تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختلال‭ ‬معادلة‭ ‬النمو‭ ‬بين‭ ‬التوسع‭ ‬الاستثماري‭ ‬وتراجع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية

LP43s

شهدت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولات‭ ‬مالية‭ ‬لافتة،‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬بروز‭ ‬إصلاحات‭ ‬وابتكارات‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬المحلية‭ ‬وصعدت‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭. ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬عشوائية،‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬التمويلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أمام‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭. ‬فخلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬نسبياً،‭ ‬أعادت‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬إحياء‭ ‬مناطق‭ ‬التبادل‭ ‬المالي‭ ‬بوتيرة‭ ‬تُشبه‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬وتسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬
ومع‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬2008،‭ ‬تكثّفت‭ ‬الجهود‭ ‬لمعالجة‭ ‬فجوة‭ ‬التمويل،‭ ‬حيث‭ ‬سارعت‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬منظومة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬المحلية،‭ ‬شملت‭ ‬شركات‭ ‬الإقراض‭ ‬الصغير‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬التمويلية‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬انضمت‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬والزراعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعاونيات‭ ‬الائتمان‭ ‬الريفي‭ ‬الخاضعة‭ ‬لإدارة‭ ‬محلية،‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬الابتكار‭ ‬المالي،‭ ‬ما‭ ‬وسّع‭ ‬نطاق‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬ووفق‭ ‬تحليلات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الصينية‭ ‬للعلوم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬تحولت‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬كانت‭ ‬شبه‭ ‬مجهولة‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬لاعبين‭ ‬رئيسيين‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬المصرفية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2009‭.‬

اللامركزية‭ ‬المالية

في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التوسع،‭ ‬برزت‭ ‬آثار‭ ‬واضحة‭ ‬لسياسات‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬مستويات‭ ‬الرفع‭ ‬المالي‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬العقارات‭. ‬هذا‭ ‬التوسع،‭ ‬رغم‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النمو،‭ ‬كشف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬عن‭ ‬مخاطر‭ ‬مالية‭ ‬كامنة‭ ‬بدأت‭ ‬تتضح‭ ‬تدريجياً‭.‬
ويرتكز‭ ‬التحليل‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬وهو‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬كمصدر‭ ‬للإيرادات‭. ‬فخلال‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬2003‭ ‬و2011،‭ ‬أظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬تبايناً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬مرونة‭ ‬الإيرادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأراضي‭ ‬بين‭ ‬الأقاليم‭ ‬الصينية‭. ‬ففي‭ ‬مناطق‭ ‬وسط‭ ‬وغرب‭ ‬الصين‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً،‭ ‬مثل‭ ‬يونان‭ ‬وشانشي‭ ‬وقانسو،‭ ‬تراوحت‭ ‬العوائد‭ ‬بين‭ ‬4‭ ‬و5‭ ‬مليارات‭ ‬يوان‭ ‬لكل‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬انخفضت‭ ‬هذه‭ ‬العوائد‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الشرقية‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً،‭ ‬مثل‭ ‬شاندونغ‭ ‬وغوانغدونغ،‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬ملياري‭ ‬يوان‭ ‬فقط‭.‬
هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬اختلافاً‭ ‬جغرافياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬هيكلية‭ ‬مهمة‭: ‬كلما‭ ‬ارتفع‭ ‬مستوى‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ما،‭ ‬تراجعت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭. ‬ومع‭ ‬الاستنزاف‭ ‬التدريجي‭ ‬للموارد‭ ‬الأرضية‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً،‭ ‬يتزايد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬حدوداً‭ ‬واقعية‭ ‬لاستمراريته‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الصين‭ ‬ككل‭.‬

