إعانات الإعاقة البريطانية تتجاوز 40 مليار إسترليني
تواجه بريطانيا أزمة متفاقمة في منظومة الرعاية الاجتماعية، بعدما تحولت إعانات الصحة والإعاقة إلى أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العامة، وسط ارتفاع غير مسبوق في أعداد المستفيدين وتزايد المخاوف من اتساع دائرة الاعتماد طويل الأجل على المساعدات الحكومية. وتكشف المؤشرات عن اختلالات هيكلية تتجاوز ارتفاع الإنفاق، لتشمل تراجع مشاركة فئات واسعة في سوق العمل، وتعقيد إجراءات الاستحقاق، وتنامي الأعباء الإدارية، في وقت تجد فيه الحكومة البريطانية نفسها أمام معادلة شائكة تجمع بين حماية الفئات الأكثر احتياجاً وضرورة السيطرة على المصروفات العامة، دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي أو تقويض فرص التعافي الاقتصادي.
أعباء متصاعدة
وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق على مدفوعات الاستقلالية الشخصية لذوي الإعاقة، المعروفة اختصاراً باسم «Pip»، مرشح لأكثر من الضعف خلال العقد الحالي، ليصل إلى 40 مليار جنيه إسترليني، ما يعكس تسارعاً لافتاً في الالتزامات المالية المرتبطة بالدعم الصحي. ويأتي ذلك بالتزامن مع وجود نحو مليون شاب خارج منظومات العمل والتعليم والتدريب، في مؤشر يثير القلق بشأن خسارة طاقات إنتاجية كان يمكن أن تسهم في دعم النمو الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية.
وتزداد حدة المخاوف مع اتساع نطاق المستفيدين ليشمل أطفالاً في سن السابعة بأعداد تفوق المستفيدين من بعض الفئات العمرية الأكبر، ومنها فئة الخمسين عاماً، وفق المعطيات الواردة في التقرير. ويطرح هذا التحول تساؤلات بشأن طبيعة الحالات الصحية المسجلة، ومدى ملاءمة معايير التقييم الحالية، وقدرة النظام على التمييز بين الاحتياجات الفعلية والظروف التي تستدعي أشكالاً أخرى من المساندة.
استثناء أوروبي
وكشف تقرير صادر عن «مركز العدالة الاجتماعية» أن المملكة المتحدة أصبحت حالة استثنائية بين الاقتصادات المتقدمة من حيث سرعة ارتفاع طلبات الإعانات المرتبطة بالصحة منذ جائحة كورونا، إذ لم تقترب أي دولة من وتيرة الزيادة البريطانية باستثناء الدنمارك، التي سجلت ارتفاعاً يعادل نحو نصف المعدل المسجل في بريطانيا.
ويعزز هذا التفاوت المخاوف من وجود عوامل داخلية تتجاوز التداعيات الصحية للجائحة، وترتبط بتصميم برامج الدعم وآليات تقييم المستفيدين والحوافز الاقتصادية المرتبطة بالعودة إلى الوظائف. كما يسلط الضوء على احتمالات تحول بعض المساعدات المؤقتة إلى التزامات مستمرة، بما يحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والخدمات العامة.
ودعت «مؤسسة ريزوليوشن» إلى تطوير معايير الاستحقاق، بعدما كشفت عن حصول بعض الأفراد على مدفوعات نقدية رغم إقرارهم بأن إعاقاتهم لا تفرض عليهم تكاليف إضافية، وهو ما يبرز الحاجة إلى تقييمات أكثر دقة، تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها دون تعميم الشكوك على جميع المستفيدين.
جذور الاختلال
وتعود الأسس التاريخية لنظام الرفاه البريطاني إلى رؤية السير ويليام بيفريدج عام 1942، التي قامت على اشتراكات التأمين الوطني باعتبارها وسيلة لحماية المواطنين من مخاطر المرض والبطالة والتقاعد. وكان التصور الأصلي يعتمد على علاقة واضحة بين المساهمة المالية والحماية الاجتماعية، بما يحقق قدراً من التوازن بين الحقوق والالتزامات.
لكن تعاقب الحكومات وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية أديا إلى تراكم برامج جديدة وشروط متداخلة، خصوصاً مع ارتفاع البطالة بين الرجال وزيادة الأسر التي يعيلها شخص واحد. وأصبح استحقاق بعض المساعدات يفتح الباب تلقائياً أمام إعانات إضافية، ما ضاعف التعقيدات الإدارية ورفع تكلفة تشغيل المنظومة إلى نحو 10 مليارات جنيه إسترليني سنوياً.
