الإمارات على رادار المليارات.. وثقة المستثمرين تقترب من الإجماع
تواصل الإمارات تعزيز موقعها على خريطة الاستثمار العالمي، مستفيدة من تنامي الطلب على مشروعات البنية التحتية وخدمات إدارة الثروات، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين المراكز المالية الدولية لاستقطاب رؤوس الأموال. وكشف استطلاع عالمي أجراه بنك «إتش إس بي سي» أن 97% من المستثمرين حول العالم يعتبرون الإمارات وجهة جاذبة للاستثمار في البنية التحتية خلال السنوات الأربع المقبلة، وترتفع النسبة إلى 99% بين المستثمرين الآسيويين.
وتعكس هذه النتائج مستوى مرتفعاً من الثقة بالفرص الاستثمارية في الدولة، رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، كما تشير إلى استمرار اهتمام المؤسسات العالمية بتوظيف رؤوس أموالها في المشروعات طويلة الأجل.
وشمل الاستطلاع أكثر من 1600 من كبار قادة الأعمال و800 مستثمر مؤسسي في 16 سوقاً، ما يوفر مؤشراً إلى توجهات الشركات والمؤسسات المالية بشأن توزيع استثماراتها خلال السنوات المقبلة.
ثقة عالمية
تكتسب نتائج الاستطلاع أهمية خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها حركة رؤوس الأموال العالمية، إذ يبحث المستثمرون عن أسواق توفر فرصاً للنمو والبنية التحتية والخدمات المالية المتقدمة.
وتشير نسبة التأييد المرتفعة بين المستثمرين الآسيويين إلى أهمية الروابط الاقتصادية بين الإمارات والأسواق الآسيوية، خصوصاً مع تنامي دور الدولة بوصفها مركزاً يربط تدفقات التجارة والاستثمار بين الشرق والغرب.
ولا تعني هذه النسب أن جميع المشاركين قرروا ضخ استثمارات فعلية، لكنها تعكس تقييماً إيجابياً لجاذبية السوق وإمكاناتها المستقبلية.
كما أظهر الاستطلاع أن 88% من قادة الأعمال يخططون للتوسع في الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع المقبلة، فيما يعتزم 14% زيادة استثماراتهم في المنطقة بأكثر من 25%.
وتعكس هذه التوجهات اهتماماً متزايداً بالفرص طويلة الأجل، رغم استمرار المخاوف المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية وتأثيرها المحتمل في قرارات الاستثمار.
مشروعات ضخمة
تستند جاذبية المنطقة إلى قاعدة واسعة من مشروعات البنية التحتية، إذ تشير بيانات الاستطلاع إلى وجود نحو 4500 مشروع قيد التنفيذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، بقيمة إجمالية تقدر بنحو 872 مليار دولار.
ويمثل هذا الحجم من المشروعات فرصة للمؤسسات المالية وشركات الإنشاءات والمستثمرين المتخصصين في تمويل الأصول طويلة الأجل.
كما أن توسع الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يدعم النشاط الاقتصادي عبر زيادة الطلب على الخدمات الهندسية والمواد والمعدات والتمويل، إلى جانب تحسين كفاءة القطاعات الاقتصادية عند اكتمال المشروعات. وتتجاوز أهمية هذه الاستثمارات قيمتها المباشرة، إذ يمكن للبنية التحتية المتطورة أن تسهم في خفض تكاليف ممارسة الأعمال وتحسين الربط بين الأسواق وجذب أنشطة اقتصادية جديدة.
لكن تحويل المشروعات المعلنة إلى عوائد فعلية يظل مرتبطاً بسرعة التنفيذ وكفاءة التمويل والقدرة على إدارة التكاليف والمخاطر.
سباق الثروات
بالتوازي مع الاهتمام بالبنية التحتية، تتوسع المؤسسات المصرفية العالمية في خدمات إدارة الثروات بالإمارات، استجابة للطلب المتزايد من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة.
ويعتزم بنك «إتش إس بي سي» افتتاح مركز جديد لإدارة الثروات في أبوظبي خلال ديسمبر المقبل، ضمن أكبر استثمار له في الشرق الأوسط منذ عقدين، بعد افتتاح مركز مماثل في دبي العام الماضي.
وقال الرئيس التنفيذي للبنك في الإمارات محمد المرزوقي إن الصراعات الإقليمية لم توقف نمو الطلب على خدمات إدارة الثروات، مشيراً إلى استمرار استقطاب عملاء جدد من أصحاب الثروات الكبيرة خلال النصف الأول من العام.
وأوضح أن عدداً متزايداً من المستثمرين يتجه إلى توظيف حصة أكبر من أمواله داخل الإمارات، بالتزامن مع استمرار تنويع محافظه عبر مراكز مالية عالمية مثل سنغافورة وهونغ كونغ ولندن وجنيف.
وتعكس هذه التحركات تغيراً في طبيعة الطلب على الخدمات المصرفية، إذ لم تعد المنافسة تقتصر على جذب الودائع، بل امتدت إلى إدارة الاستثمارات وتقديم حلول مالية عابرة للحدود.
يدعم التوسع في التكنولوجيا المالية قدرة البنوك على تطوير خدماتها واستقطاب شرائح جديدة من المستثمرين، خصوصاً مع تزايد الطلب على سرعة تنفيذ العمليات وإدارة الأصول عبر منصات رقمية.
وفي هذا الإطار، أطلق «إتش إس بي سي» عشرة صناديق استثمارية محلية في يناير، وقدم خدمة الودائع الرقمية المرمزة في يونيو لتسهيل حركة العملات المتعددة على مدار الساعة.
كما أطلق البنك أول سند رقمي في المنطقة بسوق أبوظبي للأوراق المالية، في خطوة تعكس اتساع استخدام التقنيات الحديثة في الخدمات الاستثمارية.
وتتيح هذه التطورات للمؤسسات المالية فرصاً لتحسين كفاءة العمليات وتوسيع نطاق المنتجات، مع استمرار الحاجة إلى إدارة المخاطر والامتثال التنظيمي.
الإمارات تعزز موقعها المالي العالمي
تشير نتائج الاستطلاع وخطط التوسع المصرفي إلى أن جاذبية الإمارات ترتكز على مسارين متكاملين؛ أولهما استقطاب الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي والبنية التحتية، وثانيهما تعزيز مكانتها مركزاً لإدارة الثروات وتدفقات رأس المال الدولية. ورغم أن المخاطر الجيوسياسية قد تدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم، فإنها لا تلغي بالضرورة الفرص الاستراتيجية طويلة الأجل، وفقاً لتقديرات مسؤولي البنك.
وتبرز أهمية العلاقات مع الأسواق الآسيوية، خصوصاً هونغ كونغ، في توسيع قنوات الاستثمار المتبادل وربط المستثمرين بالفرص الإقليمية والعالمية.
وبذلك، لا تقتصر المنافسة على جذب الأموال إلى الإمارات، بل تشمل أيضاً قدرتها على تحويل هذه التدفقات إلى استثمارات منتجة وخدمات مالية متطورة، بما يعزز دورها في حركة رأس المال العالمية خلال السنوات المقبلة.