القروض‭ ‬ورهن‭ ‬الأراضي

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الإيرادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأراضي‭ ‬تكشف‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬الصورة،‭ ‬فإن‭ ‬القروض‭ ‬تمثل‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬لهذا‭ ‬الاعتماد‭. ‬فعند‭ ‬استخدام‭ ‬القروض‭ ‬كمؤشر‭ ‬لقياس‭ ‬عمق‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التمويل‭ ‬والأراضي،‭ ‬تتضح‭ ‬صورة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬دلالة‭ ‬عن‭ ‬تحليل‭ ‬الإيرادات‭.‬
فاستناداً‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬المقاطعات‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬2003–2011،‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬مرونة‭ ‬القروض‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأراضي‭ ‬كانت‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬لكنها‭ ‬بدأت‭ ‬تتراجع‭ ‬تدريجياً،‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬يعكس‭ ‬تآكل‭ ‬الكفاءة‭ ‬التمويلية‭ ‬لهذا‭ ‬النموذج‭.‬
في‭ ‬المناطق‭ ‬الغربية‭ ‬الأقل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬الائتمان،‭ ‬مثل‭ ‬قويتشو‭ ‬ويونان،‭ ‬كان‭ ‬تطوير‭ ‬كل‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬يقابله‭ ‬تمويل‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬4‭ ‬مليارات‭ ‬يوان‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الشرقية‭ ‬الأكثر‭ ‬نشاطاً‭ ‬ائتمانياً،‭ ‬مثل‭ ‬غوانغدونغ‭ ‬وشاندونغ،‭ ‬فقد‭ ‬انخفض‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬مليار‭ ‬يوان‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬بقليل‭ ‬لكل‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭.‬
هذا‭ ‬التباين‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬كضمان‭ ‬للتمويل‭ ‬يواجه‭ ‬حدوداً‭ ‬بنيوية،‭ ‬فمع‭ ‬استهلاك‭ ‬الموارد‭ ‬الأرضية‭ ‬تدريجياً،‭ ‬يتراجع‭ ‬العائد‭ ‬الائتماني‭ ‬المرتبط‭ ‬بها،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬نموذج‭ ‬التنمية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬رهن‭ ‬الأراضي‭ ‬عرضة‭ ‬للتآكل،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬الإيرادات‭.‬

النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تحت‭ ‬المجهر

ولا‭ ‬يكتمل‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬انعكاس‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكلي‭. ‬إذ‭ ‬يكشف‭ ‬تحليل‭ ‬بيانات‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لـ28‭ ‬مقاطعة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها‭ ‬عن‭ ‬ارتباط‭ ‬وثيق‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬والاستثمارات‭.‬
وتشير‭ ‬النتائج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬هذين‭ ‬العاملين،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬إحصائية‭ ‬مقبولة‭ ‬تعزز‭ ‬موثوقية‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التعمق‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬يكشف‭ ‬اتجاهاً‭ ‬مهماً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التراجع‭ ‬التدريجي‭ ‬لمرونة‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأراضي،‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬يعكس‭ ‬الضغوط‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭.‬
ففي‭ ‬المناطق‭ ‬ذات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبيرة‭ ‬مثل‭ ‬غوانغدونغ،‭ ‬يبلغ‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لكل‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭ ‬نحو‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬يوان،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أقل‭ ‬تطوراً‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬نسبياً،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تفاوت‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الأرض‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬فتبدو‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬ففي‭ ‬الأقاليم‭ ‬المتقدمة‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مثل‭ ‬تشجيانغ‭ ‬وجيانغسو‭ ‬وشاندونغ،‭ ‬يحقق‭ ‬كل‭ ‬100‭ ‬مليون‭ ‬يوان‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬نمواً‭ ‬يقارب‭ ‬200‭ ‬مليون‭ ‬يوان‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬كفاءة‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تنخفض‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬منغوليا‭ ‬الداخلية‭ ‬ويونان،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬العائد‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬يوان‭ ‬لنفس‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬مرونة‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬تبلغ‭ ‬نحو‭ ‬0‭.‬74،‭ ‬فإنها‭ ‬تسجل‭ ‬تراجعاً‭ ‬تدريجياً‭. ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬انكماش‭ ‬اقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الطلب،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬المناطق‭ ‬الشرقية‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬كمحرك‭ ‬للنمو،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مساهمة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭.‬
تكشف‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬مجتمعة‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬جوهرية‭: ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الصيني،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والاستثمار،‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬استدامة‭ ‬متزايدة‭. ‬فالتراجع‭ ‬المتدرج‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬والاستثمارات‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬أزمة‭ ‬آنية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭.‬
ولا‭ ‬تقف‭ ‬دلالة‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التحليل‭ ‬الكمي،‭ ‬بل‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬لطبيعة‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إطار‭ ‬يفسر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التوسع‭ ‬والاستدامة‭.‬