ولا تقتصر التداعيات على النفقات المباشرة، إذ يمكن أن تؤدي قواعد احتساب الدخل إلى إضعاف الحافز المالي للالتحاق بوظيفة، عندما يفقد المستفيد جزءاً كبيراً من مساعداته بمجرد زيادة دخله، وهو ما يجعل إصلاح العلاقة بين الأجور والإعانات ضرورة اقتصادية واجتماعية.
إصلاحات سابقة
وبدأت محاولات إعادة هيكلة النظام بصورة جدية عام 2006، عندما كلفت حكومة توني بلير اللورد فرود بوضع مقترحات لتشجيع 2.7 مليون شخص يتلقون إعانات العجز عن العمل على العودة إلى النشاط الاقتصادي.
ومع وصول ديفيد كاميرون إلى السلطة عام 2010، تبنى وزير الرفاه الاجتماعي إيان دونكان سميث خطة لدمج ست إعانات ضمن برنامج «الائتمان الشامل»، بهدف تبسيط الإجراءات وجعل العمل أكثر جدوى من الناحية المالية، مع اشتراط إثبات البحث الجاد عن وظيفة للحصول على الدعم المرتبط بالبطالة.
وأظهرت التجربة نتائج مهمة، إذ انخفضت بطالة الشباب إلى النصف بين عامي 2010 و2018، فيما تراجعت نسبة الأسر التي لا يعمل أي من أفرادها إلى 13.5 % عام 2019، مقارنة مع 20.9 % عام 1996. كما انخفض عدد الأطفال الذين يعيشون في أسر بلا معيل عامل بنحو 750 ألف طفل.
وسجلت مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل تحسناً ملحوظاً، مع ارتفاع عدد العاملين منهم بأكثر من 1.3 مليون شخص بين عامي 2013 و2019، رغم عدم استكمال بعض الإصلاحات المرتبطة بالإجازات المرضية. وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تحسين معدلات التوظيف عبر سياسات تجمع بين الحوافز الاقتصادية وتطوير إجراءات الاستحقاق، وإن كانت لا تثبت أن الإصلاحات وحدها وراء جميع التحسن المسجل.
انتكاسة الجائحة
وشكلـت جـائحـة كورونا نقطــة تحول سلبية في مسار إصلاح الرعاية الاجتماعية، بعـدمـا ارتفعت طلبـات الإعانات بصورة حادة، خصوصاً المرتبطة بالحالات النفسية، بالتزامن مع التوسع في التقييمات الصحية عن بُعد.
وأثار تراجع المقابلات المباشرة خلال حكومة بوريس جونسون انتقادات بشأن كفاءة التحقق من الاستحقاقات، ومدى قدرة الإجراءات البديلة على تحديد الاحتياجات الفعلية للمستفيدين. وتبرز أهمية هذه المسألة في أن ضعف التقييم قد يؤدي إلى قرارات يصعب تعديلها لاحقاً، خصوصاً عندما تتحول المساعدة إلى مصدر دخل طويل الأجل.
وفي المقابل، يتطلب إصلاح الإجراءات مراعاة الحالات التي تواجه صعوبات حقيقيـة فـي الحضور الشخصي، بما يضمن عدم تحول تشديد الرقابة إلى عائق أمام حصول ذوي الإعاقة على حقوقهم.
اختبارات الاستحقاق
وتعهد وزير العمل والمعاشات بات ماكفادين برفع نسبة التقييمات المباشرة لإعانة «Pip» من 6 % عام 2024 إلى 30 %، في محاولة لتعزيز دقة القرارات وتقليص الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
غير أن تنفيذ هذه التوجهات يصطدم بمعارضة داخل حزب العمال، بعدما واجه رئيس الوزراء كير ستارمر رفضاً من نواب حزبه لمحاولة إبطاء نمو مدفوعات الإعاقة.
وكشف التقرير المرحلي لوزير الصحة الأسبق آلان ميلبورن أن نحو سبعة من كل عشرة شباب يحصلون على إعانات الصحة والإعاقة يستمرون في تلقيها بعد مرور عشر سنوات، ما يبرز صعوبة الخروج من دائرة الاعتماد على الدعم.
وتحتاج معالجة هذه الظاهرة إلى استثمارات أولية في التدريب والتأهيل والخدمات الصحية وفرص التوظيف، وهو ما يفسر حساسية الإصلاحات مالياً وسياسياً، خصوصاً مع تأجيل التقرير النهائي لميلبورن إلى ما بعد إقرار الميزانية.