسبياً، بعدما كانت الأسعار قد بدأت الجلسة على ارتفاع. ولم يكن الهبوط مجرد استجابة لحركة فنية قصيرة الأجل، بل عكس إعادة تقييم سريعة لحجم المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية، عندما واجهت السوق اضطرابات متزامنة في طرق التصدير السعودية، وقيوداً على الملاحة عبر هرمز، إلى جانب تراجع إنتاج ليبيا.
طريق بديل
تكمن أهمية عودة خط «شرق-غرب» في الوظيفة الاستراتيجية التي يؤديها داخل منظومة الطاقة السعودية والعالمية. فالخط الممتد لنحو 1200 كيلومتر ينقل الخام من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، ليتيح تصديره عبر ينبع من دون الحاجة إلى المرور بمضيق هرمز. وتزداد أهميته بصورة استثنائيـة في أوقات الاضطرابات الإقليمية، إذ يمثل منفذاً بديلاً يسمح بتحويل كميات كبيرة من النفط بعيداً عن أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وكان توقف الخط قد قلص مرونة الصادرات السعودية وأجبر «أرامكو» على زيادة الاعتماد على موانئ الخليج. وتشير بيانات تتبع الناقلات التي نقلتها «رويترز» إلى أن الشركة حمّلت نحو 14 مليون برميل من الخام على سبع ناقلات عملاقة داخل الخليج يوم الأحد، في محاولة للحفاظ على تدفق الصادرات وتعويض الشحنات التي تعذر نقلها عبر ينبع. كما ارتفعت التحميلات السعودية من موانئ الخليج بعد تعطل المسار الغربي، وهو ما قدم إشارات مبكرة إلى قدرة المملكة على إعادة توجيه جزء من صادراتها عند تعرض أحد المسارات للاضطراب.
ضغط الأسعار
عودة الخط تغير هذه المعادلة مرة أخرى، لأنها تعني أن السعودية قد تستعيد تدريجياً القدرة على توزيع صادراتها بين الخليج والبحر الأحمر، بدلاً من تركيز جانب أكبر منها في مسار واحد. وبالنسبة إلى المتعاملين، لا تتعلق المسألة فقط بعدد البراميل التي يمكن ضخها فوراً، بل بعودة المرونة اللوجستية إلى أكبر مصدر للنفط في العالم، وما تحمله من قدرة على التعامل مع المخاطر التي تهدد الملاحة الإقليمية.
ولهذا كان رد فعل الأسعار سريعاً. فكل برميل يمكن نقله إلى ينبع يمثل عملياً كمية لا تحتاج إلى عبور هرمز، وكل زيادة في القدرة على استخدام البحر الأحمر تقلص احتمالات تحول اضطراب الملاحة في الخليج إلى نقص مباشر في الإمدادات العالمية. وتقدر الطاقة الاسمية لخط «شرق-غرب» بنحو 7 ملايين برميل يومياً، وإن كانت عودة التشغيل لا تعنـــي بالضرورة استخدام كامل هذه الطاقة منذ البداية.
بوابة هرمز
تزامن العامل السعودي مع تطور آخر لا يقل تأثيراً في حسابات السوق، بعدما أفادت تقارير بأن إيران عرضت إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتخفيف الضغط العسكري والقيود المفروضة عليها. ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن الوفد الإيراني الموجود في نيويورك يمتلك صلاحيات للسعي إلى تحرك دبلوماسي مع واشنطن، ما عزز الآمال بإمكان استعادة تدفقات أكبر عبر الممر البحري.
وتنبع حساسية السوق تجاه أي تطور يتعلق بهرمز من الثقل الاستثنائي للمضيق في تجارة الطاقة العالمية. ولذلك فإن مجرد احتمال تخفيف القيود على حركة الناقلات يمكن أن يؤدي إلى إزالة جزء من «علاوة المخاطر» التي يدفعها المشترون مقابل احتمالات تعطل الإمدادات. ومع اجتماع عاملين في جلسة واحدة، هما عودة المسار السعودي البديل واحتمال تحسن الملاحة في هرمز، أصبحت كفة الإمدادات أكثر ثقلاً من المخاوف الجيوسياسية في تسعير الخام.