اقتصاد‭ ‬‮«‬الين‭ ‬واليانغ‮»‬

تعكس‭ ‬المؤشرات‭ ‬السابقة‭ ‬حالة‭ ‬يمكن‭ ‬قراءتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إطار‭ ‬مستوحى‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬الين‭ ‬واليانغ،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬التوازن‭ ‬على‭ ‬انسجام‭ ‬قوى‭ ‬متقابلة‭. ‬ففي‭ ‬الحالة‭ ‬الصينية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬قد‭ ‬اختل‭ ‬مع‭ ‬ترسيخ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالنظام‭ ‬النقدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ (‬نسخة‭ ‬2‭.‬0‭).‬
فمنذ‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬ومع‭ ‬تراجع‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬واتساع‭ ‬اللامركزية‭ ‬النقدية‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬موجّه‭ ‬نحو‭ ‬التنمية،‭ ‬تعمّقت‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬ضوابط‭ ‬كافية‭ ‬تضبط‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭.‬

حين‭ ‬يتحول‭ ‬النمو‭ ‬إلى‭ ‬عبء

تعكس‭ ‬المؤشرات‭ ‬السابقة‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬‮«‬طاقة‭ ‬اليانغ‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬النمو‭ ‬المدفوع‭ ‬بالأراضي‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الاستدامة‭. ‬ومع‭ ‬اعتماد‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬محدودة،‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭: ‬رغم‭ ‬الرهان‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬التحضر‭ ‬كمحرك‭ ‬جديد‭ ‬للنمو،‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬الشروط‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬عاملاً‭ ‬فعّالاً‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الاقتصاد‭.‬

التحضر‭ ‬بين‭ ‬النظرية‭ ‬والواقع

من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬يُعد‭ ‬التحضر‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محركات‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لارتباطه‭ ‬المباشر‭ ‬بالتجمعات‭ ‬السكانية،‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬ديناميكيات‭ ‬قوية‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭.‬
فعلى‭ ‬مستوى‭ ‬العرض،‭ ‬يسهم‭ ‬التركز‭ ‬السكاني‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الابتكار،‭ ‬وتسريع‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬التكاليف‭.‬
وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الطلب،‭ ‬يؤدي‭ ‬التوسع‭ ‬السكاني‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الحاجة‭ ‬للخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬ما‭ ‬يحفّز‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيها‭ ‬ويخلق‭ ‬طلباً‭ ‬إضافياً‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭.‬
لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الصينية،‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬لم‭ ‬يقترن‭ ‬بزيادة‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية،‭ ‬بل‭ ‬العكس‭ ‬تماماً‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬بلغت‭ ‬الكثافة‭ ‬نحو‭ ‬180‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬لكل‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬التراجع‭ ‬التدريجي‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬160‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2011‭.‬

إعادة‭ ‬توازن‭ ‬النمو

لا‭ ‬يعكس‭ ‬تراجع‭ ‬الكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬مجرد‭ ‬تغير‭ ‬ديموغرافي،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬هيكلي‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬النمو،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التحضر—في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬التقليدي‭ ‬كمحرّك‭ ‬اقتصادي‭.‬
وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬استعرضها‭ ‬التحليل،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬والاستثمارات‭ ‬كركيزتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬للنمو‭ ‬يضع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أمام‭ ‬حدود‭ ‬متزايدة،‭ ‬ويقلّص‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬لإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬التوسع‭ ‬والاستدامة،‭ ‬ويستعيد‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬النمو‭ ‬والاستقرار،‭ ‬بما‭ ‬يؤسس‭ ‬لمسار‭ ‬تنموي‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

رجوع لأعلى