الإعلام في عصر التحول الرقمي واقتصاد المعرفة
أصبحت الصناعات الإعلامية والثقافية والإبداعية، بمختلف أشكالها، أحد الأعمدة الأساسية التي يرتكز عليها الاقتصاد المعرفي الحديث، وفق ما أكدته العديد من الدراسات العربية والأجنبية التي تناولت التحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي العالمي. وتشمل هذه الصناعات مجالات الأدب والفنون والسينما والمسرح والدراما والموسيقى والفنون التطبيقية، إلى جانب قطاع الإعلام، الذي بات يشكل رافداً مهماً في صناعة المعرفة والمعلومات.
وأشارت دراسات متخصصة تناولت تطورات الاقتصاد الرقمي في المجتمعات الغربية، في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة، إلى أن التحول الرقمي عزز الاتجاه نحو بناء مجتمعات المعرفة، حيث أصبحت صناعة المعلومات وإنتاج المعرفة وتوزيعها وتسويقها من أبرز مصادر الثروة والدخل في الاقتصادات الحديثة. كما أكدت أن قطاعي الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات يشكلان دعامة رئيسية للاقتصاد الرقمي الجديد.
تحولات رقمية
وبيّنت الدراسات أن السنوات الأخيرة شهدت نمواً واضحاً في صناعة المعلومات والخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية، إلى جانب التوسع في تطبيقات تقنيات الاتصال الحديثة، ما أسهم في تعزيز دور الاقتصاد القائم على المعرفة. وأدى هذا النمو إلى اتساع فرص الاستثمار في قطاع المعلومات، ودفع المؤسسات المنتجة للمحتوى إلى تبني مزيد من التخصصية وإعادة هيكلة أعمالها بما يواكب احتياجات السوق ومتطلبات العملاء.
وفي السياق ذاته، دفعت التحولات نحو اقتصاد المعرفة مؤسسات الإعلام والاتصال إلى إعادة النظر في طبيعة أنشطتها واستراتيجياتها الاقتصادية، لتنتقل تدريجياً من مجرد مؤسسات معنية بإصدار الصحف أو بث القنوات التلفزيونية، إلى كيانات متكاملة لإنتاج المعلومات والخدمات الرقمية، عبر تبني سياسات التحول الرقمي وتكامل الخدمات وتعدد الأنشطة.
دور اقتصادي
وأكدت النتائج أيضاً أن صناعة الإعلام تؤدي دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الرقمي، ليس فقط من خلال العوائد الاستثمارية التي تحققها، بل كذلك عبر الترويج لهذا النموذج الاقتصادي الجديد، وتشجيع المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال على توجيه استثماراتهم نحو الصناعات والخدمات الحديثة. كما تسهم وسائل الإعلام في تعزيز تقبل المستهلكين لهذه التحولات، وخلق قنوات تواصل فعالة بين الجمهور وأصحاب المشروعات، بما يوفر بيئة مناسبة لنمو الاقتصاد الرقمي وترسيخ دعائمه.
وأظهرت الدراسات أن الاقتصاد الرقمي الجديد أحدث تحولاً جذرياً في طبيعة الصناعات العالمية، مع انتقال متزايد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات القائمة على المعرفة والتقنيات الحديثة، وفي مقدمتها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، إلى جانب تنامي الاستثمارات في مجالات البحث العلمي وبراءات الاختراع والبرمجيات والتطبيقات الرقمية.
كما رصدت الدراسات تغيرات واسعة في منظومة الاتصال، تمثلت في صعود الوسائط الرقمية الحديثة التي تعتمد أساليب أكثر تطوراً في إنتاج وتسويق الخدمات والمنتجات، ما أتاح لها الوصول إلى شرائح جماهيرية واسعة بفاعلية وسرعة أكبر مقارنة بالوسائل التقليدية. وأسهم هذا التحول في إعادة تشكيل الأسواق الإعلامية وخلق نماذج أعمال جديدة تعتمد بصورة أساسية على البيانات والمنصات الذكية والتفاعل المباشر مع الجمهور.
وأشارت النتائج إلى أن البيئة المحيطة بالاقتصاد الرقمي شهدت تحولات واضحة على المستويين التقني والاتصالي، الأمر الذي انعكس على طبيعة عمل المنصات الرقمية الجديدة، وأسهم في تشكيل بيئة إعلامية مختلفة تقوم على السرعة والتفاعل والتوسع في استخدام التقنيات الذكية، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة المحتوى وتوجيهه.
فلسفة متغيرة
وبيّنت الدراسات أن فلسفة الاقتصاد الرقمي تغيرت بصورة لافتة، إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على عمليات الإنتاج، بل تحول الاهتمام نحو الاتصال والتسويق وإدارة العلاقات مع العملاء، ما فرض الحاجة إلى كوادر تمتلك مهارات تواصل متقدمة وقدرات تقنية تواكب متطلبات المنافسة وتلبي احتياجات السوق المتغيرة.
كما أدى هذا التحول إلى تغيير أولويات المؤسسات الإعلامية، التي أصبحت أكثر اهتماماً بتطوير أدوات التحليل الرقمي وقياس سلوك الجمهور وتقديم خدمات إعلامية وتجارية متكاملة، في محاولة لتعزيز حضورها في سوق يشهد منافسة متسارعة وتحولات تقنية متلاحقة.