رهان الدبلوماسية
لكن الأسواق لا تتعامل حتى الآن مع الانفراجة السياسية باعتبارها أمراً محسوماً. فالمسار الأميركي الإيراني لا يزال محاطاً بدرجة عالية من عدم اليقين، رغم وجود الطرفين في نيويورك بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعني ذلك أن أسعار النفط قد تظل رهينة الأخبار السياسية، بحيث تؤدي إشارة إيجابية إلى هبوط سريع، بينما يمكن لأي انتكاسة أو تصعيد جديد أن يعيد علاوة المخاطر إلى الأسعار بالسرعة نفسها.
وهذا يفسر التقلبات الحادة خلال جلسة الثلاثاء نفسها. فالنفط بدأ التعاملات مرتفعاً قبل أن يعكس مساره، وهو ما يكشف هشاشة المراكز الاستثمارية أمام الأخبار المتلاحقة. وكان محلل الأسواق تيم ووترر قد اعتبر الصعود المبكر أقرب إلى تغطية مراكز بيع بعد التراجعات السابقة منه إلى تغير جوهري في أساسيات السوق، مشيراً إلى أن الأسعار مرشحة للبقاء شديدة الحساسية للتطورات الدبلوماسية حتى تتضح وجهتها.
مرونة سعودية
وتكشف تطورات الأيام الأخيرة كذلك عن تحول مهم في إدارة تدفقات الخام السعودية. فعندما تعطل خط «شرق-غرب»، تحركت «أرامكو» لرفع التحميل من موانئ الخليج، وأظهرت بيانات الشحن زيادة واضحة في الصادرات من تلك المنافذ. والآن، مع استعادة الخط، تصبح أمام المملكة مساحة أوسع لإعادة موازنة التدفقات بين الشرق والغرب، وتقليل الضغط على الناقلات والمسارات البحرية التي ارتفعت أهميتها خلال الأزمة.
هذه المرونة لا تعني فقط حماية الصادرات السعودية، بل تمتد آثارها إلى المصافي الآسيوية والأوروبية. فميناء ينبع يوفر مساراً أقرب لبعض الأسواق الواقعة غرب المملكة، بينما يؤدي الاعتماد الأكبر على موانئ الخليج إلى زيادة المسافات والمخاطر بالنسبة إلى الشحنات المتجهة إلى مناطق أخرى. وبالتالي فإن استقرار خط الأنابيب يمكن أن ينعكس تدريجياً على تكاليف النقل وتوافر الناقلات ومواعيد تسليم الشحنات، وليس على سعر الخام وحده.
في المقابل، لا تزال هناك عوامل تحد من قدرة الأسعار على الهبوط بلا مقاومة. ففي ليبيا، أدى إغلاق مجموعة مسلحة للصمام رقم 7 على خط الأنابيب الممتد من حقل الشرارة إلى ميناء الزاوية إلى خسارة نحو 200 ألف برميل يومياً من إنتاج الحقل، ليتراجع الإنتاج إلى ما بين 100 ألف و105 آلاف برميل يومياً. ويضيف هذا التعطل عاملاً معـاكسـاً لتحسن الإمدادات السعـودية المحتمــل، ويذكّـر بــأن السوق ما زالت تواجه بؤراً متعددة للمخاطر.
معادلة جديدة
المشهد الذي تواجهه سوق النفط أصبح، نتيجة لذلك، أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين ارتفاع الإنتاج وتراجع الطلـب. فــالسوق تعيد الآن احتسـاب القيمـة الفعليــة للمخاطر الجيوسياسية بعد أن أثبتت السعودية قدرتها على تحويل مسارات صادراتها عند الضرورة، ثم إعادة تشغيل منفذها الغربي، بينما تفتح التحركات الدبلوماسية نافذة لاحتمال عودة حركة أكبر عبر هرمز.
وفي المقابل، يظل أي تعطل جديد في البنية التحتية أو تراجع للمسار الدبلوماسي قادراً على قلب المعادلة مجدداً. وهذا يجعل البرميل أكثر ارتباطاً في المدى القصير بحركة الناقلات والأنابيب والمفاوضات السياسية، بعدما كانت المخاوف من نقص الإمدادات قد دفعت الأسعار إلى مستويات أعلى خلال فترة الاضطراب.