ارتفاع طفيف للعملات المشفرة بدعم تحسن نسبي في شهية المستثمرين
شهدت أسعار العملات المشفرة ارتفاعاً طفيفاً خلال تعاملات أمس الثلاثاء، مدعومة بتحسن نسبي في شهية المستثمرين تجاه الأصول الرقمية، بالتزامن مع تراجع توقعات الأسواق بشأن اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تشديد سياسته النقدية خلال الفترة القريبة.
وصعدت بيتكوين أكبر عملة مشفرة في العالم بنسبة 0.13% إلى 85.830.70 دولار.
وجاء تحرك العملات الرقمية في وقت تركز فيه الأسواق على مسار أسعار الفائدة الأميركية، باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة في أداء الأصول عالية المخاطر، ومن بينها العملات المشفرة. فكلما تراجعت احتمالات استمرار التشديد النقدي، تحسنت جاذبية الأصول التي لا توفر عائداً ثابتاً، في حين يؤدي ارتفاع الفائدة والعوائد على أدوات الدين الأميركية عادةً إلى زيادة الضغوط على السيولة الموجهة إلى الأسواق الأكثر مخاطرة.
وأظهرت بيانات الوظائف الأخيرة تحولاً في توقعات المتعاملين بشأن اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في أكتوبر، إذ تراجعت الرهانات على رفع أسعار الفائدة خلال الشهر، مع إعادة تقييم المستثمرين لقوة سوق العمل ومسار السياسة النقدية الأميركية.
ورغم انخفاض احتمالات الرفع في أكتوبر، لا تزال الأسواق تتوقع احتمالاً مرتفعاً لزيادة الفائدة في ديسمبر. ووفق أداة «فيدواتش»، يضع المتداولون احتمالاً يبلغ نحو 87% لرفع أسعار الفائدة الأميركية في ديسمبر، ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن توقيت التحول في السياسة النقدية، وعدم استبعاد عودة الضغوط التضخمية أو بقاء الظروف الاقتصادية داعمة لمزيد من التشديد.
وتكتسب تحركات الفائدة أهمية خاصة بالنسبة إلى سوق العملات المشفرة، إذ تتأثر بتغيرات السيولة العالمية واتجاهات المستثمرين نحو المخاطرة. وفي حال اتجهت توقعات السوق إلى خفض الفائدة أو تثبيتها لفترة أطول، فقد يدعم ذلك تدفقات جديدة إلى الأصول الرقمية، بينما يمكن أن يؤدي استمرار العوائد المرتفعة على السندات إلى الحد من جاذبية البتكوين وغيرها من العملات المشفرة.
«ميتابلانيت» تعزز رهاناتها على البتكوين
وفي تطور لافت على مستوى الشركات المالكة للعملات المشفرة، أعلنت شركة «ميتابلانيت» اليابانية شراء 1000 بتكوين جديدة خلال الربع الثالث، في خطوة تؤكد استمرار استراتيجيتها القائمة على زيادة انكشافها على أكبر عملة مشفرة من حيث القيمة السوقية.
ورفع الشراء الجديد إجمالي حيازات الشركة إلى نحو 44 ألف وحدة بتكوين، بقيمة إجمالية بلغت نحو 3.7 مليار دولار اعتباراً من 30 سبتمبر، وفق البيانات الواردة في النص.
وتعكس هذه الخطوة اتجاهاً متزايداً بين بعض الشركات المدرجة يتمثل في التعامل مع البتكوين باعتبارها أصلاً استثمارياً استراتيجياً طويل الأجل، بدلاً من الاكتفاء بالنشاط التشغيلي التقليدي. كما تمنح الزيادة الكبيرة في الحيازات الشركة تعرضاً أكبر لتحركات أسعار البتكوين، ما يعني إمكانية الاستفادة من صعود العملة، بالتوازي مع ارتفاع مستوى المخاطر في حال تعرض السوق لتصحيح حاد.
وتأتي استراتيجية «ميتابلانيت» في إطار موجة أوسع من اهتمام الشركات بالاحتفاظ بالبتكوين ضمن ميزانياتها، مع سعي بعض المؤسسات إلى التحوط من تراجع القوة الشرائية للعملات التقليدية أو الاستفادة من النمو المتوقع للأصول الرقمية على المدى الطويل.
السياسة النقدية تظل المحرك الرئيسي
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن سوق العملات المشفرة لا يزال شديد الارتباط بتوقعات السياسة النقدية الأميركية. فأسعار الفائدة لا تؤثر فقط على تكلفة الاقتراض، وإنما تحدد أيضاً مستوى العائد البديل المتاح أمام المستثمرين في الأصول منخفضة المخاطر.
وفي حال استمرار العوائد على سندات الخزانة الأميركية عند مستويات مرتفعة، قد يفضل المستثمرون الاحتفاظ بجزء أكبر من محافظهم في أدوات الدخل الثابت، الأمر الذي يمكن أن يحد من التدفقات إلى العملات المشفرة. أما انخفاض العوائد أو تراجع توقعات رفع الفائدة، فقد يعيد توجيه جزء من السيولة نحو الأصول عالية المخاطر.
وبذلك، تتجه أنظار المتعاملين في سوق العملات المشفرة خلال المرحلة المقبلة إلى بيانات التضخم والوظائف والنشاط الاقتصادي الأميركي، إلى جانب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بحثاً عن مؤشرات أوضح بشأن مسار الفائدة حتى نهاية العام.
البتكوين بين دعم المؤسسات ومخاطر التقلب
وفي الوقت الذي توفر فيه مشتريات الشركات الكبرى دعماً معنوياً للبتكوين، فإن زيادة الحيازات المؤسسية لا تلغي المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق. فارتفاع أسعار الفائدة، وقوة الدولار، وتغير شهية المخاطرة العالمية، إلى جانب التدفقات الاستثمارية، يمكن أن تؤدي جميعها إلى تحركات سريعة في أسعار الأصول الرقمية.
وتبرز حالة «ميتابلانيت» باعتبارها نموذجاً واضحاً لهذا الاتجاه؛ فرفع حيازتها إلى 44 ألف بتكوين يعزز مكانتها بين الشركات الكبرى من حيث امتلاك العملة، لكنه في الوقت نفسه يجعل نتائجها وقيمة أصولها أكثر حساسية لتحركات السوق.
وعليه، فإن الأداء المستقبلي للعملات المشفرة سيظل رهناً بمزيج من عاملين رئيسيين أولها مسار السياسة النقدية الأميركية من جهة، واستمرار تدفقات المؤسسات والشركات إلى البتكوين من جهة أخرى، وبينما يمثل تراجع توقعات رفع الفائدة في الأجل القريب عاملاً داعماً للسوق، فإن استمرار احتمال رفعها في ديسمبر يبقي حالة الحذر قائمة ويحد من قدرة العملات الرقمية على تحقيق مكاسب قوية ومستدامة.