وفي العالم العربي، تأثرت اقتصاديات صناعة الإعلام بشكل مباشر بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي شهدتها المنطقة والعالم، سواء من خلال تنامي العولمة الاقتصادية أو اتساع نطاق ملكية وسائل الإعلام وتداخل الأسواق الإعلامية. وأصبحت معادلة «من يملك؟ ومن يدير؟ ومن يمول؟» من أبرز المؤشرات التي تكشف طبيعة التحولات التي طرأت على هذه الصناعة.
ورغم التحديات، استطاعت صناعة الإعلام العربية أن تفرض حضورها داخل الاقتصادين الوطني والعالمي، مدفوعة بتدفق الاستثمارات ودخول فئات جديدة من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال إلى هذا القطاع، إلى جانب تبني المؤسسات الإعلامية لاستراتيجيات السوق الحديثة والعمل وفق قواعد المنافسة ومتطلبات التطور التقني.
إعادة هيكلة
ومع تسارع ثورتي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات منذ منتصف التسعينيات، بدأت المؤسسات الإعلامية العربية بإعادة هيكلة أنظمتها الإدارية والتنظيمية وتطوير نماذجها الاقتصادية، لتتحول تدريجياً إلى مؤسسات إعلامية متعددة المنصات تعتمد على رقمنة الخدمات الإعلامية والتوسع في التكامل والاندماج الإعلامي، سعياً إلى تعزيز قدرتها التنافسية وضمان الاستمرار في السوق.
كما أسهمت هذه التحولات في تعزيز مكانة الصناعة الإعلامية ضمن منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي، بعدما أصبحت تعتمد على تنويع خدماتها والمزاوجة بين المحتوى الإعلامي والخدمات التجارية، الأمر الذي زاد من نفوذها الاقتصادي والإعلاني، ورفع من قدرتها على جذب المستثمرين والمعلنين والاستفادة من التطبيقات الحديثة للثورة التكنولوجية.
اقتصاد المعرفة
يرى خبراء ومتخصصون أن صناعة الإعلام في العالم العربي بدأت تتحرك تدريجياً ضمن إطار اقتصاديات المعرفة، في ظل التوسع المتسارع في الاستثمار بمجالات النشر الرقمي والإعلام الإلكتروني، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تطوير وظائف المؤسسات الإعلامية وأدواتها التشغيلية.
وتشير التقديرات إلى أن غالبية الخبراء، بنسبة تجاوزت 51%، يعتقدون أن المؤسسات الإعلامية العربية باتت أكثر ارتباطاً بنموذج اقتصاد المعرفة، خاصة مع تبني العديد منها لسياسات الاندماج والتحول نحو المنصات الإعلامية المتعددة، بدلاً من النموذج التقليدي القائم على الوسيلة الواحدة.
كما اتجهت هذه المؤسسات إلى فتح أسواق جديدة تستهدف توسيع قاعدة المستخدمين وجذب المعلنين، الأمر الذي ساعد على تحسين أوضاعها الاقتصادية وتعويض جزء من الخسائر التي تعرضت لها في ظل تراجع النموذج التقليدي للإعلام الورقي، قبل الانتقال إلى الأنماط الرقمية والنشر الإلكتروني.
وأصبحت صناعة الإعلام تؤدي دوراً متنامياً في دعم اقتصاد المعرفة، ليس فقط باعتبارها قطاعاً استثمارياً مهماً يرفد الاقتصاد الوطني، بل أيضاً من خلال مساهمتها في دعم برامج التنمية الاقتصادية وتعزيز التحول نحو الاقتصاد الرقمي. كذلك تلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في تهيئة البيئة المجتمعية الداعمة لهذه التحولات، عبر رفع مستوى الوعي بأهمية الاقتصاد المعرفي وترسيخ القيم المرتبطة به داخل المجتمع.
تحديات الصحافة
ويرى مختصون أن حسن استيعاب هذه التحولات من قبل القائمين على المؤسسات الإعلامية العربية يمكن أن يحول قطاع الإعلام، خلال السنوات المقبلة، إلى واحدة من أبرز الصناعات المرتبطة باقتصاد المعرفة، وفق معايير أكثر تطوراً تتماشى مع المتغيرات العالمية.
وفي المقابل، تؤكد تقارير ودراسات دولية ومحلية أن صناعة الصحافة التقليدية تواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة التطورات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وما أفرزته من منصات وخدمات إعلامية رقمية قادرة على المنافسة بصورة أكثر كفاءة وسرعة.
مستقبل رقمي
وأدت هذه التحولات إلى تراجع معدلات توزيع الصحف المطبوعة وانكماش الأسواق التقليدية التي كانت تعتمد عليها صناعة الصحافة، كما دفعت المنافسة الرقمية كثيراً من الصحف الورقية إلى التوقف عن الصدور أو التحول الكامل إلى النشر الإلكتروني.
وتشير تقارير دولية إلى توقف ما يقارب مائة صحيفة يومية وأسبوعية في الولايات المتحدة منذ بداية الألفية الجديدة، إلى جانب إغلاق أكثر من 130 صحيفة مطبوعة في إيطاليا، فضلاً عن توقف عدد من الصحف المحلية في دول أوروبية عدة، بينها ألمانيا والسويد، في مؤشر واضح على حجم التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام التقليدي عالمياً، وسط توقعات بأن يشهد المستقبل مزيداً من الاعتماد على المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في إنتاج وتوزيع المحتوى الإعلامي.